الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (8)
* قالَ اللَّه عز وجل: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [الأحزاب: 8].
* * *
قوله سبحانه وتعالى: {لِيَسْأَلَ} اللَّام للتعليل من حيث المَعنَى، وهي من حيث الإعراب حَرْف جَرٍّ، والفِعْل بعدها مَنصوب بـ (أَنْ) مُضمَرةً جوازًا بعد لامِ الجَرِّ.
وقوله سبحانه وتعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ} السائِل هو اللَّه تعالى، والضميرُ هنا ضميرُ غَيْبة، {وَإِذْ أَخَذْنَا} ضَمير المُتكلِّم، فيَكون فيه التِفات من التَّكلُّم إلى الغَيْبة، والالتِفات أُسلوبٌ من أَساليب اللغة البلاغِية، ويَختَلِف، قد يَكون من غَيْبة إلى حُضور، ومن حُضور إلى غَيْبة، فقوله تعالى:{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} ، هذا التِفات من الغَيْبة إلى الحُضور {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ} ، ثُمَّ قال تعالى:{وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ} ، وهنا قال تعالى:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ} ثُم قال: {لِيَسْأَلَ} ، ولم يَقُل: لنَسأَل. فهو التِفات.
فائِدةُ الالتِفات العامَّة في كل مَوضِع هو التنبيهُ، تَنبيهُ القارِئ والمُخاطَب، وجهُ ذلك: أن الكلام إذا كان على أُسلوب واحِد، فإن الإنسان يَسير معه من غير أن يَكون هناك شيء يُوجِب انتباهَه، فإذا تَغيَّر الأُسلوب حصَل حينئذٍ تَوقُّف كيف انتَقَل من هذا إلى هذا، فيَكون في هذا تَنبيهٌ للقارِئ وللمُخاطَب.
ثُمَّ إِن هناك فوائِدَ خاصَّةً تَكُون بحسَب السِّياق والقَرينة، انظُرْ إلى قوله تعالى:{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ} ما قال: وما يُدريه. مُوافَقةً لـ {عَبَسَ} ، ولا قال: عبَسْت مُوافَقةً لـ {يُدْرِيكَ} ، وعلَّلوا ذلك بأن اللَّه عز وجل كرِهَ أن يُخَاطِب نَبيَّه بوَصْف يَقتَضي الذَّنْب وهو العُبوس والتَّولِّي، فقال تعالى:{عَبَسَ} كأَنَّ التَّحدُّث عن غير الرسول عليه الصلاة والسلام {وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} ، ثُمَّ قال تعالى:{وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} خاطَبه بذلك؛ ليَتبَيَّن أن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس عنده عِلْم من الغَيْب، وهذا ليس فيه قَدْح في الرسول عليه الصلاة والسلام ألَّا يَكون عالمًا للغَيْب؛ لأن هذا هو شَأْن جميع البشَر.
والحاصِلُ: أن الالتِفاتَ الفائِدةُ العامَّة منه هو التَّنبيهُ، ثُم يَكون في كل مَوضِع فائِدة خاصَّة في ذلك المَوضِع، وهنا فائِدتُه -واللَّه تعالى أَعلَمُ- أنَّه لمَّا قال:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ} وكان مِيثاق الأنبياءِ دائِرًا بين أَمْرٍ يَقومون به وأَمْرٍ يُواجَهون به من البشَر، وكلا الأَمْرين يَكون صِدْقًا ويَكون غيرَ صدْق، لكنَّ غير الصِّدْق في جانب الأنبياء مُستحيل، لكن غير الصِّدْق في جانب المَدعُوِّين مُمكِن.
قال سبحانه وتعالى: {لِيَسْأَلَ} كراهيةَ أن يُخاطِب أو أن يَنسُب السُّؤال لنَفْسه سبحانه وتعالى مع أنَّه يَدخُل في ضِمْنه الأنبياءُ؛ لأن الخِطاب، أو لأن التَّحدُّث بضمير الحضور:(لنَسأل) أَقوَى في النفس من أن يَكون التَّحدُّث بضَمير الغَيْبة.
