الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأول: أنه (خير) فيفيد العدل والحق، وأكل الحلال، وراحة البال.
وفيه حصول الثقة التي هي رأس مال التاجر.
وفيه حفظ نظام التعامل الذي هو ضروري للحياة. وهذه كلها وجوه نفع وخير.
الثاني: أنه (أحسن) عاقبة.
عاجلًا في نفس الشخص، وأخلاقه وفي عرضه، وسمعته، وفي سلامته من المطالبات، والمنازعات.
وآجلاً بحسن جزائه عند الله بما أعد للموفين من الأجر العظيم.
…
تركيب على هذا الترغيب:
هذان الوجهان اللذان رغب الله تعالى بهما في الوفاء، ينبغي للعاقل أن يجعلهما نصب عينيه في كل ما يتناوله ويعمله؛ فيقتصر على ما هو خير ينفعه في الحال، وحسن العاقبة بنفعه وعدم ضرره في المآل.
والله يوفقنا إلى خير الأقوال والأعمال، إنه الكريم الواسع النوال.
…
العلم والأخلاق
{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].
العلم الصحيح، والخلق المتين، هما الأصلان اللذان ينبني عليهما كمال الإنسان، وبهما يضطلع بأعباء ما تضمنته الآيات المتقدمة، من أصول التكليف؛ فهما أعظم مما تقدمهما من حيث توقفه عليهما. فجيء بهما بعده، ليكون الأسلوب من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى.
ولما كان العلم أساس الأخلاق قدمت آيته على آيتها تقديم الأصل على الفرع.
آية العلم:
(القفو): اتباع الأثر، تقول: قفوته أقفوه، إذا اتبعت أثره. والمتبع لأثر شخص موال في سيره لناحية قفاه؛ فهو يتبعه دون علم بوجهة ذهابه، ولا نهاية سيره.
فالقفو: اتباع عن غير علم، فهو أخص من مطلق الاتباع، ولذلك اختيرت مادته هنا.
ولكونه اتباعاً بغير علم، جاء فى كلام العرب بمعني قول الباطل قال جرير:
وَطَالَ حِذَارِي خِيفَةَ الْبَيْنِ وَالنَّوَى
…
وَأُحْدُوثَةٌ مِنْ كَاشِحٍ مُتَقَوِّفِ (1)
(1) البيت في ديوان جرير (ص281) وفيه "غربة" في موضع "خيفة" و"يتقوف" في موضع "متقوف"- لأن البيت=
(والعلم)، إدراك جازم مطابق للواقع عن بينة، سواء أكانت تلك البينة حساًّ ومشاهدة، أو كانت برهاناً عقلياً: كدلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع.
فإذا لم تبلغ البينة بالإدراك رتبة الجزم فهو ظن. هذا هو الأصل.
ويطلق العلم أيضاً على ما يكاد يقارب الجزم ويضعف فيه احتمال النقيض جداً. كما قال تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام:
{وما شهدنا إلاّ بما علمنا وما كنا للغيب حافظين} [يوسف: 83]. فسمى القرآن إدراكهم لما شاهدوا علماً؛ لأنه إدراك كاد يبلغ الجزم لانبنائه على ظاهر الحال، وإن كان ثم احتمال خلافه في الباطن، لأنه احتمال ضعيف بالنسبة لما شاهدوه.
(والسمع): القوة التي تدرك بها الأصوات بآلة الأذن.
(والبصر): القوة التي تدرك بها الأشخاص والألوان بآلة العين. وقدم السمع على البصر، لأن به إدراك العلوم وتعلم النطق، فلا يقرأ ولا يكتب إلاّ من كان ذا سمع وقتاً من حياته.
(والفؤاد): القلب، والمراد به هنا العقل من حيث اعتقاده لشيء ما. وإطلاق لفظ الفؤاد والقلب على العقل مجاز مشهور. وكان تفيد ثبوت خبرها لاسمها، وكونها على صورة الماضي لا يدل على انقضاء ذلك الارتباط.
ومثل هذا التركيب يفيد في استعمال استحقاق الإسم للخير؛ فالجوارح مستحقة للسؤال، ويكون ذلك بالفعل يوم القيامة.
(والمسؤول): الموجه إليه السؤال ليجيب.
(وأولئك): إشارة إلى هذه الثلاثة (1). وضمير كان عائد على كل، وضمير (عنه) عائد على ما، وضمير مسؤولاً عائد على ما عاد عليه ضمير كان.
والتقدير: كل واحد من هذه الثلاثة: السمع، والبصر، والفؤاد، كان مسؤولاً عما ليس لك به علم.
=من قصيدة مضمومة الروي مطلعها:
أَلَا أَيُّهَا الْقَلْبُ الطَّرُوبُ الْمُكَلَّفُ
…
أَفِقْ رُبَّمَا يَنْأَى هَوَاكَ وَيُسْعَفُ
والكاشح: العدو المبغض. ويتقوّف: يتتغ الأثر.
(1)
قال الطبري في تفسيره (8/ 81): "وقال أولئك ولم يقل تلك، كما قال الشاعر:
ذُمَّ الْمَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى
…
وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الْأَيَّامِ
وإنما قيل أولئك؛ لأن أولئك وهؤلاء للجمع القليل الذي يقع للتذكير والتأنيث، وهذه وتلك للجمع الكثير، فالتذكير للقليل من باب أن كان التذكير في الأسماء قبل التأنيث، لك التذكير للجمع الأول والتأنيث للجمع الثاني وهو الجمع الكثير، لأن العرب تجعل الجمع على مثال الأسماء".