الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ليلة نزول القرآن الكريم
بدأ تنزل النور الذى أضاء الله به الأرض وما عليها فى الليلة المباركة، وفى هذا لفت نظر إلى أن هذا التنزيل سيبدد الظلمات بالنور، وسيفرق فيها بين الحق والباطل، وسيقيم الناس على المحجة البيضاء، وكانت الليلة المباركة التى هى خير من ألف شهر.
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)[القدر]، إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)[الدخان]، وكانت الليلة المباركة فى الشهر المبارك شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [البقرة: 185] وشاء الله أن يكون شكر الأمة لله على هذه المنة بنزول القرآن الكريم فى هذا الشهر العظيم أن يصومه المسلمون فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: 185]، فالصيام فى نهاره، ويقوم المسلمون ليله بهذا الذكر الحكيم، فكان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة.
فى مثل هذا الزمن الفاضل كان نزول أولى الآيات القرآنية الكريمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غار حراء حيث كان يتحنث فيه الليالى ذوات العدد، فجاءه الملك «
…
وقال:
اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال:
اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5)[العلق]».
وعند ما تكون بداية الوحى أمرا بالقراءة لإمام هذه الأمة ولمن تبعه فإنها بداية موجهة للأمة إلى الوجهة التى شرفها الله بها، وإلى المهمة التى يعدها الله لها، إنها مهمة التعليم والتزكية والتربية والتبليغ والدعوة، بهذه المهمة كانت البعثة: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164)[آل عمران]. وعلى هذه المهمة تكون أمته كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110] والطريق إلى القيام بهذه المهمة يتضح منذ اللحظة الأولى، ومن التوجيه الأول والأمر الكريم «اقرأ» ، وتستطيع بناء على ذلك أن تقرر أن أول مبدأ يقرره الوحى، القراءة والتى هى مفتاح العلم الذى سيرد ذكره بعد قليل. وعلى ذلك يمكن أن نقول أيضا: إن من بين المقاييس بل ومن أهمها فى قياس درجة تفاعل الأمة مع إسلامها، ومع وحى ربها مقياس القراءة، فالأمة المسلّمة لربها أمة قارئة عالمة.
وتتبع هذا المبدأ ملازمة ومنهج صحيح يرش طريق القراءة، وهو مبدأ القراءة باسم الله الرب الخالق العظيم سبحانه وتعالى، اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.
وللعلماء فى توجيه ذلك أقوال منها: ما قاله أبو عبيدة: أن الباء زائدة وعلى ذلك يكون المعنى اقرأ اسم ربك، ومعنى ذلك اذكر اسمه. ولكن يذكر الرازى ضعف هذا الرأى
لوجوه يقول فيها: أحدها أنه لو كان معناه اذكر اسم ربك ما حسن منه أن يقول ما أنا بقارئ. أى لا أذكر اسم ربى. وثانيها: أن هذا الأمر لا يليق بالرسول؛ لأنه ما كان له شغل سوى ذكر الله فكيف يأمره بأن يشتغل بما كان مشغولا به أبدا، وثالثها:
أن فيه تضيع الباء من غير فائدة.
ولكن يمكن أن نناقش رد الرازى لهذا الرأى بقولنا: إن إجابة الرسول عن قول جبريل: «اقرأ» فقط كما جاء فى الرواية التى ذكرناها سابقا، فكان يضمه ويقول له:
«اقرأ» فيقول: «ما أنا بقارئ» وليست الإجابة إذن كما يذكر الإمام الرازى عن قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: 1]. بل نزلت الآية بعد الضمة الثالثة وإجابة الرسول: «ما أنا بقارئ» ، تقرير للأمية التى هى دليل إعجاز للنبى صلى الله عليه وسلم، حتى لا يقال ما قاله بعض المشركين أنه قرأ كتب الأولين: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (48)[العنكبوت]. وهذا يناسب أيضا الآية الكريمة التى تنبهه أن قراءته ستكون باسم الله وتعليمه وقوته وليست من ذاتك أو جهدك الشخصى أو تعلمك السابق.
أما قول الرازى: إن هذا لا يليق بالرسول؛ لأنه ما كان له شغل سوى ذكر الله،
فإنه يجاب عن هذا بأن هذا الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر لأمته، ولا يعنى الأمر بذكر اسم الله عند القراءة، وعند طلب العلم، وعند القيام بالعمل أن الرسول لا يذكر الله فى كل أحيانه، بل هذا تدعيم لما كان عليه من الذكر الدائم، وأمر لأمته بأن يكونوا على ذلك.
والقول الثانى: فى تفسير ذلك أن المراد من قوله: «اقرأ» أى اقرأ القرآن إذ القراءة لا تستعمل إلا فيه، قال تعالى: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18)[القيامة] وقال وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (106)[الإسراء] وقوله بِاسْمِ رَبِّكَ تحتمل وجوها أحدها: أن يكون التقدير: اقرأ القرآن مفتتحا باسم ربك أى قل:
باسم الله ثم «اقرأ» وفى هذا دلالة علي أنه يجب قراءة التسمية فى ابتداء كل سورة كما أنزل الله تعالى وأمر به، وفى هذه الآية رد على من لا يرى ذلك واجبا ولا يبتدئ بها.