يَقول عز وجل: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ} قال المُفَسِّر رحمه الله: [اللَّه] تَفسير للضَّمير المُستَتِر {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} هو قال المُفَسِّر رحمه الله: [في تَبليغ الرِّسالة] وهذا بِناءً على ما يَراه في تَفسير الآية أن السُّؤال للأنبياء فقَطْ، والصوابُ أن السُّؤال لهم ولمَن دُعوا، قال اللَّه تعالى:{فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}
وكل مِنهما يُسأَل، فالصواب أنَّه {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} في تَبليغ الرِّسالة بالنِّسبة للأنبياء، وفي قَبول ذلك بالنِّسبة للمَدعوِّين.
قال: [تَبكيتًا للكافِرين بهم](تَبكيتًا) هذا تَعليل لسُؤال الأنبياء عليهم السلام، يَعنِي: يَقول المُفَسِّر رحمه الله: إنَّ اللَّه عز وجل يَسأَل الأنبياء عليهم السلام، لا لأنه يُمكِن ألَّا يَقوموا بالواجِب، ولكن تَبكيتًا للكافِرين بهم، يَعنِي: تَقريعًا ولَوْمًا للكافِرين بهم، فإنه إذا سَأَل الرُّسُلَ: هل بلَّغْتُمُ الرِّسالة؟ -أمام المَدعُوِّين- سيَقولون: نعَمْ، فيَكون في هذا تَبكيتٌ لِهَولاء الكافِرين.
وسُؤال الغَيْر لتَبكيت غيره جاء به القُرآن كما في قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} المَوْءودة هي الطِّفلة، أو بعِبارة أعَمَّ هي الأُنثَى التي تُوأَدُ، وكان من طريق بعض الكُفَّار أنهم يَئِدون البناتِ يَدفِنونَهن وهُنَّ حيَّاتٍ، خوفًا من أن يُعيَّر، يُقال: هذا الرجُلُ ما عنده إلَّا بِنْت، أو هذا الرجُلُ وُلدَ له بِنْت؛ ولهذا إذا بُشِّر {بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ} يَستَتِر، يَخاف أن يُعيَّر {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} أَعوذ باللَّهِ تعالى، ثُم يَقول في نَفْسه:{أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} ما يَعدو هذا، ما يُمكِن أن يُمسِكه على عِزٍّ وكَرامة أَبَدًا.
إِذَنْ: على رأي المُفَسِّر رحمه الله يَكون المُرادُ بسُؤال النَّبيِّين عن تَبليغ الرِّسالة تَبكيت هؤلاء الكافِرين بهم وتَقريعهم.
قال رحمه الله: [{وَأَعَدَّ} تعالى {لِلْكَافِرِينَ} للكافِرين بهم {عَذَابًا أَلِيْمًا} مُؤلِمًا].
قوله عز وجل: {لِيَسْأَلَ} ، {وَأَعَدَّ} قد يَقول قائِل: بين المَعطوف والمعطوف عليه تَنافُر؛ لأنه لو كان بينهما ائتِلاف، لكانت العِبارة: ليَسأَل الصادِقين عن صِدْقهم
ويُعِدَّ للكافِرين، لكنه قال:{وَأَعَدَّ} نعَم {وَأَعَدَّ} هو فكيف نَقول فيها؟ يَقول المُفَسِّر رحمه الله: [هو عَطْف على {أَخَذْنَا}]{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا} ، والظاهِر من قَصْده {أَخَذْنَا} الأَخيرة يَعنِي:{وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} ، {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ} ، وعلى رأي المُفَسِّر رحمه الله يَكون فيها أيضًا التِفات من الحُضور إلى الغَيْبة، ويُمكِن أن نَقول: إنه معطوف على قوله تعالى: {لِيَسْأَلَ} ، نعَم لكنه جاء بلَفْظ الماضي تَحقيقًا لوُقوعه، وأنه أَمْر ثابِت.
