الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما فرض من الله تعالى ليلة المعراج
ونتناول مرتبة أخرى وهى ما أوحاه الله سبحانه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها.
وهذه المرتبة تبين لنا فضل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وعظيم قدرة الله تبارك وتعالى:
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)[الإسراء]. وقد تواترت الروايات فى حديث الإسراء ووصف ما حدث تفصيلا عن عمر بن الخطاب وعلىّ وابن مسعود وأبى ذر ومالك بن صعصعة وأبى هريرة وأبى سعيد وابن عباس وشداد بن أوس وأبىّ بن كعب وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وأبى أيوب وأبى أمامة وسمرة بن جندب وصهيب الرومى وأم هانئ وعائشة وأسماء رضي الله عنهم أجمعين، منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع فى المسانيد وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون، ذكر ذلك الحافظ أبو الخطاب عمر بن وهب بعد ذكره حديث الإسراء من طريق أنس.
ومن مجموع هذه الأحاديث التى جمعها الإمام ابن كثير فى تفسيره يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة قبل الهجرة، وأنه كان يعطيه الزمام راكبا على البراق. فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب، ودخله فصلى فى قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتى بالمعراج وهو كالسلم ذى درج يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين فى السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم حتى مر بموسى الكليم فى السادسة وإبراهيم الخليل فى السابعة، ثم جاوز منزلتيهما صلى الله وسلم عليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى وقد غشيها من أمر الله تعالى ما غشيها، ورأى هناك جبريل على صورته، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل- بانى الكعبة الأرضية- مسندا ظهره إليه؛ لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ورأى الجنة والنار وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس، رحمة منه ولطفا بعباده، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت
الصلاة، ومن الناس من يرى أنه أمّهم فى السماء، والذى تظاهرت به الروايات أنه فى بيت المقدس، ولكن فى بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم فى منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدا، واحدا وهو يخبر بهم؛ ويرى ابن كثير أن هذا هو اللائق لأنه كان أولا مطلوبا إلى الجناب العلوى ليعرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذى أريد به اجتمع هو واخوته، ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه للإمامة، وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام له فى ذلك، ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وكان ذلك ببدنه وروحه- عليه الصلاة والسلام يقظة وليس- كما يزعم البعض- بروحه فقط وأنه كان مناما. والدليل على ذلك قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ [الإسراء: 1]. فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناما لم يكن فيه كبير شىء، ولم يكن مستعظما، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، وأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقد قال تعالى: أَسْرى بِعَبْدِهِ وقال تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: 60]. قال ابن عباس: هى رؤيا عين، أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به، وقال تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (17)[النجم]. والبصر من آلات الذات لا الروح، وأيضا فإنه حمل على البراق- وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان- وإنما يكون هذا للبدن لا للروح؛ لأنها لا تحتاج فى حركتها إلى مركب تركب عليه والله أعلم «1» .
وعلى هذا كانت صورة الوحى هنا فوق السموات، وكان مما فرض فيها الصلاة، وفرضية الصلاة فى هذه المرتبة يدل على شرفها وقدرها ومنزلتها بين الفرائض الأخرى، وكذلك أهميتها فى حياة الإنسان، وثمرتها فى حياته، أما منزلتها من الفرائض الإسلامية فتأتى بعد كلمتى الشهادة، فالإسلام بنى على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا.
وهى من الإسلام عماده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد فى سبيل الله» ، وهى أول ما يحاسب عليه العبد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة؛ فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» «2» . وهى آخر وصية وصى به رسول الله
(1) تفسير ابن كثير 4/ 324، ط الأندلس.
(2)
رواه الطبرانى.
صلى الله عليه وسلم أمته عند موته حيث جعل يقول: «الصلاة، الصلاة وما ملكت أيمانكم» .
وأما أهميتها وثمرتها فى حياة الفرد والأمة، فإنها العمل الذى بإقامته على وجهه الصحيح يذكر بها ربه، فيطمئن قلبه، وتهدأ نفسه، وينشرح صدره، وتسعد بها حياته، ولولا هذه الصلة لضاق الصدر، وضاقت الحياة، ووضع فى الضنك، وصار الشيطان قرينه، مفسدا عليه حياته، وهى التى تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهى التى تجمع المسلم بإخوانه كل يوم خمس مرات فى بيت من بيوت الله، فتأتلف قلوبهم، ويعالجون أمور حياتهم، فهذه الفريضة بهذه المكانة العظيمة، وبهذا الأثر العظيم كان إيجابها بمخاطبة الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من غير واسطة، قال أنس:«فرضت الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نودى يا محمد: إنه لا يبدل القول لدى، وإن لك بهذه الخمس خمسين» . رواه أحمد والنسائى والترمذى وصححه «1» .
هذه هى مرتبة ما أوحاه الله إليه وهو فوق السموات ليلة المعراج.
