الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (20)
* قالَ اللَّه عز وجل: {يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ في الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (20)} [الأحزاب: 20].
* * *
قوله تعالى: {يَحْسَبُونَ} بمَعنَى: يَظُنُّون، وهي تَنصِب مَفعولين أصلُهما المُبتَدَأُ والخبَرُ، والمَفعول الأوَّل هنا قوله سبحانه وتعالى:{الْأَحْزَابَ} والمَفعول الثاني: جُمْلة {لَمْ يَذْهَبُوا} يَعنِي: يَظُنُّ هؤلاء المُنافِقون أن الأحزاب لم يَذهَبوا، وهذا يَدُلُّ على جُبْنهم وخَوْفهم وذُعْرهم؛ لأنه حتى بعد ذَهاب الأحزاب وتَفريقهم يَظُنُّ هؤلاء المُنافِقون أنهم لم يَذهَبوا.
وقوله رحمه الله: [{لَمْ يَذْهَبُوا} إلى مكَّةَ؛ لخَوْفهم منهم {وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ} كرَّة أُخرى {يَوَدُّوا} يَتَمَنَّوا {لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ في الْأَعْرَابِ} أي: كائِنون في البادية {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ} أَخبارِكم مع الكُفَّار].
قوله سبحانه وتعالى: {وَإِنْ يَأْتِ} هذا على سبيل الفَرْض والتقدير، وقوله تعالى:{الْأَحْزَابَ} جَمْع حِزْب وهُمُ الطوائِف الذين تَحزَّبُوا على النبيِّ عليه الصلاة والسلام من قُرَيشٍ وغَطَفانَ وأسَد وغيرهم، لو أَتَى هؤلاءِ الأحزابُ مرَّةً أخرَى لوَدَّ هؤلاءِ المُنافِقون أنَّهم {بَادُونَ في الْأَعْرَابِ} البادِي: هو الساكِن البادِيَةَ، ومنه قول النبيِّ
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ"
(1)
، فبادٍ هذه اسمُ فاعِل ومَعناها ساكِن البادية، فيَوَدُّ هؤلاءِ أنهُمْ {بَادُونَ في الْأَعْرَابِ} أي: ساكِنون البادِية؛ لِأَجْل النَّجاة من هؤلاء الأَحزابِ.
وقوله سبحانه وتعالى: {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ} جُمْلة حالِيَّة من الفاعِل في قوله تعالى: {بَادُونَ} يَعنِي: يَوَدُّ هؤلاءِ المُنافِقون أنهم في البادِية يَسأَلون عن أَنبائِكم، ولا يُشارِكونكم في القِتال، فبَيَّن اللَّه سبحانه وتعالى ذُعْر هؤلاءِ المُنافِقين بوَجْهين:
الوَجْه الأوَّل: أنهم يَظُنُّون أن الأحزاب ما زالوا باقين، مع أن الأحزاب قد انصَرَفوا.
الوجه الثاني: أنه لو فُرِض أن الأحزاب رجَعوا فإِنهم يَتَمنَّوْن أنهم في البادية لا يَلحَقهم مُناوَشاتٌ ولا قِتال، وإنَّما يَسأَلون عن أنبائِكم، إِذَن فجُمْلة:{يَسْأَلُونَ} نَقول: إنها في مَوضِع نَصْب على الحال من فاعِل {بَادُونَ} .
وقوله رحمه الله: [{وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ} هذه الكَرَّةَ {مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} رِياءً وخَوْفًا من التعيير]، يَعنِي:(لو) هذه شَرْطية، وجَوابها هنا مَقرون بـ (ما)، وإذا كانت (لو) الشَّرْطية مَقرونةً بـ (ما)، فإن الأكثَر ألَّا يَقتَرِن الجوابُ باللَّام؛ لأن (ما) للنَّفيِ، واللَّامُ للتَّوكيد واجتِماع حَرْف يَدُلُّ على التَّوكيد مع حَرْف يَدُلُّ على النَّفي فيه شيء من التَّعارُض والتَّناقُض، فتَقول: لو جاء زَيْدٌ ما كلَّمْتُك. ولا تَقول: لو جاء زَيْدٌ لمَا كلَّمْتُك. يَرحَمك اللَّه تعالى، لكن إذا كان جَوابُها مُثبَتًا فإن الكثير أن تَقتَرِن به اللَّام، تَقول: لو جاءَ زَيْدٌ لكَلَّمتُك؛ هذا الأكثَرُ، ويَجوز: لو جاء زَيْدٌ كلَّمتُكَ.
(1)
أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل، رقم (2150)، ومسلم: كتاب النكاح، باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه، رقم (1413)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قال اللَّه تبارك وتعالى في سورة الواقِعة: {لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا} [الواقعة: 65]، هذه اقتَرَنَت بها اللَّام {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} [الواقعة: 70]، أمَّا (ما) هنا فلَمْ تَقتَرِن بها اللَّامُ، لكن قد تَقْتَرِن بها اللَّام قليلًا، ومنه قول الشاعِر:
وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لمَا افْتَرَقْنَا
…
وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي
(1)
يَقول اللَّه عز وجل: {وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} : {قَلِيلًا} هنا بمَعنَى: إلَّا عدَمًا، أو هي على ظاهِرها أنَّهم يُقاتِلون، ولكن قِتالًا قليلًا، هذا هو الأقرَب؛ لأن الأصل إِبْقاء الكلام على ظاهِره، إلَّا أن يَقوم دليلٌ على أن ظاهِره غَيرُ مُراد، فهؤلاءِ لو كانوا فينا حينما يَأتِي الأحزاب لوَجَدْتهم من جُبْنهم لا يُقاتِلون إلَّا قليلًا.
