الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأن يجتهد في حصول الأنس بها، والخشوع فيها؛ فإن ذلك زيادة على ما يثبت فيه من أصول الخير، يقلع منه أصول الشر ويميت منه بواعثه.
قامت الشريعة على المحافظة على حقوق الله، وحقوق عباده، وحق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً؛ فمن دعا مع الله غيره، وأشرك به سواه، فقد أبطل حق الله وأعدم عبادته. ومن قتل النفس فقد تعدى على أول حق جعله الله لعباده بفضله، وهو حق الوجود، وعمل على إبطال وجودهم وفناء نوعهم وزوال عبادتهم، فلهذا قرن قتل النفس بدعاء غير الله معه.
ولما كان الزنا فيه بطلان النسب وفساد الخلق والجسد، وذلك مؤد إلى الاضمحلال والزوال، والشرور والأهوال، قرن بقتل النفس فذلك قتل حقيقي، وهذا قتل معنوي.
(الدعاء) هو النداء لطلب أمر أو تنبيه عليه.
(الإله) هو المعبود.
(حرم الله النفس) جعل لها حرمة ومنعة، فلا يجوز التعدي عليها. ومادة (ح ر م) تفيد المنع في جميع تصاريفها.
(الحق) هو الثابت من مقتضيات القتل في الشرع.
وصف النفس بالإسم الموصول المعروف الصلة؛ لأن تحريم الله لها أمر مركوز في النفوس، معروف للبشر بما جاءهم من جميع الشرائع. وكان النفي للفعل بصيغة المضارع للإشارة إلى استمرار ذلك النفي.
المعنى:
والذين لا يدعون ولا يعبدون مع الله إلها آخر، فيشركون به سواه في عبادتهم إياه، ولكنهم يخلصون له العبادة، ويفردونه بالطاعة، ويوحدونه في ربوبيته وألوهيته.
ولا يقتلون النفس التي جعل الله لها حرمة، وحرم قتلها بالسبب إلاّ الحق الثابت في دين الله المعارض لحرمتها، المقتضي لقتلها بالزنا بعد الإحصان، أو الكفر بعد الإيمان، أو القتل للنفس العمد العدوان.
ولا يزنون فيأتون ما حرم الله عليهم إتيانه من الفروج.
…
مزيد بيان لتوحيد الرحمن:
ما يزال الذكر الحكيم يسمي العبادة دعاء ويعبر به عنها؛ ذلك لأنه عبادة، فعبر عن النوع ببعض أفراده، وإنما اختير هذا الفرد ليعبر به عن النوع؛ لأن الدعاء مخ العبادة وخلاصتها؛ فإن العابد يظهر ذله أمام عز المعبود، وفقره أمام غناه، وعجزه أمام قدرته، وتمام تعظيمه له وخضوعه بين يديه. ويعرب عن ذلك بلسانه بدعائه وندائه وطلبه منه حوائجه.
فالدعاء هو المظهر الدال على ذلك كله. ولهذا كان مخ عبادته.
وقد جاء التنبيه على هذا في السنة المطهرة: فعن النعمان بن بشير- رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم:
«الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» ثم قرأ {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]. رواه أحمد والترمذي وأبو داود رحمهم الله والنسائي وابن ماجة (1).
وعن أنس- رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» رواه الترمذي (2) رحمه الله.
فتطابق الأثر والنظر على أن الدعاء عبادة فمن دعا غير الله فقد عبده وإن كان هو لا يسمي دعاءه لغير الله عبادة؛ فالحقيقة لا ترتفع بعدم تسميته لها باسمها وتسميته لها بغير اسمها، والعبرة بتسمية الشرع التي عرفناها من الحديثين المتقدمين لا بتسميته.
لما ثبت أن الدعاء عبادة فالداعي عابد، والمدعو معبود، والمعبود إلاه؛ فمن دعا شيئاً فقد اتخذه إلهه؛ لأنه فعل له ما لا يفعل إلاّ للإله؛ فهو وإن لم يسمّه إلهاً بقوله فقد سماه بفعله؛ ألا ترى إلى أهل الكتاب لما اتبعوا أحبارهم ورهبانهم في التحليل والتحريم- وهما لا يكونان إلاّ من الرب الحق العالم بالمصالح- قال الله تعالى فيهم:
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 131]. وإن كانوا لا يسمونهم فحكم عليهم بفعلهم، ولم يعتبر منهم عدم التسمية لهم أرباباً بألسنتهم.
فكذلك يقال فيمن دعا شيئاً أنه اتخذه إلها نظراً لفعله وهو دعاؤه ولا عبرة بعدم تسميته له إلهاً بلسانه.
وفي حديث عدي بن حاتم الذي رواه الترمذي وغيره، أنه قال للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم لما سمعه يقرأ هذه الآية (3):"إنهم لم يكونوا يعبدونهم؟ ".
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«أليس كانوا إذا حرموا عليهم شيئاً حرموه، وإذا أحلوا لهم شيئاً أحلوه؟» قال: "قلت نعم" قال: «فتلك عبادتهم إياهم» (4).
قال الإمام الجصّاص: ولما كان التحليل والتحريم لا يجوز إلاّ من جهة العالم بالمصالح، ثم
(1) أخرجه أحمد في المسند (267/ 4، 271، 276) وأبو داود في الوتر باب 23. والترمذي في تفسير سورة 2 باب 16، وسورة 40 باب 1، والدعوات باب 1. وابن ماجة في الدعاء باب 1. ولم أجده في المجتبى للنسائي، ولعلّه في السنن الكبرى له.
(2)
في كتاب الدعاء، باب 1 حديث رقم 3371. وقوله "مخ العبادة" أي خالص العبادة ولبها.
(3)
أي الآية السالفة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} .
(4)
رواه الترمذي في تفسير سورة التوبة، باب 10، حديث رقم 3095.