الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وشفقته وعدله وبره وإحسانه: نفعل الخير عاماً كما تعم خيرات الله تعالى العباد، نفعله لأنه خير نستطعم لذته، غير منتظرين جزاءه إلاّ من الله؛ لأن من انتظر الجزاء من الناس في هذه الحياة لا بد أن يميل بخيره عن جهة إلى جهة، وربما يكون في ميله قد أخطأ وجه الصواب، ولا بد أيضاً أن ييأس فيفتر (1) في العمل، أو ينقطع عنه عندما يرى عدم المكافأة من الناس وعدم ظهور أثر خيره في الحياة، وأبناء الحياة.
وقد أفادت الآية- حسبما تقدم- أن أسباب الحياة والعمران والتقدم فيهما مبذولة للخلق على السواء، وأن من تمسك بسبب بلغ- بإذن الله- إلى مسببه، سواء أكان براً أو فاجراً، مؤمناً أو كافراً.
وهذا الذي أفادته الآية الكريمة مشاهد في تاريخ المسلمين قديماً وحديثاً:
فقد تقدموا حتى سادوا العالم، ورفعوا علم المدنية الحقة بالعلوم والصنائع لما أخذوا بأسبابها كما يأمرهم دينهم.
وقد تأخروا حتى كادوا يكونون دون الأمم كلها بإهمال تلك الأسباب فخسروا دنياهم، وخالفوا مرضاة ربهم، وعوقبوا بما هم عليهم اليوم من الذل والانحطاط.
ولن يعود إليهم ما كان لهم إلاّ إذا عادوا إلى امتثال أمر ربهم في الأخذ بتلك الأسباب.
فهذه الآية من أنجع الدواء لفتنة المسلم المتأخر بغيره المتقدم، لما فيها من بيان أن ذلك المسلم ما تأخر بسبب إسلامه، وأن غيره تقدم بعدم إسلامه؛ لأن السبب في التقدم والتأخر هو التمسك أو الترك للأسباب.
ولو أن المسلم تمسك بها كما يأمره الإسلام، لكان- مثل سالف أيامه- سيد الأنام.
النظر في تفاضل البشر:
إن من أعظم العبرة ما نشاهده في أحوال الخلق، أمماً وجماعات وأفراداً من الاختلاف الشديد: فقد اختلفت بواطنهم النفسية، كما اختلفت ظواهرهم الجسدية. وإنك كما تجد أبناء الأمة الواحدة يتشابهون في تركيب أجسامهم، ثم لا بد من فروق تتمايز بها أشخاصهم، كذلك تجدهم يتشابهون في شؤونهم النفسية، مع فروق لازمة تتمايز بها شخصياتهم. ويتبع هذا الاختلاف اختلافهم في إدراكهم، وتمييزهم، وأخلاقهم، وعاداتهم، في ضلالهم وهداهم، وفي درجات الهدى ودركات (2) الضلال.
(1) فتر فتورًا: سكن بعد حدة ونشاط (المعجم الوسيط: [ص:672]).
(2)
الدَّرَكة: المنزلة السفلى، ضد الدرجة وهي المنزلة العليا؛ فالدركات منازل بعضها تحت بعض، والدرجات منازل بعضها فوق بعض، والفضيلة درجات، والرذيلة دركات.
كل هذا دال على بديع صنع الخالق القدير، وعجيب وضع العليم الحكيم، فمكنهم تعالى كلهم من الأسباب، وإدراك العقل، وحرية الإرادة. ثم فضل بينهم هذا التفضيل
…
فكان منهم المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والشقي والسعيد، إلى تقسيم كثير.
وفقه أسباب هذا التفضيل، هو فقه الحياة والعمران والاجتماع. فلذا أمر تعالى بالنظر في أحوال هذا التفضيل بقوله:{أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} .
و"كيف" سؤال عن الأحوال، والنظر المأمور به هو نظر القلب بالفكرة والاعتبار.
والجملة في محل نصب على العامل عن لفظها بكلمة الاستفهام.
وكما فضل بعض خلقه على بعض في دار الابتلاء، كذلك فضل بعضهم على بعض في دار الجزاء. لكن التفضيل هنالك أكبر، والتفاوت بين العباد أظهر، في مواقف القيامة، وفي داري الإقامة (1)، ويا بعد ما بين من في الجنة ومن في النار!
وأهل النار متفاوتون في دركاتها، وأهل الجنة متفاوتون في درجاتها.
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال:
» إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض «(2).
وروى البخاري ومسلم (3) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
» إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدري (4) الغابر في الأفق من المشرق والمغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين «.
وقال تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [النساء: 145]. وهذا التفضيل الأخروي هو المراد بقوله تعالى: {وللاخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} .
(1) دارا الإقامة: هما الجنة والنار.
(2)
أخرجه البخاري في الجهاد والسير باب 4 (حديث 2790) وتمامه:» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها. فقالوا: يا رسول الله أفلا نبشر الناس؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة- أراه قال: وفوقه عرش الرحمن- ومنه تفجر أنهار الجنة «.
(3)
البخاري في بدء الخلق باب 8، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها حديث 11.
(4)
الكوكب الدري: هو الكوكب العظيم، قيل: سمي دريا لبياضه كالدر، وقيل: لإضاءته، وقيل: لشبهه بالدر في كونه أرفع من باقي النجوم كالدر أرفع الجواهر.