وثانيها: أن يكون المعنى: اقرأ القرآن مستعينا باسم ربك، وتحقيق ذلك أنه لما قال له:«اقرأ» فقال له: «لست بقارئ» ، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، أى استعن باسم ربك واتخذه معينا فى تحصيل ما تيسر عليك، وثالثها: أن قوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أى اجعل هذا الفعل لله وافعله لأجله كما تقول: بنيت هذه الدار باسم فلان ولأجله فإن العبادة إذا صارت لله تعالى فكيف يجترئ الشيطان أن يتصرف فيما هو لله تعالى، فإن قيل: كيف يستقيم هذا التأويل فى قولك، قبل الأكل: باسم الله، وكذا قبل كل فعل مباح؟ ويجيب الرازى عن هذا بوجهين:
أحدهما: إن الإضافة هنا للفعل إلى العظيم- جل جلاله ليقطع الشيطان طمعه عن مشاركتك، فقد روى أن: من لم يذكر اسم الله شاركه الشيطان فى ذلك.
والثانى: أنه ربما استعان بذلك المباح على التقوى، وعلى طاعة الله فيصير المباح طاعة، فيصح ذلك التأويل فيه.
إذا كانت الآيات الكريمة الأولى في التنزيل اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ تقرر مبدأ القراءة أولا، ومبدأ أن تكون هى والعمل جميعا باسم الله استعانة وطلبا لمرضاته، يبقى أن نتأمل ذكر كلمة «الرب» - سبحانه- فى قوله تعالى: بِاسْمِ رَبِّكَ، وذلك مناسب غاية المناسبة لموقفين:
أحدهما: مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر مع الناس؛ أما مع النبى صلى الله عليه وسلم فإن الرسول الكريم بلقائه مع جبريل فى صورته الملكية والتى خلق عليها فزع وخشى على نفسه،
وذكر كلمة الرب مع هذا تزيل ما فى نفسه من خشية أو فزع، وكأنما يقال للرسول الكريم: هو الذى رباك فكيف يفزعك؟ ومعنى آخر فيه تذكر للنبى صلى الله عليه وسلم بما منّ الله به عليه من تربية: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (7) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (8)[الضحى]، فالتذكير بهذه النعم التى منحها الرب سبحانه تطمين للنبى صلى الله عليه وسلم، وفى الوقت نفسه تحفيز لهم للقيام بواجب الشكر عليها، وقضاء هذا الدين بلا تكاسل.
والأمر الثانى: أن الشروع ملزم للإتمام، وقد ربى الله رسوله منذ البداية فكيف يضيعه، أى منذ أن كان علقة لم يدعه، فكيف بعد أن صار خلقا نفسيا موحدا عارفا بالله كيف يضيعه؟
وأما ما يتعلق بالناس فكذلك تذكير لهم بما صنع من آيات يقرون بها تدعو إلى الإيمان بالرب الخالق الرازق المنعم سبحانه، وتؤهلهم بهذا الإيمان إلى الاستجابة لما يوحى به إليهم من أمر أو نهى فناسب ذلك أن يقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ولذلك جاء عقبها الَّذِي خَلَقَ (1)[العلق]، فكأن العبد يقول: ما الدليل على أنك ربى؟ فيقول له: لأنك كنت بذاتك وصفاتك معدوما ثم صرت موجودا، فلا بد لك فى ذاتك وصفاتك من خالق، وهذا الخلق والإيجاد تربية يدل ذلك على أنى ربك، وأنت مربوبى، وفى هذا تقرير لمبدأ ثالث وهو الخلق لله وحده: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: 54] فله الخلق الذى يلفت نظرنا إليه بصورة مطلقة تشمل كل مخلوق.
«فالذى خلق» الأولى تكون بمعنى أنه الذى جعل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه، إنه خلق كل شىء.
وخَلَقَ الثانية تخصيص للإنسان بالذكر من بين جملة المخلوقات، وذلك إما لأن التنزيل إليه، أو لأنه أشرف ما على وجه الأرض باختصاص الله له بوحيه وشرعه وتكريمه، وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (70)[الإسراء] ففي ذلك التخصيص تعميم لخلق
الإنسان ودلالة على عجيب قدرته؛ ولذلك احتج جماعة من العلماء بهذه الآية على أنه لا خالق غير الله تعالى، قالوا: لأنه سبحانه جعل الخالقية صفة مميزة لذات الله تعالى عن سائر الذوات، وكل صفة هذا شأنها؛ فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها.