قوله تعالى: {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} قال رحمه الله: [مُؤلِم] يَعنِي: مُوجِع، فعيل بمَعنَى: مُفعِل تَأتي في اللغة العربية، وإن كان الأكثَر أن فَعيلًا بمعنى: فاعِل، ففعيل بمَعنَى: فاعل كثيرة جِدًّا، مثل سميع بصير وعزيز أَمثِلتها كثيرة، لكن فعيل بمَعنَى: مُفعِل قليل، ومنه هذه الآية، أَليم بمَعنَى: مُؤلِم، وقول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ
…
يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
(1)
هو الداعِي السَّميع، يَعنِي: المُسمِع.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إثباتُ البَعْث؛ لأن هذا السُّؤالَ ما كان في الدُّنيا، وليس هناك إلَّا دنيا وأُخْرى، فيَكون من لازِم ذَلك ثُبوت الآخِرة.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن السُّؤال ليس سُؤالًا خاصًّا بالمُعانِدين والكافِرين، حتَّى
(1)
البيت لعمرو بنُ معدي كرب، انظر: الأصمعيات (ص: 172)، الشعر والشعراء لابن قتيبة (1/ 365).
الصادِق يُسأَل عن صِدْقه، لقوله تعالى:{لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} ، فَيَتفَرَّع عن هذه الفائِدةِ: وجوبُ الحَذَر، ووجوبُ الاستِعْداد لهذا السُّؤالِ؛ فإذا كان الصادِقُ يُسأَل فما بالُك بالكاذِبِ؟ ! الكاذِبُ جَزاؤُه {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} ؛ لأن الكافِرين لا يُسأَلون سُؤالًا يحاسَبون عليه، كمُحاسَبة أهل الخير.
والسُّؤال هنا {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} ، هل هو خاصٌّ بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو عَامٌّ؟
قلنا: إنه عامٌّ؛ لأن النَّبيِّين الذين ذُكِروا رُسُل، وكلُّ رَسول لا بُدَّ من مُرسَل إليه، والرسولُ لا شَكَّ أنَّه صَادِق، فبَقِيَ التقسيمُ إلى صادِق أو غير صادِق محلُّه المُرْسَل إليه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثْبَات الجزاءِ {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن النَّار مَوْجودة الآن، لقوله تعالى:{وَأَعَدَّ} بلَفْظ الماضي، والإعداد بمَعنَى: التَّهيِئة، والنُّصوص في وجود النار ووجود الجنَّة الآنَ من القُرآن والسُّنَّة كثيرة، فهما الآنَ مَوْجودتان، وهما لا تَفنَيان على مُعتَقَد أهل السُّنَّة، وإن كان ذُكِر خِلاف عن السلَف في أبديَّة النار: هل هي مُؤَبَّدة أم لا؟ والصحيحُ أنَّها مُؤبَّدة لا شكَّ.
والدليلُ على ذلك قوله تعالى يُخاطِب الذين آمَنوا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 130 - 131]، فحَذَّر المُؤمِنين من النار التي أُعدَّتْ للكافِرين، والصواب بلا شَكٍّ أن النار مُؤَبَّدة، وفي ذلك ثلاثُ آيات من كِتاب اللَّه تعالى: آية في النِّساء، وآية في الأحزاب، وآية في الجِنِّ.
فأمَّا آية النِّساء فقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 168 - 169].
وأمَّا في الأحزاب ففي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الأحزاب: 64 - 65].
وأمَّا في سورة الجِنِّ ففي قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23].