وفسَّر المُفَسِّر رحمه الله هذا القِلَّةَ بأنها من أَجْل الرِّياء وخَوف التَّعيير؛ يَعنِي: يُراؤُون الناس بأنهم يُقاتِلون في سبيل اللَّه تعالى، ويَخافون من تَعْيِير الناس لهم، فهم لا يُقاتِلون؛ لتكون كلِمةُ اللَّه هي العُليا، وهذا من أهَمِّ ما يَكون، أَعنِي: إخلاصَ الإنسان عِبادته للَّه سبحانه وتعالى هذا من أهَمِّ ما يَكون، ومن أشَدِّ ما يَكون عِلاجًا على النَّفْس؛ لأن الأعمال الظاهِرة كلُّ أحَدٍ يَستَطيع أن يَجعَلها على أحسَنِ ما يُرَام؛ كلُّ أحَد يَستَطيع أنه يَقوم ويُصلِّي بقِراءةٍ مُتأنِّيةٍ وبرُكوعٍ مُتأنٍّ وبسُجودٍ مُتأَنٍّ وبقِيامٍ مُتأَنٍّ وبقُعودٍ مُتأَنٍّ؛ لكن إصلاح القَلْب هو الصَّعْب؛ ولهذا كان صَلاح القَلْب مُوجِبًا لصلاح البدَن، ولا عكسَ، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أَلَا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّه أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ"
(2)
.
(1)
غير منسوب، وانظره في: مغني اللبيب (ص: 358)، وشرح التصريح (2/ 424)، وهمع الهوامع (2/ 572)، وخزانة الأدب (10/ 82).
(2)
أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (52)، ومسلم: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم (1599)، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
فهَؤُلاءِ المُنافِقون ليس لدَيْهم رغبةٌ حقيقيةٌ في القِتال الذي يَرجُون به إِحْدى الحُسْنيَيْن، إمَّا الشهادة وإمَّا الظَّفر والسَّعادة، لكنهم إنما يُقاتِلون رِياءً وخَوْفًا من التَّعيير فقَطْ لا للَّه تعالى، وإن كانت هذه نِيَّته فإنه لن يُقاتِل القِتال الذي يَنبَغي أن يَكون، سيَكون فاتِرًا، بخِلاف الإنسان صاحِب النِّيَّة الخالِصة للَّه عز وجل، فسيَكون لدَيْه دافِع قوِيٌّ يَحْدُوه إلى العَمَل بما يَرَى أنه من طاعة اللَّه سبحانه وتعالى.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: قُوَّة جُبن هؤلاءِ المُنافِقين، حيث يَظُنُّون أن العَدوَّ باقٍ وهو قد ذهَب؛ ولهذا شاهِدٌ، فلو أن رجُلًا جَبانًا رأى أسَدًا في مَغارة وذهَبَ الأسَد من هذه المَغارة وأُخرِج فقلتَ لهذا الرَّجُل الجبانِ: نَمشِي من عند المَغارة هذه؟ ستقول: لا، ففيها أسَد؛ لأنه جَبان، فالجبان يَظُنُّ أن عَدوَّه لم يَبرَح مكانه، ويَخشَى حتى من ظِلِّه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن هَؤلاء المُنافِقين لو عاد الأحزاب مرَّةً أُخرى لودُّوا أنهم في الأعراب، لا في المدُن؛ لقوله تعالى:{وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ في الْأَعْرَابِ} مع أن عَيْش المُدُن أحسَنُ، لكن لجُبْنهم يَتمَنَّوْن أن يَذهَبوا للأعراب في البادِيَة، ولا يَحضُرون هؤلاء الأَحْزابِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هؤلاءِ المُنافِقين لا يُريدون أن يُشارِكوا المُؤمِنين في مَعارِكهم؛ لقوله تعالى: {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ} فهُمْ يُحِبُّون أن يَكونوا بعيدين عن المَعارِك، ولا يَتحَسَّسون إلَّا الأخبارَ فقَطْ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن المُنافِق لو شارَك المُؤمِنين في القِتال، فإنه لن يُقاتِل إلَّا قليلًا، قال تعالى:{وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} .
وهاهُنا مَسأَلة: هل يَجوز لنا أن نُشرِك المُنافِقين في قِتالنا إذا علِمنا أنَّهم مُنافِقون؟
فنَقول: لا نُشرِكهم؛ لأن ضرَرهم عَلَيْنا أكْثَرُ بكثيرٍ من نَفْعهم، أمَّا مَن لا نَعْلَم حاله فإن الأصل أن يُؤاخَذ الإنسانُ بظاهِر حاله.
فإن قال قائِل: مَن كان عنده خَوْف شَديد ودُعِيَ إلى القِتال فرفَض من أَجْل خَوْفه، فهل يُقال عليه: مُنافِق؟
فالجَوابُ: اللَّه تعالى أَعلَمُ بما في قَلبه، لكن في ظَنِّي أنه ليس هناك أحَد يَخاف إلى هذا الحدِّ؛ لأن غاية ما عِنده: القَتْل، وهو إذا قُتِل في سبيل اللَّه تعالى خير من أن يَموت على فِراشه، فيَجِب على الإنسان أن يَتغَلَّب على هذه الأشياءِ، فكلُّ خوف يَمنَعك من واجِب فهو مَذموم.
* * *