فالربوبية إشارة إلى الخالقية. وهذه المعانى التى نقف عليها فى هذا التنزيل تضع
أمامنا مبدأ آخر، وهو: وجوب معرفة الرب الخالق- سبحانه وتعالى وهذه المعرفة من أول الواجبات، ومن أهمها وقد بدأ بها القرآن الكريم مع الناس بداية تتلاءم مع ما كانوا عليه من عبادة الأوثان، فالحكيم- سبحانه وتعالى لما أراد أن يبعثه رسولا إلى المشركين لو قال له: اقرأ باسم ربك الذى لا شريك له لأبوا أن يقبلوا ذلك منه، لكنه تعالى قدم لذلك مقدمة تلجئهم إلى الاعتراف به، فكأن الحق سبحانه يقول: إن هؤلاء عباد الأوثان فاذكر لهم أنهم هم الذين خلقوا من العلقة فلا يمكنهم إنكاره، ثم قل: ولا بد للفعل من فاعل فلا يمكنهم أن يضيفوا ذلك إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه، فهذا التدريج مقرون بأنى أنا المستحق للثناء دون الأوثان، كما قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: 87] فإذا أيقنوا بذلك وصلوا إلى التفريق بين من يخلق ومن لا يخلق أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [النحل: 17] ووصولا بذلك إلى الإذعان لأمره ونهيه، وحققوا فى أنفسهم توحيد الألوهية مع توحيد الربوبية.
وفى ذكر الخلق من علق غير مشاهد للإنسان وقت نزول الوحى وأصبح اليوم معلوما مشاهدا بالأدوات الطبية والمناظير وأصبحت أطوار خلق الإنسان التى حكى عنها القرآن الكريم تفصيلا معروفة، دليل واضح على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تبليغه لكلام ربه الذى لا يعلم الغيب إلا هو ولا خالق سواه، وعلى ذلك يكون الترتيب كما سبق «اقرأ» فالقراءة مفتاح العلم، وإذا كان العلم دليل العمل والعمل باسم الله الرب الخالق الرازق الكريم، وأول ما ينبغى أن يعلم ويعرف توحيد الله توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ثم يأتى التكرار المؤكد لما سبق الذى يقدم مع التأكيد مزيدا من المعانى فيقول تعالى: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)[العلق].
ويوجه بعض العلماء هذا الأمر بالقراءة مع الأمر السابق أن الأول لنفسه والثانى للتبليغ. أو الأول للتعلم من جبريل والثانى للتعليم. وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ فمن كرمه تعالى أن خلق ورزق، وربّى ومنح خلقه بلا عوض، وهذا هو معنى الكريم، فالكرم إفادة ما يبتغى بلا عوض وهو سبحانه أكرم، وفى بيان وجوه بعض أكرميته يقول بعض العلماء: إنه كم من كريم يحلم وقت الجناية، لكن لا يبقى إحسانه على الوجه الذى كان قبل الجناية وهو تعالى أكرم، لأنه يزيد بإحسانه بعد الجناية، ومنه قول القائل:
متى زدت تقصيرا تزد لى تفضلا
…
كأنى بالتقصير أستوجب الفضلا
وثانيها: إنك كريم لكن ربك أكرم، وكيف لا وكل كريم ينال بكرمه نفعا ويدفع ضررا، أما الله سبحانه فالأكرم إذ لا يفعله إلا لمحض الكرم.
ثالثها: أنه الأكرم؛ لأن له الابتداء فى كل كرم وإحسان، وكرمه غير مشوب بالتقصير.
رابعها: يحتمل أن يكون هذا حثا على القراءة، أى هذا الأكرم؛ لأنه يجازيك بكل حرف عشرا، وحثا على الإخلاص أى اقرأ لأجلى، ودع علىّ أمرك فأنا أكرم من أن لا أعطيك ما لا يخطر ببالك، ويحتمل أن المعنى تجرد لدعوة الخلق ولا تخف أحدا فأنا أكرم من أن آمرك بهذا التكليف الشاق ثم لا أنصرك.
ومع وصف الله سبحانه لنفسه جل شأنه بأنه خلق الإنسان من علق، وأنه علّم بالقلم فما المناسبة بين الأمرين؟
إن الآيات الكريمة تبين مزيد كرم الله الأكرم سبحانه حيث تفضل على الإنسان بخلقه أولا، وتفضل عليه ثانيا بنقله من حالة مهينة إلى تشريفه بالعلم وإدراك حقائق الأشياء، وصيره إلى أشرف مراتب المخلوقات ويذكر ذلك فى هذا السياق القرآنى الكريم وفى بداية نزول الوحى ليرتبط بقضية التوحيد الكبرى فى حياة الإنسان، فهذا التحويل من أحسن المراتب إلى أشرفها يلفت نظر الإنسان إلى وجود المدبر والمقدر فيذعن لأمره ونهيه، كما أن فى هذا تنبيها على أن العلم أشرف الصفات الإنسانية، وكأن الآيات الكريمة تقول لنا الإيجاد والإحياء والأقدار والرزق كرم ربوبيته، أما الأكرم فهو الذى أعطاك العلم؛ لأن العلم هو النهاية فى الشرف.
