الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإذا كانت المحبة عملًا من أعمال العبد القلبية التي يتقرب بها إلى الله .. فهي عبادة.
وقد بينا بالأدلة المتقدمة أن العبادة في الإسلام، موضوعة على مصاحبة الرجاء والخوف، والمحب للرب ذي الجلال والإكرام، والبطش والإنعام- لا يغيب عن إجلاله بالخوف والتذلل له بالطمع، كحاله في سائر العبادات.
5 -
ونقل من كلام النيسابوري قوله: «المحققون نظرهم على المعبود لا على العبادة، وعلى المنعم لا على النعمة» .
ونرد عليه:
(أ) فإن كان مراده: أن نظرهم على المعبود أي اعتمادهم في القبول على المعبود لا على العبادة- فهذا حق، وليس كلامنا فيه.
(ب) وإن كان مراده: أن نظرهم على المعبود أي توجههم إلى المعبود دون العبادة- فهذا أيضاً حق؛ لأن العبادة متوجه بها إليها، وليس كلامنا في هذا.
(ج) وإن كان مراده: دون تقرب بالعبادة، فهذا باطل، لأن الله تعالى قال:{وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} أي ما يقربكم إليه من طاعته.
(د) وإن كان مراده: دون شعور بالعبادة، فهذا أيضاً باطل؛ لأن العابد ينوي العبادة ويقصد بها القربة، ويتوجه بها مخلصاً فيقول:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، فكيف يكون لا شعور له بها؟
وأما قوله: «وعلى المنعم لا على النعمة» .
(أ) فإن أراد: أن المتقرب إليه هو الله المنعم دون النعمة- فهذا حق، وليس كلامنا فيه.
(ب) وإن أراد: أن رجاء نعمة الثواب حين التوجه لله والتقرب إليه بالطاعة ينافي التقرب إلى المنعم، ويعد تقرباً للنعمة- فهذا هو الذي أبطلناه بالأدلة السابقة، ونقضناه في الموضع الثالث.
(ج) وإن أراد: أن ذكر العبد لنعم الله عليه مخل بكمال عبادته- فهذا باطل أيضاً؛ لأن عبادة الله شكرا على ما آتى من النعم، وطلبا للمزيد من أرفع المقامات. وقد قال الله تعالى:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ} [النحل: 120]. {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ} [النمل: 19]، {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14]، {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبرا هيم: 7].
6 -
استدل النيسابوري:
«بأنه قيل لبني إسرائيل: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ}. ولأمة محمد {اذْكُرُونِي}» .
وهذا منقوض بقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}
[آل عمران: 103]. وقوله: {اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود} [الأحزاب: 9].
7 -
نقل من كلام النيسابوري ما يفيد:
ونحن نقول: من مقتضى شعورك بعبوديتك .. شعورك بضعفك وفقرك، وأن من مقتضى علمك بالله، شهودك لقوته وفضله. وذاك الشعور، وهذا الشهود، يبعثان فيك الرجاء والخوف؛ فتكون وأنت تعبده لأنه إله، ولأنك عبد راج خائف.
ودعوى تجرد العبادة عنهما، قد أبطلناها بالأدلة السابقة.
8 -
نقل قول الإمام ابن العربي:
ثم زعم هو من عنده:
وهذا صريح منه في أن رجاء الثواب وخوف العقاب ينافيان الإخلاص، وهو باطل لقوله تعالى:{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 9]. فخافوا وعملهم لوجه الله بنص القرآن.
وروى الأئمة في الصحيح أن أبا طلحة قال: يا رسول الله، إني أسمع الله تعالى يقول:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} -[آل عمران: 92]. وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها (1) عند الله، فضعها حيث أراك الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «بخ (2)، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ! ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ (3)» (4)!!
(1) أرجو برها وذخرها: يعني لا أريد ثمرتها الدنيوية الفانية بل أطلب مثوبتها الآجلة الأخروية الباقية.
(2)
قال أهل اللغة: بخ، بإسكان الخاء وتنوينها مكسورة. قال ابن دريد: معناه تعظيم الأمر وتفخيمه.
(3)
قوله «مال رابح» رويت بوجهين: «رابح» بالباء، و «رايح» بالياء. فرابح بالباء معناها واضح. ورايح بالياء فمعناه رايح عليك أجره ونفعه في الآخرة.
