الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانياً: وأما من السنة
فمنها:
1 -
دعاء القنوت المشهور: «نَرْجُو رَحْمَتَكَ ونَخْشَى عَذَابَكَ إنَّ عَذَابَكَ الجِدُّ» .
ووجه الدليل منه: أن الصلاة أشرف أحوال العبد وأجل مقاماته، وأعظم عباداته، وقد علم أن يدعو فيها هذا الدعاء الصريح، في رجاء الرحمة وخوف العذاب، وما كان ذلك إلاّ لأن العبادة الشرعية موضوعة عليهما.
2 -
ومنها حديث:
«وَأَمَّا السُّجُودُ فَادْعُوا فِيهِ فَقَمِنٌ (1) أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» وهو حديث صحيح (2).
وفي الصحيح أيضاً: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» (3).
ووجه الدليل: أن أقرب أحوال العبد من ربه السجود، وهو محل للدعاء، والداعي يرجو القبول، ويخاف المنع، فالعبادة في أقرب أحوال العبد موضوعة على الرجاء والخوف.
3 -
ومنها الحديث الصحيح:
«إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَاّ إِلَيْكَ. اللهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلتَ.
فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ» (4).
ووجه الدليل منه: أنه تعليم لما يقوله المسلم فيما قد يكون آخر حال يلقي عليه ربه، ولا ينبغي أن يلقاه إلاّ على أكمل حال؛ فعلمنا هذا الدعاء الصريح في الرغبة والرهبة ليقوله المؤمن، ولو كان من أكمل الكمل.
(1) قمن: بفتح الميم وكسرها، لغتان مشهورتان؛ ومعناه: حقيق وقدير.
(2)
أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، حديث رقم 207 عن ابن عباس بلفظ: قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال:«أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلاّ الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» .
وروى أحمد في المسند (1/ 155) نحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(3)
أخرجه من حديث أبي هريرة مسلم في الصلاة حديث 215. والترمذي في الدعوات باب 118. والنسائي في المواقيت باب 35، والتطبيق باب 78. وأحمد في المسند (2/ 421).
(4)
من حديث البراء بن عازب. أخرجه البخاري في الوضوء باب 75، والدعوات باب 5. ومسلم في الذكر حديث 56. وأبو داود في الأدب باب 98.
فدل على أن الرغبة والرهبة عليهما وضعت العبادة في جميع الأحوال.
4 -
ومنها الحديث الصحيح:
ووجه الدليل: أنه في الحال التي هو فيها أقرب ما يكون من ربه، وهي حالة سجوده، استعاذ برضى الله من سخطه، [[وبعافيته]] من عقوبته.
ثم لما لم يستطع الاحاطة بأفعاله، رد الأمر لذاته، فاستعاذ به منه. وهو في الجميع مستعيذ، والمستعيذ طالب، والطالب راج وطامع في نيل المطلوب. فلم يفارق عبادته الرجاء والطمع حتى في هذه الحالة التي بينه وبين ربه، لأنه كان ساجداً في جنح الليل، دون حضور أحد من الناس، إلاّ عائشة التي كانت نائمة واستيقظت، فاطلعت عليه في تلك الحال.
5 -
ومنها الحديث الصحيح عن ابن عباس- رضي الله عنه الذي كان يعلمهم رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم إياه كان يعلمهم السورة من القرآن رواه مالك وفيه: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» (4).
ووجه الدليل منه: أنه علمهم هذه الاستعاذة الصريحة في الخوف والرجاء كسائر ما علمهم من الدعوات المبنية عليهما.
وهكذا تجد جميع دعواته المأثورة على الرغبة، والرهبة، والرجاء والخوف. ولا تجد دعاء واحداً علمهم فيه أن يتوجهوا إلى الله تعالى، دون رغبة ولا رهبة، ولا رجاء ولا خوف.
(1)«أعوذ برضاك من سخطك» : قال النووي في شرح صحيح مسلم: «
قَالَ الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى فِي هَذَا مَعْنَى لَطِيف؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ اِسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَسَأَلَهُ أَنْ يُجِيرهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطه، وَبِمُعَافَاتِهِ مِنْ عُقُوبَته، وَالرِّضَاء وَالسَّخَط ضِدَّانِ مُتَقَابِلَانِ. وَكَذَلِكَ الْمُعَافَاة وَالْعُقُوبَة فَلَمَّا صَارَ إِلَى ذِكْر مَا لَا ضِدّ لَهُ وَهُوَ اللَّه سبحانه وتعالى اِسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ لَا غَيْر، وَمَعْنَاهُ الِاسْتِغْفَار مِنْ التَّقْصِير فِي بُلُوغ الْوَاجِب مِنْ حَقِّ عِبَادَته وَالثَّنَاء عَلَيْهِ».
(2)
لا أحصي ثناء عليك: أي لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: لا أحيط به.
(3)
أخرجه مسلم في الصلاة حديث 222. وأبو داود في الصلاة باب 148. والنسائي في الطهارة باب 119، والتطبيق باب 47 و 66 و71 و 72، وعشرة النساء باب 4. وابن ماجة في الإقامة باب 119. وأحمد في المسند (6/ 58، 147، 201، 238).
(4)
الحديث في الموطأ (كتاب القرآن، باب ما جاء في الدعاء، حديث رقم 33). وأخرجه أيضاً مسلم في المساجد ومواضع الصلاة حديث رقم 134.