كما أن العلاقة بين المعنى السابق فى خلق الإنسان من علق بفضل ربه وكرمه وبين الذى علم بالقلم، انتقال بالإنسان كذلك من الوقوف على كمال القدرة والحكمة والعلم والرحمة إلى الوقوف على الأحكام التى لا يستقيم الخلق إلا بها، والتى لا سبيل إلى معرفتها إلا بالتعلم والاستماع إلى ما يأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربه، فالحالة الأولى معرفة الربوبية. والثانية: الوقوف على النبوة وتقديم الأولى على الثانية تأهيل للإنسان للإقبال على النبوة وما يتبعها من تكليف إقبالا صحيحا مستجيبا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: 24].
وأما قوله تعالى: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)[العلق] فإشارة إلى أهمية هذه الآلة وتلك
الأداة التى يتم بها تقيد العلم فيجتمع للإنسان فضلان عظيمان؛ فضل القراءة وبها يحصل العلم، وفضل تقييد العلم بالكتابة، ولذلك شبه الكلام بالريح الذى لا تبقى وقيده بالكتابة، وشبه العلم بالصياد الذى يصيد العلوم، والبدء بمبدإ الكتابة مع القراءة سبيلا للعلم النافع فى بداية نزول القرآن الكريم نقل للعرب خاصة، وللعالمين عامة من أمية متفشية، ومن جهالة مطبقة، ومن ضلال مبين، ومن ظلمات إلى حالة التعلم والتعليم، وإلى الحلم ونور المعرفة، وإلى الهدى والرشاد، إلى النور والوضوح والطريق المستقيم، فالعرب كانوا أميين، وكان عدد الذين يقرءون ويكتبون فى جزيرة العرب ضئيلا جدا، وكانت الجهالة عامة فيهم، وأما بقية العالمين فكانت تعيش ما يسمى بعصر الظلمات فى جوانب حياتها كلها. ولذلك وجدنا عناية الإسلام من اللحظة الأولى بنقل الإنسان إلى نور العلم وسبيل ذلك القراءة وكذلك الكتابة، وإذا اجتهد الإنسان وسلك سبيل العلم بالقراءة والكتابة باسم ربه وامتثالا لأمره وجد المزيد من توفيق الله له فعلمه ما لم يكن يعلم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: 282]، فمن علم
بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم.
هذه هى الآيات الأولى التى عطرت الدنيا، فكانت أول ما نزل من وحى ربنا من فضله وكرمه ومنته على العالمين، ورأينا كيف اجتمع فيها من المبادئ ما يمكن أن نقول:
إنها المفاتيح لهذه الأمة لتبدأ مكانتها، ولتنقل إلى الرشد والهدى، إن هذه الآيات الكريمات ذكرت الناس بربهم ليستجيبوا، وليمسكوا بمفتاح فلاحهم، وليقرءوا ما أنزل إليهم من ربهم، وما ينفعهم فى حياتهم، وليكتبوا ما تعلموه حتى يفيد منه أبناؤهم، وحتى يتمكنوا من تبادل معلوماتهم. بهذا أمرهم من خلقهم من علق، ومن نقلهم إلى هذا الشرف العلمى، ومن أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، ومنحهم العيون التى يقرءون بها، والآذان التى يسمعون بها، والشفاه التى يتكلمون بها، والبيان الذى ينطقون به، والأيدى التى يكتبون بها، فإذا استجابوا منحهم المزيد من علمه.
إنها ربطت المخلوقين بربهم، ووضعتهم على سبيل رشادهم، ونلاحظ مع هذه الآيات الكريمة أنها بدأت بأمر «اقرأ» ولكنه أمر ممتزج ببيان ما يتيسر تنفيذه، وما يرشد استعماله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: 1] وتلا ذلك الإخبار والتذكر والنظر المتدبر، فأخبرت الآيات عن أن الله سبحانه خلق، وخلق الإنسان من علق؛ ليتأمل السامع والقارئ ذلك وتكون هذه من الأسس والقواعد التى تفصل بعد ذلك فى كتاب الله تعالى؛ لتشتمل
على الأمر والنهى فيما يسمى بالأحكام المتعلقة فيما بين العباد وربهم، وفيما بين العباد وبعضهم، وتشتمل على العقيدة التى هى أساس الأحكام وغيرها، فتربط الناس بربهم سبحانه بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وتشتمل كذلك على ما تصحب هذا التعلم من معرفة شاملة لما يتحلى به من خلق كريم، وما يعرف من أخبار سبقت أو حوادث تجرى، كما تدعو إلى التأمل والتدبر فيما يكون فى حياة الإنسان وخلقه، هذه هى البدايات المباركة فى آيات الذكر الحكيم، ويبقى بعد ذلك أن نذكر المناسبة بين هذه الآيات الكريمة الأولى والآيات التى تلتها والتى تبدأ بقول الله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (7)[العلق].
