الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فما أمرّ خيبتهم يومذاك!! وما أعظم حسرتهم! ويا لها من عبرة لقوم يعقلون!
فحذار يا إخواننا من هذه العاقبة السيئة، وهذا الموقف المخزي، فبادروا إلى توحيد الله بالدعاء الذي هو مخ العبادة.
واقتصروا في جانب الصالحين وعلى محبتهم (والترضية) عليهم وسؤال الرحمة لهم والإقتداء بهم فيما كان منهم من طاعة وخير، ولا تعظموهم بما لا يكون إلاّ لله رب العالمين.
والله يبصرنا بالحق ويهدينا إليه، ويجعلنا من حزبه، ويميتنا عليه آمين يا رب العالمين.
…
الطور الأخير لكل أمة وعاقبته
تمهيد:
الأمم كالأفراد، تمر عليها ثلاثة أطوار: طور الشباب، وطور الكهولة، وطور الهرم.
فيشمل الطور الأول:
نشأتها إلى استجماعها قوتها ونشاطها، مستعدة للكفاح والتقدم في ميدان الحياة.
ويشمل الطور الثاني:
إبتداء أخذها في التقدم والانتشار، وسعة النفوذ، وقوة السلطان إلى استكمالها قوتها، وبلوغها غاية ما كان لها أن تبلغه من ذلك؛ بما كان فيها من مواهب، وما كان لها من استعداد، ما لديها من أسباب.
ويشمل الطور الثالث:
إبتداءها في التقهقر والضعف والانحلال، إلى أن يحل بها الفناء والاضمحلال، إما بانقراضها من عالم الوجود، وإما باندراسها في عالم السيادة والاستقلال.
وما من أمة إلاّ ويجري عليها هذا القانون العام، وإن اختلفت أطوارها في الطول والقصر، كما تختلف الأعمار.
…
هذه السنة الكونية التي أجرى الله عليها حياة الأمم في هذه الدنيا، أشار إليها في كتابه العزيز في غير ما آية:
فذكر أعمار الأمم، مقدرة محددة بآجلها في مثل قوله تعالى:
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)} [الأعراف: 34].
وذكر إنشاء الأمم على إثر الهالكين في مثل قوله تعالى:
{وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11)} [الأنبياء: 11].
وذكر طور شباب الأمة ودخولها معترك الحياة في مثل قوله تعالى:
{عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)} [الأعراف: 129].
فإن بني إسرائيل ما استخلفوا في الأرض حتى قووا، واشتدوا وتكونت فيهم أخلاق الشجاعة، والنجدة والحمية والأنفة بعد خروجهم من التيه.
وذلك هو الطور الأول طور الشباب للأمة الإسرائيلية.
وذكر الطور الثاني وهو طور الكهولة واستكمال القوة، وحسن الحال، ورغد العيش في مثل قوله تعالى:{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} [النحل:112].
وذكر الطور الثالث طور الضعف وإلانحلال في مثل قوله تعالى:
{وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59)} [الكهف: 59].
وإهلاكهم يكون بعد إسباغ النعمة وإقامة الحجة عليهم، وتمكن الفساد فيهم وتكاثر الظلم منهم. فإهلاكهم هو نهاية الطور الثالث من أطوار الأمم الثلاث.
وإلى خاتمة الطور الثالث وعاقبته، جاء البيان في قوله تعالى:{وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} .
(القرية) المساكن المجتمعة، ومادة (ق ر ى) تدل على الجمع، فتصدق على القرية الصغيرة والمدينة الكبرى. وتطلق القرية مجازا على السكان إطلاقاً لاسم المحل على الحال ومنه هذا.
و (الإهلاك) الإبادة والإفناء بالاستئصال كما فعل بعاد وثمود.
و {قبل يوم القيامة} أي في الدنيا.
و (العذاب الشديد) كأمراض الأبدان وفساد القلوب، وانحطاط الأخلاق، وافتراق الكلمة، وتسليط الظُّلَاّم، كما أرسل على بني إسرائيل عباداً أولي بأس شديد، فساءوا وجوههم، وجاسوا خلال ديارهم. وكتسليط أهل الحق على أهل الباطل، وكالجدب والقحط وجوائح الأرض، وجوائح السماء.
و {في الكتاب} أي اللوح المحفوظ. و {مسطوراً} أي مكتوبا أسطارا مبيناً.