(4)
أخرجه البخاري في التركاة باب 44، والوكالة باب 15، والوصايا باب 17 و 26، وتفسير سورة 3 باب 5، والأشربة باب 13. ومسلم في الزكاة باب 42. والدارمي في الزكاة باب 23. وأحمد في المسند (3/ 141، 256، 285). ورواه مالك في الموطأ (كتاب الصدقة حديث 2).
فأقره على قوله: أرجو برها وذخرها. ولم يقل له: إن هذا مناف للإخلاص، كما يقول الشيخ وهو (يسمبط ويشنبط)(1) في كلام الإمام ابن العربي.
ثم ما لك- يا أخي- ولابن العربي؟!
حسبك ابن سينا وأمثاله، الذين يحاولون تطبيق العبادة الإسلامية على الفلسفة اليونانية، والآراء الأفلاطونية.
أما ابن العربي فهو حكيم إسلامي، وفقيه قرآني، وعالم سني- حقيقي- لا يبني أنظاره إلاّ على أصول الإسلام، ودلائل الكتاب والسنة. وهناك كلامه في إرادة المأذون فيه مع العبادة من أمور الدنيا، به الرجاء والخوف.
واسمع كلامه الصريح من الدليل الصحيح، في الرد على مثل زعمك: قال على قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198].: "المسألة الثانية، قال علماؤنا: في هذا دليل على جواز التجارة في الحج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا، ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه، خلافاً للفراء في أن الحج دون تجارة أفضل أجرا".
وقال على قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ} [الأحزاب: 29].: "وهذا يدل على أن العبد يعمل محبة في الله ورسوله لذاتيهما وفي الدار الآخرة لما فيها من منفعة الثواب".
9 -
ونقل كلاماً للإمام الغزالي في المحبة، وقدمنا في الموضع الثامن الكلام على مثله، وبينا أن المحبة عبادة، وأنها موضوعة كسائر العبادات الشرعية على الرجاء والخوف بالأدلة المتقدمة.
10 -
وقال: وكان من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم:
«اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ الْأَشْياءِ إلَيَّ، وَاجْعَلْ خَشْيَتَكَ أَخْوَفَ الْأَشْيَاءِ عِنْدِي، وَاقْطَعْ عَنِّي حَاجَاتِ الدُّنْيَا بِالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِكَ» وقد تقرر: أن خوفه خوف إجلال وتعظيم، لا خوف النار والعقاب اهـ.
ونقول: إن خوف الإجلال لا يخرج به العبد عن ضعف وذل العبودية، ومشاهدة قوة وفضل الربوبية، فلا يتجرد خوفه الإجلالي عن خوف المؤاخذة: المؤاخذة التي ليست ناراً ولا عذاباً، ولكنها مؤاخذة مناسبة لذلك المقام العالي.
بدليل أن إبراهيم- عليه الصلاة والسلام، وهو مثل نبينا عليه الصلاة السلام في العصمة، وعدم التعذيب بالنار والعقاب، وقد خاف المؤاخذة- فقال: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي
(1) يسمبط ويشنبط: عبارة عامة تجري على الألسنة في المغرب كله، ومعناها القول الذي لا ضابط له ولا أصل، وإنما يلقيه صاحبه جزافاً وخبط عشواء وينقل بلا وعي ولا دراية (حاشية المطبوع-[ص:348]).
يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82]، ولا خطيئة له، ولجميع الأنبياء والمرسلين، لا من الكبائر ولا من الصغائر على كل حال.
وبدليل أنه هو عليه الصلاة والسلام قال:
«وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» ، رواه البخاري (1). وليس هذا لذنب لا صغير ولا كبير، وإنما لعلمه بالله، وعظيم حقه وشدة تعظيمه لربه؛ فيخاف المؤاخذة، فيطلب المغفرة.
فَبَانَ بهذا أن خوف الإجلال لا يتجرد عن خوف المؤاخذة.
وبعد هذا البيان، نقول لحضرته: لا تستدل بالحديث دون بيان رتبته، ولا ذكر لمخرجه، وما هكذا يكون استدلال الأمناء من العلماء، وإنه يرمي الأحاديث هكذا مهملة، اختلط الحق بالباطل، وتجرأ على السنة النبوية الغبي والجاهل، حتى بلغ الأمر إلى نسبة الأحاديث إلى كتب الإسلام المتفق عليها ولا وجود لها فيها!
أما نحن:
فلا نعرف هذا الدعاء في الصحاح المتداولة عندنا، فليتك تبين من أين جئت به؛ حتى نعرف مقدار ما تعتمد في احتجاجك عليه.