فمتى نزلت وهل هى تالية فى نزولها لهذه الآيات الأولى أم لا؟
لقد تتابعت الآيات فى السورة الكريمة في قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (7) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (8)
…
إلى آخر السورة الكريمة فهل هذا الترتيب على ترتيب نزولها؟ نقول إن ما تضمنته الآيات الكريمة من معانى تدل على تأخر نزولها، وأنه نزلت آيات أخر بعد الآيات السابقة سنذكرها إن شاء الله فى حينها- بعد إكمال سورة العلق- ولكن لم يعرف على وجه التحديد الدقيق متى نزلت الآيات الكريمة من قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) إلى قوله جل شأنه: لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)[العلق] حتى نجعلها فى مكانها من ترتيب نزولها إلا أن ما تضمنته من المعانى يجعل وقت نزولها قريبا من هذه الآيات الأولى، كما أن ترتيب هذه الآيات الكريمة بالآيات السابقة- وهو ترتيب توقيفى كما مر بنا- يجعل المعانى مترابطة ترابطا وثيقا تتحقق فيه الوحدة العضوية لتكون سورة العلق بمجموعها مشتملة على المبادئ الأساسية فى حياة الدعوة، وفى حاجة الناس، والتى فصلت بعد ذلك فى السور القرآنية والأحاديث النبوية وعلى ذلك سنتناول هذه الآيات بالحديث عنها هنا.
ففي قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6)[العلق] يذكر أكثر المفسرين أن المراد من الإنسان هنا: إنسان واحد هو أبو جهل، ومنهم من قال: نزلت السورة من هنا إلى آخرها فى أبى جهل، وقيل: نزلت من قوله أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْداً إلى آخر السورة فى أبى جهل: قال ابن عباس: كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلى فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟ فزجره النبى صلى الله عليه وسلم فقال أبو جهل: تالله إنك لتعلم أنى أكثر أهل
الوادى ناديا فأنزل الله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (18)[العلق] قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله، فكأنه تعالى لما عرفه أنه مخلوق من علق، فلا يليق به التكبر فهو عند ذلك ازداد طغيانا وتعززا بما له ورئاسته فى مكة، ويروى أنه قال: ليس بمكة أكرم منى، ولعله- لعنه الله- قال ذلك ردا لقوله تعالى:
وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) وعلى ذلك نقول: إن المناسبة بين الآيات قائمة وخاصة عند من يقول: بأن المراد من الإنسان المذكور فى هذه الآية جملة الإنسان، فبين الله تعالى أنه خلقه من علقة، وأنعم عليه بالنعم التى قدمنا ذكرها؛ إذ أغناه، وزاد فى النعمة عليه فإنه يطغى ويتجاوز الحد فى المعاصى واتباع هوى النفس، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة هكذا يستمر السياق إلا أن القول الأول أظهر بحسب الروايات وهذا ما يجعلنا نقول: أن هذا يقتضى أن يكون الرسول الكريم قد صدع بأمر ربه، وعرف المؤمنون به والمعارضون له والواقفون فى طريق دعوته، والذين تمادوا بعد ذلك فى المبالغة والتجاوز فى إيذائه وتعذيب أصحابه، وعلى ذلك يكون نزول هذه الآيات الكريمة بعد فترة زمنية ليست بالقصيرة، نزلت فيها آيات أخرى سنتناولها- إن شاء الله- فى مكانها، وقد عرفت هذه الفترة بالفترة السرية والتى انتهت بصعود النبى صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا وندائه على بطون قريش وإعلانه لهم بأنه رسول الله إليهم، وأنه نذير لهم بين يدى عذاب شديد، ومن يومها كانت الشرارة الأولى فى التحديات، والتى أطلقها عمه أبو لهب قائلا: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ ومن هذه الساعة أخذت الفتنة البدنية والمالية طريقها وشملت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومن هذه الفتنة التى لحقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع القاذورات والنجاسات عليه وهو ساجد، وكذلك وضع الشوك فى طريقه كما كانت تصنع امرأة أبى لهب وابنتها، بالتدبير لقتله وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (30)[الأنفال]، وكانت هذه المحاولات لصرف الرسول عن دعوته وتخويف الناس حتى لا يؤمنوا به ومحاولة التأثير على من آمن به للعودة إلى الكفر.
