الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي قوله: {اتخذوا} الخ
…
بيان أنهم جعلوا الهجر ملازماً له ووصفاً من أوصافه عندهم. وذلك أعظم من أن يقال: هجروه، الذي يفيد وقوعه الهجران منهم دون دلالة على الثبوت والملازمة.
المعنى:
قال الرسول شاكياً لربه: إن قومي الذين أرسلتني إليهم بالقرآن لأتلوه عليهم، قد صدوا عنه وتركوه، وثبتوا على تركه وهجره.
استنتاج واعتبار:
في شكوى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم من هجرة القرآن دليل على أن ذلك من أصعب الأمور وأبغضها لديه.
وفي حكاية القرآن لهذه الشكوى وعيد كبير للهاجرين بإنزال العقاب بهم إجابة لشكوى نبيه.
ولما كان الهجر طبقات أعلاها عدم الإيمان به؛ فلكل هاجر حظه من هذه الشكوى وهذا الوعيد.
تنزيل:
ونحن- معشر المسلمين- قد كان منا للقرآن العظيم هجر كثير في الزمان الطويل، وإن كنا به مؤمنين:
1 -
بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القريبة القاطعة فهجرناها، وقلنا: تلك أدلة سمعية لا تحصل اليقين، وأخذنا في الطرائق الكلامية المعقّدة، واشكالاتها المتعددة، واصطلاحاتها المحدثة، مما يصعب أمره على الطلبة فضلاً عن العامة.
2 -
وبين القرآن أصول الأحكام، وأمهات مسائل الحلال والحرام، ووجوه النظر والاعتبار، مع بيان حكم الأحكام وفوائدها في الصالح الخاص والعام، فهجرنا، واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجرّدة بلا نظر، جافة بلا حكمة، محجبة وراء أسوار من الألفاظ المختصرة، تفنى الأعمار قبل الوصول إليها.
3 -
وبين القرآن مكارم الأخلاق ومنافعها ومساوىء الأخلاق ومضارها، وبين السبيل للتخلّي عن هذه والتحلّي بتلك، مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس والسلامة من الخيبة بتدسيتها (1).
(1) دَسَّى نفسه: أخفاها وأخملها لؤما مخافة أن يُتنبه له فيُستضاف. ودسّاها: أغواها وأفسدها. ودَسَّى غيره: أغواه وأفسده. ودَسَّى عنه حديثاً: احتمله (المعجم الوسيط: [ص:284]). وفي التنزيل العزيز: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10].
فهجرنا ذلك كله، ووضعنا أوضاعا من عند أنفسنا، واصطلاحات من اختراعاتنا، خرجنا في أكثرها عن الحنيفية السمحة إلى الغلو والتنطُّع (1)، وعن السنة البيضاء إلى الأحداث والبدع، وأدخلنا فيها من النسك الأعجمي، والتخيل الفلسفي ما أبعدها غاية البعد عن روح الإسلام، وألقى بين أهلها بذور الشقاق والخصام، وآل الحال بهم إلى الخروج من أثقال أغلالها، والاقتصار على بقية رسومها للانتفاع منها، ومعارضة هداية القرآن بها.
4 -
وعرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه ونبهنا على ما فيه من عجائب الحكمة ومصادر النعمة، لننظر ونستفيد ونعمل.
فهجرنا ذلك كله إلى خريدة (2) العجائب، وبدائع الزهور، والحوت والصخرة، وقرن الثور!
5 -
ودعانا القرآن إلى تدبره وتفهمه والتفكر في آياته ولا يتم ذلك إلاّ بتفسيره وتبيينه، فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبيينه.
فترى الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية، دون أن يكون طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير كتفسير الجلالين مثلاً، بل يصير مدرساً متصدراً ولم يفعل ذلك!
وفي جامع الزيتونة- عمره الله تعالى- إذا حضر الطالب بعد تحصيل التطويع في درس تفسير، فإنه -ويا للمصيبة- يقع في خصومات لفظية، بين الشيخ عبد الحكيم وأصحابه، في القواعد التي كان يحسب أنه فرغ منها من قبل، فيقضي في خصومة من الخصومات أياماً أو شهوراً؛ فتنتهي السنة وهو لا يزال حيث ابتدأ أو ما تجاوزه إلاّ قليلاً دون أن يحصل على شيء من حقيقة التفسير. وإنما قضى سنته في المماحكات بدعوى أنها تطبيقات للقواعد على الآيات. كأن التفسير إنما يقرأ لأجل تطبيق القواعد الآلية، لا لأجل فهم الشرائع والأحكام الإلهية.
فهذا هجر آخر للقرآن، مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن!
وعلمنا القرآن أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، وأن عليهم أن يأخذوا ما آتاهم، وينتهوا عما نهاهم عنه (3)، فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن. فهجرناها كما هجرناه، وعاملناها بما عاملناه، حتى إنه ليقل في المتصدرين للتدريس - من كبار العلماء في أكبر المعاهد- من يكون قد ختم كتب الحديث المشهورة كالموطأ والبخاري ومسلم ونحوها، مطالعة، فضلاً عن غيرهم من أهل العلم، وفضلاً عن غيرها من كتب السنة (4).
(1) التنطّع؛ الغلوّ والتكلّف (المعجم الوسيط: [ص:930]).
(2)
الخريدة: اللؤلؤة لم تثقب. (المعجم الوسيط: [ص:225]).
(3)
قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
(4)
وخرج الإمام بعد هذه التبعة بأن أتم القرآن الكريم تفسيراً وأتم موطأ مالك شرحاً (حاشية المطبوع: [ص:284]).