11 -
وقال: للأنبياء عليهم الصلاة والسلام حالتان:
(أ) حالة مع الله تعالى لا يرون فيها غير جلاله وعظمته.
(ب) وحالة مع الخلق .. يستغفرون ويستعيذون من النار وسوء المنقلب، وفتنة القبر والدجال، ويطلبون الرحمة والثواب والجنان اهـ.
قد بينا أن رؤية جلال الله مما يبعث على الخوف من المؤاخذة، كما مضى عن ابراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فلا يتجردون عن الخوف: خوف الإجلال وخوف المؤاخذة في حالتهم مع الله. وقد دل حديث عائشة الذي قدمناه .. أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم، كان في سجوده في جوف الليل، والناس نيام فيما بينه وبين ربه- استعاذ برضا الله من سخطه، وبمعافاته من عقابه. فكانوا يستعيذون ويرجون ويخافون في حالتهم مع الله.
وأما حالتهم مع الناس فإنهم كانوا يعلمون، وكانوا يخبرون عن أنفسهم بخوفهم وطمعهم.
كما أخبر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بطمعه، وأخبر محمد عليه الصلاة والسلام أصحابه بأنه أتقاهم لله، وأخوفهم له، وأخبر عن استغفاره لربه، وإخبارهم حق صدق لا شك فيه.
ولا يجوز أن يقال:
(1) في كتاب الدعوات، باب 3، حديث رقم 6307؛ من حديث أبي هريرة.
إنهم قالوه لمجرد التعليم، وهو في الواقع لا حقيقة له؛ إذ الإخبار عن النفس بشيء أنه كان وهو لم يكن .. هو الكذب الذي عصمهم الله منه، ونزههم عنه، ولو تفطن حضرته لهذا لما قال ما قال!!
12 -
وذكر حديث الإحسان:
«أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (1).
وهذا الحديث يقتضي دوام المراقبة لله عند كل حركة وسكون، حتى لا تكون من العبد مخالفة فيهما، وحتى يأتي بعبادته على غاية الإتقان في صورتها وأتم الإخلاص بها.
وقد علمت أن مقتضى العبادة الشرعية الشعور بضعف وذل وفقر العبودية أمام عز وقوة وفضل الربوبية؛ فينبعث الرجاء والخوف في العابد، وهما مما يحملانه على تمام الإحسان في العبادة: بإتقانها والإخلاص فيها.
ثم من مقتضى مراقبة الله تعالى، مشاهدته: أي مشاهدة جلاله وجماله؛ جلاله بصفات القهر والبطش والملك والسلطان، وجماله بصفات الفضل والرحمة والإحسان؛ وبصدق المشاهدة لصفات الجلال يخاف العبد ويخشى؛ وبصدق المشاهدة لصفات الجمال يرجو ويطمع. فصدق الشهود لا بد معه من الرجاء والخوف.
وإذا غاب العبد عن الشعور بالموجودات، فإنه لا يغيب عن مشاهدة جلال وجمال الذات، الباعثين للخوف والرجاء. وإذا لم يشهدهما وزعم أنه يشهد الذات مجرداً .. فإنه لم يكن في الحقيقة مشاهداً، بل كان غافلًا معطلاً جامداً.
وأما غيبوبة العابد عن نفسه- إن كانت- فإنها حالة عارضة غير ثابتة، وليست مشروعة لا بنص من آية ولا من حديث، فضلاً عن أن تكون فاضلة كاملة.
فالحديث دل على المراقبة والمشاهدة الشرعيتين، اللتين يكون العبد عابدا ًالعبادة الشرعية، الموضوعة على الرجاء والخوف حسب الأدلة المتقدمة.
13 -
ونقل كلام ابن سينا في كتاب الإشارات وكلام شراحه، وهو مثل ما تقدم لنا إبطاله بأدلة الكتاب والسنة، والشرح بهما لمعنى العبادة المشروعة.
وإذا كنا نبحث عن العبادة التي شرعها الله لعباده على لسان رسوله .. فإننا لا نعرفها إلاّ من الكتاب والسنة، وقد قدمنا من أدلتها ما جلى المسألة للعيان، وأغنى فيها عن كل كلام.
(1) رواه من حديث أبي هريرة البخاري في الإيمان باب 37، وتفسير سورة 31 باب 2، ومسلم في الإيمان حديث 5 و6. ورواه مسلم في الإيمان حديث 1 من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.