ولذلك تجد الآيات من سورة العلق تذكر مثل هذه التصرفات الطائشة من المشركين الذين وقفوا فى طريق الدعوة؛ لتردعهم ولتزجر غيرهم؛ ولتعلمهم أنهم بقوتهم
ضعفاء أمام قوة الله وقدرته، وأن الله سينصر رسوله ويعلى كلمته ولو كره المشركون. قال تعالى:(كلا) وجاء فى معناها أنها للردع والزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، والكلام يدل عليه وإن لم يذكروا الوجه الثانى- وقال به مقاتل: كلا لا يعلم الإنسان أن الله
هو الذى خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ وذلك لأنه عن صيرورته غنيا يطغى ويتكبر ويصير مستغرق القلب فى حب الدنيا، فلا يتفكر فى هذه الأحوال ولا يتأمل فيها. والوجه الثالث: ذكره الجرجانى صاحب النظم وهو: أن (كلا). هاهنا بمعنى حقا لأنه ليس قبله ولا بعده شىء تكون (كلا) ردا له، وهذا كما قالوه فى كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)[المدثر] فإنهم زعموا أنه بمعنى «إى والقمر» والطغيان هو التكبر والتمرد، وتصبح العلاقة بعد هذا البيان بين الآيات أن الله تعالى لما ذكر فى مقدمة السورة دلائل ظاهرة على التوحيد والقدرة والحكمة؛ بحيث بعد من العامل ألا يطلع عليها ولا يقف على حقائقها اتبعتها بما هو السبب الأصلى فى الغفلة عنها وهو حب الدنيا، والاشتغال بالمال والجاه والثروة والقدرة، فإنه لا سبب لعمى القلب فى الحقيقة إلا ذلك، وخاصة عند ما نعلم أن معنى:(استغنى) أن الإنسان رأى نفسه إنما نالت الغنى؛ لأنها طلبته وبذلت الجهد فى الطلب فنالت الثروة والغنى بسبب ذلك الجهد لا أنه نالها بإعطاء الله وتوفيقه وهذا من الحماقة والجهل بحقائق الأمور، فكم من باذل وسعه فى الحرص والطلب وهو يموت جوعا. ولذلك فإن الطغيان يأتى نتيجة هذا المفهوم الخاطئ للغنى، وأما المفهوم الصحيح الذى يسعى فيه المؤمن سعيا نشيطا وهو مستعين بالله ومتوكل عليه ويعلم أن رزقه بيديه فإنه يزداد بالغنى شكرا وتواضعا وهكذا كان حال الأنبياء كسليمان عليه السلام.
ومن المبادئ والقيم التى أرستها الآيات الأولى من التنزيل والتى تسهم في تأسيس الأفراد والأمم:
المبدأ الأول: أن الأمر لله سبحانه وكان الأمر الأول منه اقرأ؛ فالقراءة إذن أساس عظيم من أسس البناء الفردى والجماعى.
المبدأ الثانى: أن الخلق له سبحانه فهو الذى خلق وخلق الإنسان من علق، ويرتبط بهذا المبدأ مبدأ آخر وهو النظر والتأمل، فذكر الخلق بصورة عامة والتخصيص في خلق الإنسان من علق- دعوة إلى النظر والتأمل فى الخلق والآفاق، وفى النفس، وفى امتزاج الأمر والخلق فى الآيات الكريمة توجيه إلى ضرورة تحقيق الجانبين، ومقتضياتهما فى نفس الإنسان، فنظره وتأمله فى الخلق والنفس يملأ قلبه حبا وتعظيما للخالق البارئ المصور سبحانه، ويهيئ القلب للاستجابة لأمر الآمر النّاهى جل شأنه.
ولذلك نجد المبدأ التالى يدعم ما مضى حيث يقترن الأمر بالقراءة بالتذكير بالرب الأكرم سبحانه؛ فمنه وحده النعم التى يسديها بلا مقابل، وهذا يملأ القلوب حبا للمنعم تبارك وتعالى.
المبدأ الثالث فى الآيات: أن أجل نعم الله على الإنسان أن علّمه وهداه إلى الانتفاع بهذا العلم، فأرشده إلى تقييده بالقلم واستثارته بالقراءة؛ فالعلم إذن منه سبحانه، ولا علم للإنسان إلا من خالقه الأكرم سبحانه، فهو الذى خلقه وأخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئا وأمده بأجهزة التعلم فجعل له السمع والأبصار والأفئدة، وعلمه ما لم يكن يعلم.
وذكر العلم فى هذا السياق وامتزاجه بالمبادئ السابقة يجعله علما نافعا مفيدا للإنسان وللبشرية؛ فهو علم مسبوق ومصحوب بذكر الخالق سبحانه، وذكر آلائه ونعمه، ومسبوق بالتهيئة النفسية للاستجابة لأمر الله، وتحقيق التوحيد فى قلب الإنسان؛ توحيد الألوهية والربوبية.
من هذا، نستنتج تاريخ هذه المبادئ القرآنية، وأنها تمثل أهمية كبرى حيث بدئ بها وعنيت بها الآيات الأولى من التنزيل الحكيم وهي إذن مفاتيح البناء التى ينبغى أن نعنى بها فى تربية أبنائنا ونفوسنا.