وإذا كان هَؤلاء خَالِدين أبَدًا فإنَّه يَلزَم من تَأبيد الخالِد تَأبيدُ المكان الذي هو فيه، حتَّى في الجَنَّة أيضًا، فمَعناه: أن هذا كائِن بمَشيئة اللَّه تعالى.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: في الآية دليلٌ على أن أهل النار يَذوقون العذاب ويَتأَلَّمُون منه؛ لقوله تعالى: {أَلِيْمًا} ، فَيَكون في هذه الفائِدةِ ردٌّ على قول مَن يَقول: إن أهل النار يَكونون جَهنَّمِيِّين، فلا يُحِسُّون بعذابٍ -والعِياذُ باللَّهِ-، ومَعنَى ذلك أنهم إذا كانوا لا يُحِسُّون بعذاب انتَفَى العَذاب.
وقد ذكَر اللَّه سبحانه وتعالى أن جُلُودهم تَنضَج {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 56] وأَخبَر أنَّها تُحرِق {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الأنفال: 50] فبَيَّن اللَّه سبحانه وتعالى أن الجُلود تَنضَج {لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} ، ولولا أنهم يَتَألَّمون بذلك لكانوا عندما بُدِّلوا بجُلود أُخرى ما ذاقوا العَذاب.
فإن قيل: كيف يَصبِرون المُدَدَ العظيمة، وهم في حَريق وجُلود تُبدَّل -والعِياذُ باللَّه-؟
قُلْنا: إن اللَّه تعالى على كل شيء قَديرٌ، وأحوال الآخِرة لا تُقاس بأحوال الدُّنيا،
هذه الدنيا يَحتَرِق الجِسْم لكن الروحُ تَخرُج منه وتَدَعُه ولا تَحتَرِق، لكن في الآخِرة يَبقَى الجِسْم وإن كان يَحتَرِق، وإن كان يَنضَج، واللَّه سبحانه وتعالى لا نِهايةَ لقُدْرته، ولا يُمكِن الإحاطةُ بها.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: التحذير من الكُفْر؛ لقوله تعالى: {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} .
الْفَائِدَةُ السَّابعَةُ: التحذير من خِصال الكُفْر: يَعنِي ورَدَت في النُّصوص أعمالٌ وأقوالٌ وَصَفها الشَّارع بأنَّها كُفْر فيَجِب الحَذَر منها.
ومن المُؤسِف أن كثيرًا من طلَبة العِلْم يَبحَثون مَسأَلة أن هذا كُفْرٌ وأن هذا غيرُ كُفْرٍ، يَبحَثونها على أنها مسألة نَظَرية، فتَجِدهم يَفرِضون الخِلاف مع المُعتَزِلة والخَوارِج، لكن لا يَشعُرون -ولا يُشْعِرون غيرَهم- أن مَسأَلة كون هذا من الكُفْر مَعناه أنَّه يُعذَّب على هذه الخِصْلةِ عَذابَ الكافِرين، وإن كان لا يُخلَّد، لكن يُعذَّب بحسَب ذَنْبه عذابَ الكافِرين؛ لأنه عمِل كُفْرًا فيَستَحِقُّ فاعِله جزاءَ الكُفْر في هذه المَسأَلةِ، وهذه مَسألةٌ عَظيمة جِدًّا، يَنبَغي لنا أن تَكُون على بالنا.
وفيه أيضًا بِناءً على هذه القاعِدةِ على أن الَّذين يُعَذَّبون في النار بقَدْر مَعاصيهم يَجِدون حَرَّها وأَلمَها وعَذابها خِلافًا لمَن قال: إنهم لا يَجِدون ألمًا، فالصوابُ أنَّهم يَجِدون ألمًا، الذين لا يَجِدون ألمًا هم الذين يَرِدُونها بِناءً على أن الوُرود في قوله سبحانه وتعالى:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71] الدخولُ دون المُرور على الصِّراط، والمَسأَلة فيها قولانِ للمُفسِّرين من السلَفِ والخلَف، واللَّه أَعلَمُ.
* * *