الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذهنه تلك المعلومات المهملة حتى تقل أو تضمحل؛ لأن المعلومات إذا لم تتعاهد بالنظر زالت من المحافظة شيئاً فشيئاً. وهذا هو طور الجمود الذي يصيب الأمم المتعلمة في أيامها الأخيرة، عندما تتوافر الأسباب العمرانية القاضية- بسنة الله- بسقوطها.
وإذا لم يصح إدراكه للحقائق، أو لنسبها، أو لم يستقم تنظيمه لها- كان ما يتوصل إليه بنظره خطأ في خطأ وفساداً في فساد. ولا ينشأ عن هذين إلاّ الضرر في المحسوس، والضلال في المعقول. وفي هذين هلاك الفرد والنوع جزئياً وكلياً من قريب أو من بعيد.
وهذا هو طور انحطاط الأمم، الانحطاط التام، وذلك عندما يرتفع منها العلم، ويفشو الجهل، وتنتشر فيها الفوضى بأنواعها، فتتخذ رؤوسا جهالاً لأمور دينها وأمور دنياها، فيقودونها بغير علم، فيَضلون ويُضلون، ويَهلكون ويُهلكون، ويفسدون ولا يصلحون (1).
وما أكثر هذا- على أخذه في الزوال بإذن الله- في أمم الشرق والإسلام اليوم.
…
العلم وحده الإمام المتبع في الحياة في الأقوال والأفعال والاعتقادات:
سلوك الإنسان في الحياة مرتبط بتفكيره ارتباطاً وثيقاً: يستقيم باستقامته ويعوجُّ باعوجاجه، ويثمر بإثماره، ويعقم بعقمه؛ لأن أفعاله ناشئة عن اعتقاداته، وأقواله إعراب عن تلك الاعتقادات، واعتقاداته ثمرة إدراكه الحاصل عن تفكيره ونظره.
وهذه الإدراكات الحاصلة عن التفكير والنظر ليست على درجة واحدة في القوة والضعف: فمنها ما هو قوي معبر، ومنها ما هو ضعيف ساقط عن الاعتبار.
فالأول: العلم وهو إدراك أمر على وجه لا يحتمل أن يكون ذلك الأمر على وجه من الوجوه سواه، وهو علم الاعتبار.
ويليه الظن، وهو إدراك لأمر على وجه هو أرجح الوجوه المحتملة، وهو معتبر عندما تتبين قوة رجحانه فيما لا يمكن فيه إلاّ ذاك. وهذه هي الحالة التي يطلق عليه فيها لفظ العلم مجازا.
والثاني: الوهم، وهو إدراك الأمر على الوجه المرجوح.
والشك، وهو إدراك الأمر على وجهين، أو وجوه متساوية في الاحتمال، وكلا هذين لا يعول عليه.
(1) روى البخاري في صحيحه (كتاب العلم، باب21، حديث80) عن انس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ويثبت الجهل ويُشرب الخمر ويظهر الزنا» . وروى أيضا (كتاب العلم، باب34، حديث100) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوساً جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» .
ولما كان الإنسان- بما فطر عليه من الضعف والاستعجال- كثيراً ما يبني أقواله وأفعاله واعتقاداته على شكوكه وأوهامه، وعلى ظنونه حيث لا يكتفي بالظن، وفي هذا البناء الضرر والضلال .. بين الله تعالى لعباده في محكم كتابه أنه لا يجوز لهم، ولا يصح منهم البناء لأقوالهم، وأعمالهم، واعتقاداتهم، إلاّ على إدراك واحد وهو العلم، فقال تعالى:
{ولا تقف ما ليس لك به علم} أي لا تتبع ما لا علم لك به فلا يكن منك اتباع بالقول، أو بالفعل، أو بالقلب، لما لا تعلم؛ فنهانا عن أن نعتقد إلاّ عن علم أو نفعل إلاّ عن علم، أو نقول إلاّ عن علم.
فما كل ما نسمعه وما كل ما نراه نطوي عليه عقد قلوبنا، بل علينا أن ننظر فيه، ونفكر، فإذا عرفناه عن بينة اعتقدناه، وإلاّ تركناه حيث هو، في دائرة الشكوك والأوهام، أو الظنون التي لا تعتبر.
ولا كل ما نسمعه أو نراه أو نتخيله نقوله. فكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع، كما جاء في الصحيح (1).
بل علينا أن نعرضه على محك الفكر؛ فإن صرنا منه على علم قلناه، مراعين فيه آداب القول الشرعية، ومقتضيات الزمان، والمكان، والحال، فقد أمرنا أن نحدث الناس، بما يفهمون- وما حدث قوم بحديث لا تبلغه عقولهم إلاّ كان عليهم فتنة- وإلاّ طرحناه.
ولا كل فعل ظهر لنا نفعله. بل حتى نعلم حكم الله تعالى فيه، لنكون على بيّنة من خيره وشره، ونفعه وضره.
فما أمر تعالى إلاّ بما هو خير وصلاح لعباده، وما نهى تعالى إلاّ عما هو شر وفساد لهم، أو مؤد إلى ذلك.
وإذا كان من المباحات نظرنا في نتائجه وعواقبه ووازنا بينها، فإذا علمنا بعد هذا كله من أمر ذلك الفعل ما يقتضي فعله فعلناه وإلاّ تركناه.
فلا تكون عقائدنا- إذا تمسكنا بهذا الأصل الإسلامي العظيم- إلاّ حقاً.
ولا تكون أقوالنا إلاّ صدقاً.
ولا تكون أفعالنا إلاّ سداداً.
ولعمر الله إنه ما دخل الضلال في عقائد الناس، ولا جرى الباطل والزور على ألسنتهم، ولا كان الفساد والشر في أفعالهم، إلاّ بإهمالهم، أو تساهلهم في هذا الأصل العظيم.
(1) رواه مسلم في صحيحه (المقدمة، باب 3، حديث 5) من طريق حفص بن عاصم عن أبي هريرة مرفوعاً.