وتمضى بنا آيات السورة الكريمة الأولى فى تقرير مجموعة أخرى من المبادئ التى تمثل تحذيرا من الخروج عن المبادئ الأولى السابقة، فالأول منها التحذير من الوقوع فى دائرة الطغيان، ويرتبط بذلك بيان عامل هذا الطغيان الأساسى، وهو أن يتصور الإنسان فى لحظة من اللحظات أنه يمكن أن يستغنى عن خالقه ورازقه وآمره وناهيه، فينسب ما فيه من رزق إلى مهارته وجهده ناسيا كيف خلق من علق؟ وكيف رزق وعلم؟ وكيف وجه وأمر من ربه ليرشده إلى فلاحه؟ أو أن يصل إلى الغنى المادى بطريق غير مشروع فيرى نفسه غنيا فيدعوه هذا الغنى بالباطل إلى الطغيان، وتجاوز الحد فى البغى والعدوان.
المبدأ الثانى فى هذه التنبيهات والتحذيرات- والذى يمثل وقاية للإنسان من هذا الطغيان: أن يتذكر مبدأ الرجوع إلى الله إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (8)، وهذا أول تنبيه من الوحى للإنسان نحو هذه الحقيقة التى نسيها أو تعامى عنها أو أنكرها، وحول حياته نتيجة لهذا الإنكار أو التغافل إلى حياة ظالمة طاغية عاشت على الظلم واستمرأته،
ودافعت عنه ووقفت فى وجه من أراد أن ينقذ البشرية من هذا الطغيان، ومن ظلم الإنسان لنفسه ولغيره. فتقرير مبدأ الرجعى والمنتهى والمعاد مبدأ فى السورة الأولى، وهو- كما أشرنا- أساسى وضرورى يعصم الإنسان من الطغيان لنفسه ولغيره، وتقدم لنا الآيات الكريمة فى استفهام بلغت للسامع صورة من صور هذا الطغيان المواجه للخير والاستقامة، والذى يدل على إصرار صاحبه فى المحافظة على جو الظلم وظلماته، فيمنعه أن يسمع كلمة يهدى الحيارى، أو أن يرى فعلا يوقظ فى الإنسان معنى العبودية لله تعالى، إنه لا يحب أن يرى صالحا فى نفسه أو هاديا إلى البر والصلاح والتقوى فيقول الله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْداً إِذا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (14)[العلق].
والذى يلفت نظرنا هنا: أن الآيات الأولى تقرر الحقائق بصورة مجملة ليتبعها التفصيل بعد ذلك، فذكر المعاد يذكر إجمالا؛ ليفصّل بالأدلة والبراهين بعد ذلك لتنتقل بنا الآيات الكريمة إلى معوقات البناء الإنسانى المتمثلة فى نماذج الطغاة، ومنهم الطاغية الذى أشارت إليه الآيات بهذا الاستفهام، وهو أبو جهل- لعنه الله.
أخرج ابن المنذر عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: هل يعفر وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل لأطأن على رقبته،
ولأعفرن وجهه فى التراب، فأنزل الله: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى
…
(6) الآيات. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى فجاءه أبو جهل فنهاه، فأنزل الله: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْداً إِذا صَلَّى (10) إلى قوله تعالى: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (16).
وفى رواية أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الصلاة فنكص على عقبه، فقالوا له:
مالك يا أبا الحكم؟ فقال: إن بينى وبينه لخندقا من نار وهولا شديدا، وفى هذا الموقف دلالة على أن الآيات الأخيرة من السورة الكريمة نزلت بعد أن انتشر الأمر وعرف الناس الصلاة بالصورة التى بدئت بها فى أول الأمر، ولكن ليس الفارق الزمنى كبيرا.
لقد تعرفنا على مجموعة من المبادئ التى تضمنها القسم الأول من السورة، ثم تعرفنا على المبادئ الضابطة للسلوك الإنسانى ليستقيم على هذه المبادئ؛ ومنها حمايته من الطغيان بتذكره لربه وفقره إليه عدم استغنائه عنه، ثم بتذكر الرجعى، ثم بالوقوف
على نموذج الطغاة متمثلا فى أبى جهل، وكيف كان حاله؟ إن حاله يدعو إلى العجب الذى نجده فى الخطاب مع الرسول على سبيل التعجب أَرَأَيْتَ؟ ووجه التعجب فى ذلك أمور منها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو: اللهم أعز الإسلام إما بأبى جهل بن هشام أو بعمر فكأنه تعالى قال له: كنت تظن أنه يعز به الإسلام أمثله يعز به الإسلام؟ وهو ينهى عبدا إذا صلى، ومن وجوه التعجب كذلك: أن أبا جهل كان يلقب بأبى الحكم فكأنه تعالى يقول: كيف يليق به هذا اللقب وهو ينهى العبد عن طاعة ربه؟ أيوصف بالحكمة من يمنع عن طاعة الرحمن ويسجد للأوثان؟ ومن هذه الوجوه كذلك: أن ذلك الأحمق يأمر وينهى، ويعتقد أنه يجب على الآخرين طاعته مع أنه ليس بخالق ولا رب، ثم إنه ينهى عن طاعة الرب والخالق ألا يكون هذا غاية الحماقة؟
وينهى من؟ ينهى عبدا، والتنكير هنا يفيد أمورا منها: الدلالة على كون العبد كاملا فى العبودية، كأنه يقول: إنه عبد لا يفى العالم بشرح بيانه وصفة إخلاصه فى عبوديته، يصدق هذا المعنى ما روى من أن يهوديا من فصحاء اليهود جاء إلى عمر فى أيام خلافته فقال: أخبرنى عن أخلاق رسولكم، فقال عمر: اطلبه من بلال فهو أعلم به منى.
