الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فعليه أبداً أن يتعلم، وأن يطلب المزيد، ولذا أمر الله نبيه- صلى الله عليه وآله وسلم وهو المعلم الأعظم- أن يطلب من الله- وهو الذي علمه ما لم يكن يعلم- أن يزيده علماً فقال:{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].
تحذير واقتداء:
ما أكثر ما رأينا من قطعهم ما حصلوا عليه من علم، عن العلم؛ فوقف بهم عند ما انتهوا إليه، [[فجمدوا]] وأكسبهم الغرور بما عندهم، فتعظموا وتكلموا فيما لم يعلموا، فضلوا وأضلوا، وكانوا على أنفسهم وعلى الناس شر فتنة وأعظم بلاء.
فبمثل هذه الآية الكريمة يداوي نفسه من ابتلى بهذا المرض، فيقلع عن جموده وغروره، ويزداد مما ليس عنده علم ما لم يعلم. ويحذر من أن يقف على طلب العلم ما دام فيه زمن من الحياة ويقتدي بهذا النبي الكريم- صلى الله عليه وآله وسلم فلن يزال يطلب من الله تعالى أن يزيده علمًا (1) بما ييسر له من خزائن رحمته، وما يلقيه في قلبه من نور، وما يجعل له من فرقان، وما يوفقه الله إليه من أصل ذلك كله، وهو تقوى الله، والعمل بما علمه.
نسأل الله لنا والمسلمين العلم النافع، والعمل الصالح. فهو ولي الهداية والتوفيق.
…
7 - من وعد الله للصالحين
{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)} [الأنبياء: 105].
لما مضى في السورة ذكر الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وأممهم، وختم الحديث عنهم بذكر الساعة وقربها ومقدّماتها، وأحوال الخلق يوم القيامة- جاء في هذه الآية ذكر الأمة التي جاءت بعد تلك الأمم كلها، وهي أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وإنما كانت هذه الآية في أمة محمد؛ لأنه لما تكلم على الأمم الخالية لم يسبق الكلام إلاّ عليها؛ فخوطبت بما قضاه الله وكتبه من إرث الصالحين الأرض.
والمخاطبون بهذه الآية المكية هم المؤمنون بالله، الموحدون له، المتبعون لرسوله- محمد صلى الله عليه وآله وسلم المصدق لجميع الرسل صلوات الله عليهم، وهم أصحاب النبي- صلى الله عليه وآله وسلم وهم الصالحون الموجودون يوم ذاك على وجه الأرض، فكانت الآية إعلاماً بما كتبه الله لهم، ووعداً بإرثهم الأرض.
{الزَّبُورِ} بمعنى المزبور أي المكتوب، والمراد به جنس ما أنزله الله من الوحي على رسله
(1) روى الدارمي في مسنده (المقدمة، باب 32) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «منهومان لا يشبعان: طالب العلم، وطالب الدنيا» .
عليهم الصلاة والسلام، وأمر بكتابته. وقرأ حمزة:"الزُّبُور" جمع زُبُر، أي كتاب؛ فعينت هذه القراءة أن المراد بالزبور في القراءة الأولى الكتب المنزلة، لا خصوص زبور داود عليه السلام.
{الذكر} المراد به هنا اللوح المحفوظ، الذي كتب الله فيه كل شيء قبل أن يخلق الخلق. وجاءت تسميته بالذكر، فيما رواه البخاري في مواضع من صحيحه، عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال:
قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم: «كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض» (1).
ومما كتبه في الذكر ما أنزله على رسله عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى:
{بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21، 22].
{الأرض} جنس الأرض الدنيوية، لأن هذا اللفظ موضوع لها، فإذا أطلق انصرف إليها، وبهذا فسرها ابن عباس من طريق علي بن [أبي]. (2) طلحة وهي أصح طرقه (3).
{يرثها} تنتقل إليهم من يد غيرهم، وأصل الإرث الانتقال من سالف إلى خالف، وقد يطلق في غير هذا الموضع على أصل التمليك مجازاً.
{الصالحون} الصالح من كل شيء هو ما استقام نظامه، فحصلت منفعته. وضده الفاسد، وهو ما اختل نظامه فبطلت منفعته، ويظهر هذا من تتبع مواقع الاستعمال:
فإذا قالوا: هذه آلة صالحة، عنوا أنها محصلة للمنفعة المرادة منهاة لانتظام أجزائها.
وإذا قالوا: آلة فاسدة، عنوا أنها لا تحصل المنفعة لاختلال في تركيبها. والصالح في لسان الشرع- قرآنًا وسنة- لم يخرج عن هذا المعنى حيثما جاء: فالصالح هو من استنار قلبه بالإيمان والعقائد الحقة، وزكت نفسه بالفضيلة والأخلاق الحميدة، واستقامت أعماله وطابت أقواله؛ فكان مصدر خير ونفع لنفسه وللناس: استقام نظامه في عقده وخلقه وقوله وعمله، فعظمت وزكت منفعته، وهذا هو معنى الصالحين حيثما جاء، كما في قوله تعالى:{وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} (4)، وكما في حديث التشهد "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"(5).
(1) رواه البخاري في بدء الخلق باب 1. والترمذي في تفسير سورة 5 باب 3، وسورة 11 باب 9. وأحمد في المسند (431/ 4).
(2)
ما بين حاصرتين زيادة من تفسير الطبري. انظر الحاشية التالية.
(3)
انظر تفسير الطبري (98/ 9 - الأثر رقم 24876) وهو من طريق أبي صالح، عن معاوية، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(4)
الآية 69 من سورة النساء: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}
(5)
رواه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مالك في الموطأ (كتاب النداء، حديث 54. 55 أول كتاب=