ومن مراتب الوحى وصوره مع الرسول الكريم والتى ذكرها ابن القيم رحمه الله:
كلام الله له كما كلم الله موسى بن عمران، وهذه المرتبة ثابتة لموسى عليه السلام قطعا بنص القرآن الكريم، وبثبوتها لنبينا صلى الله عليه وسلم وهو فى حديث الإسراء، وقد ذكرنا بعضا من ذلك سابقا. ويقول ابن القيم: وقد زاد بعضهم مرتبة وهى تكليم الله له كفاحا من غير حجاب، وهذا على مذهب من يقول: إنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه تبارك وتعالى، وهى مسألة خلاف بين السلف والخلف، وإن كان جمهور الصحابة مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كما حكاه عثمان بن سعيد الدارمى إجماعا للصحابة «2» .
وبعد تناولنا لهذه المراتب ينبغى أن نبرز ما يلى:
أولا: رؤي الأنبياء- كما مر بنا- ليست من قبيل أضغاث الأحلام، فإذا كانت الرؤيا إدراك يقوم بجزء من القلب لا يحله النوم فإن الأنبياء لا يستولى النوم على قلوبهم، ولا على جزء منها.
ثانيا: لم ينزل شىء من القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم بل نزل كله يقظة، وأما ما جاء فى صحيح الإمام مسلم عن أنس قال: مر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا فى المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: «أنزل علىّ آنفا سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ
(1) فقه السنة 1/ 90.
(2)
زاد المعاد: 1/ 80.
الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)[الكوثر]. فقد أجاب الإمام الرافعى رحمه الله فى أماليه على الفاتحة بقوله: فهم فاهمون من الحديث أن السورة نزلت فى تلك الإغفاءة وقالوا: من الوحى ما كان يأتيه فى النوم لأن رؤيا الأنبياء وحى قال: وهذا صحيح، لكن الأشبه أن يقال: إن القرآن كله نزل فى اليقظة وكأنه خطر له فى النوم سورة الكوثر المنزلة فى اليقظة، أو عرض عليه الكوثر الذى وردت فيه السورة فقرأها عليهم وفسرها لهم، ويقول الرافعى: وردت فى بعض الروايات أنه أغمى عليه، وقد يحمل ذلك على الحالة التى كانت مقترنة عند نزول الوحى، ويقال لها: برحاء الوحى
…
ويعلق الإمام السيوطى رحمه الله على قول الرافعى بقوله:
والذى قاله الرافعى فى غاية الاتجاه وهو الذى كنت أميل إليه قبل الوقوف عليه، والتأويل الأخير أصح من الأول، لأن قوله: أنزل علىّ آنفا يدفع كونها نزلت قبل ذلك، بل نقول: نزلت فى تلك الحالة وليست الإغفاءة إغفاءة نوم، بل الحالة التى كانت تعتريه عند الوحى فقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ عن الدنيا «1» .
ولا يفهم من الأخذ عن الدنيا أنه كان يغيب عن الوعى. كلا فقد مر بنا ما يفيد الوعى المستمر أثناء نزول الوحى، وبعد أن يفصم عنه صلى الله عليه وسلم، حيث يقول النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك:«فيكلمنى فأعي ما يقول» . ويقول: «فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال» .
كما أنه أوحى إليه والعرق فى يده كما حكى عمر رضي الله عنه فى الحديث الذى جاء فيه قول النبى صلى الله عليه وسلم: «إنه قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكنّ» . وأنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها، فالوعى إذا مستمر مع نزول الوحى، وليس عرضا مرضيا أو عصبيا كما يدعى المغرضون.
وكيف يكون مع المرض إعجاز وعلم وهدى للعالمين؟! ثالثا: ليس الوحى اختياريا، أو تكلفا، أو طوع أمره صلى الله عليه وسلم فقد طلبه فى أشد الأوقات، وكان يشتاق إلى كثرة نزول جبريل عليه، ولكن لا ينزل الوحى إلا بأمر الله، وفى الوقت الذى يشاء، روى الترمذى عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: «ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» قال: فنزلت هذه الآية: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64)«2» [مريم].
ورواه البخارى عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» فنزلت: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ الآية، قال: كان هذا الجواب
لمحمد صلى الله عليه وسلم.
وقال مجاهد وقتادة وعكرمة والضحاك ومقاتل والكلبى: احتبس جبريل عن النبى صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف وذى القرنين والروح ولم يدر ما يجيبهم، ورجا أن يأتيه جبريل بجواب ما سألوا عنه، قال عكرمة: فأبطأ عليه أربعين يوما، وقال مجاهد: اثنتى عشرة ليلة، وقيل خمسة عشر يوما، وقيل: ثلاثة أيام، فقال النبى صلى الله عليه وسلم:«أبطأت حتى ساء ظنى واشتقت إليك» فقال جبريل عليه السلام: إنى كنت أشوق ولكنى عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست، فنزلت الآية:
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ، وأنزل: وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (2) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (3)[الضحى].
رابعا: إن أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم كانوا يشاهدون مظاهر الوحى، وكانوا يشاهدون ملك الوحى جبريل عليه السلام عند ما كان يأتى فى صورة رجل، ليعلم أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أمور دينهم وقد وصفه عمر- كما مر بنا وصفا دقيقا.
خامسا: إن وحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم سار فى طريقين ميسرين للعالمين؛ أولهما:
متلو معجز وهو القرآن الكريم، والثانى: سنة النبى صلى الله عليه وسلم والتى هى بيان للسبيل الأول الذى نسعد بصحبته ونتتبع تنزلاته.