ثم إن بلالا دله على فاطمة ثم فاطمة، دلته على على رضي الله عنهم فلما سأل عليّا عنه قال:
صف لى متاع الدنيا حتى أصف لك أخلاقه، فقال الرجل: هذا لا يتيسر لى، فقال على: عجزت عن وصف متاع الدنيا، وقد شهد الله على قلته حيث قال: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [النساء: 77]. فكيف أصف أخلاق النبى وقد شهد الله تعالى بأنه عظيم حيث قال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)[القلم]، فكأنه تعالى قال: ينهى أشد الخلق عبودية عن العبودية وذلك عن الجهل الحمق.
كما يدل التنكير على أن هذا النهى كان دأبه وعادته فينهى كل من يرى وهذا أبلغ فى الندم.
كما أن هذا له دلالة كذلك فى التخويف لكل من نهى عن الصلاة، ويستمر التعجب فى خطاب الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (12)؟
[العلق] وهذا ينسجم مع الخطاب السابق أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْداً، وينسجم مع الخطاب اللاحق: أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13)؟ ويكون المعنى: أرأيت إن كان هذا الكافر على الهدى، أى صار على الهدى، واشتغل بأمر نفسه، أما كان يليق به ذلك
إذ هو رجل له عقل وذو ثروة، فلو اختار الدين والهدى والأمر بالتقوى، أما كان ذلك خيرا له من الكفر بالله والنهى عن طاعته؟ فكيف فوت على نفسه المراتب العالية، ووقع بالمراتب الدنيئة؟ وهذا الخطاب المبكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى الآيات الأولى وفى بداية الدعوة، والمتضمن لما كان ينبغي أن يكون عليه هذا الناهى عن الصلاة، وهو أن يكون على الهدى أو أن يكون آمرا بالتقوى، فالذى شق على أبى جهل من الرسول صلى الله عليه وسلم أمران: الصلاة والدعاء إلى الله؛ فالرسول الكريم كان يرى فى أحد هذين الأمرين ويدعى إلى ذلك كل مؤمن، وهو كذلك سبيل الخروج من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، وأن يكون فى إصلاح نفسه وذلك بفعل الصلاة، وفى إصلاح غيره وذلك بالأمر بالتقوى كما كان عليه الصلاة والسلام فى صلاته على الهدى وآمرا بالتقوى؛ لأن كل من رآه وهو فى الصلاة كان يرق قلبه فيميل إلى الإيمان، فكان فعل الصلاة دعوة بلسان الفعل، وهو أقوى من الدعوة بلسان القول، وهذا كان يطغى أبا جهل وهذا يدعو إلى العجب.
أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13)؟ ويستمر الخطاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيان حال هذا المستغنى الطاغى الذى كذب بالدلائل القوية السابقة المذكورة فى الآيات الكريمة من الخلق والرزق والكرم والتعليم وتولى عن طاعة مولاه بل منع غيره عن الطاعة، أيعلم بعقله السليم أنه على الباطل وأنه لا يفعل ذلك إلا عنادا أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (14) يرى منه هذه الأعمال القميئة ويعلمها، أفلا يزجره ذلك عن هذه الأعمال؟
ولذلك نجد هنا الضابط الآخر والمهم فى ضبط السلوك الإنسانى، وهو يعين الإنسان بمراقبة الله له، وأنه يسمعه ويراه فهذا يعصم الإنسان من الطغيان، ويعصمه من الظلم لنفسه وللناس، وهذا المبدأ العاصم الذى يقرر منذ اللحظات الأولى فى عمر الدعوة المباركة يفصل تفصيلا بعد ذلك فى آيات الكتاب العزيز، وفى أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم ليجعل من المسلم محسنا فى أقواله وأفعاله وأحواله فيعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وتختم السورة بمضامين تحتاج إلى تفصيل نذكرها إجمالا:
أولا: الذى يقع فى دائرة الطغيان لنفسه ولغيره يعرض نفسه للعقوبة التى تلائم طغيانه.
ثانيا: عقوبة تجاوز حدود الله فى الدنيا والآخرة.
ثالثا: التوجيه للمؤمنين بعدم السير فى ركاب الطغاة وطاعتهم والاستقامة على وحى الله وهديه.