المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (59) * قَالَ اللَّهُ عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ - تفسير العثيمين: الأحزاب

[ابن عثيمين]

الفصل: ‌ ‌الآية (59) * قَالَ اللَّهُ عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ

‌الآية (59)

* قَالَ اللَّهُ عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 59].

* * *

قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} الخِطاب بـ {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ} تَقدَّم التَّنبيهُ عليه بأن اللَّه عز وجل نادَى محُمَّدًا صلى الله عليه وسلم بوَصْفه نبيًّا، والنبيُّ يُنفِّذ ما أُوحِيَ إليه، ولا يَتَأخَّر عنه، وسَبَق أن النبيَّ مَأخوذ من النَّبأ أو النَّبْوَة أو مِنهما جَميعًا، فإنه مُنْبِئٌ مُنْبَأ، وذو رِفْعة فهو مُشتَقٌّ من النَّبَأ سواء كان واقِعًا منه أو واقِعًا عليه، ومن النَّبْوة وهي الرِّفْعة فالشيء النابِي هو الشيء المُرتَفِع.

قوله تعالى: {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} : {قُلْ} هذه فِعْل أَمْر ومن المَعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أُمِر أن يَقول جميعَ القُرآن وأن يُبلِّغه، لكن إذا كان الحَكَم مُصدَّرًا بـ (قُلْ) فهو دَليل على العِناية به؛ لأنه أُمِر أن يُبلِّغه بخُصوصه؛ فيَكون في هذا دليل على أنه -أي: هذا الشيءُ الذي أُمِر أن يَقوله الرسول صلى الله عليه وسلم أَمْر هامٌّ.

قوله تعالى: {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} جَمْع زَوْج، وزَوْج يُطلَق على الرجُل والمرأة؛ لأنه مَأخوذ من الازدِواج وهو الاختِلاط، واللُّغة الفُصحى فيه أَنْ لا تَفريقَ بين الذَّكَر والأُنْثى ولكن الفَرضِيِّين رحمهم الله التَزَموا أن يَجعَلوا الأُنثى بالهاء والرجُل بدون هاء؛

ص: 481

تَفريقًا بين الوسائِل؛ لأنه إذا قالوا: مات مَيْت عن زَوْج وابنٍ، وأَرادوا بالزوج الأُنثى اشتَبَه هل يُراد بالزَّوْج الذَّكَر أو الأُنثى فالتَزَموا أن يُفرِّقوا بين الذكَر والأُنثى بالتاء؛ على أنه قد قِيل: إنها لُغَة لكِنَّها قليلة.

وقوله تعالى: {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} وبدَأ بالأزواج؛ لأن الحِماية لهُنَّ والغَيْرة فيهِن أشَدُّ وأبلَغُ.

وقوله تعالى: {وَبَنَاتِكَ} قُلنا: إنهن أربعة، لكن إذا كانت هذه الآيةُ قد نزَلَت في السَّنَة السادِسة للهِجْرة فإن بعضَهن قد مات، وعلى هذا نَقول: المُراد المَوْجود مِنهن {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} عامٌّ في كل امرأة من المُؤمِنين؛ وإنما قال تبارك وتعالى: {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} دون أن يَقول: (والنساء)؛ لأَجْل الإِغْراء والحَثِّ، كقوله صلى الله عليه وسلم:"لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ"

(1)

، وإلَّا فإن الكافِرات يَجِب عليهن من الحِجاب ما يَجِب على المُؤمِنات؛ لئلا يَفتَتِنَ الناس بهِنَّ.

وقوله تعالى: {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} يَشمَل زَوجاتِ المُؤمِنين ومَن للمُؤمِنين عليهن ولاية، من البَنات والأَخَوات والعَمَّات والخالات والأُمَّهات وغير ذلك، وفي قوله تعالى:{وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} دَليل على أن الرِّجال قوَّامون على النِّساء، وإلَّا لاكتَفى بقول:(والنِّساء المُؤمِنات).

فإن قال قائِل: الكِتابيات إذا تَزوَّجْن من المُسلِمين هل يُخاطَبْن بالحِجاب، رغم قوله تعالى:{وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} وهل يُقال: إنها غيرُ مُكلَّفة فلا تُخاطَب؟

(1)

من ذلك ما أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب إحداد المرأة على غير زوجها، رقم (1280)، ومسلم: كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة، رقم (1486)، من حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما:"لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث".

ص: 482

فالجَوابُ: في قَوله تعالى: {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} الخِطاب مُوجَّه لهُنَّ، وإلَّا فغَيْر المُؤمِنات يَجِب أن يَستُرْن وُجوهَهُن؛ لأن الفِتْنة حاصِلة، بل ربما تَكون الفِتْنة في غير المُؤمِنات أكثَرَ؛ لأن الرجُل يَقول: هذه كافِرة، فذَنْبها أعظَمُ؛ لأنه قد يُحارِشها أو يَتَوصَّل إليها بالزِّنا.

وهي مخُاطَبة، ولا سيَّما في الأُمور الظاهِرة؛ ولهذا يَمنَعون من إظهار الخَمْر والخِنزِير وما أَشبَه ذلك، مع أنه مُباح في شَريعتهم.

قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} جُمْلة: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} تَحتَمِل أن تَكون مَرفوعة وأن تَكون مَجزومة؛ وعلى كل حال هي: مَبنيَّة الآنَ لاتِّصالها بنون النِّسْوة، والفِعْل المُضارِع يَكون مَبنيًّا في مَوضِعين إذا اتَّصَلت به نون النِّسوة أو نون التَّوْكيد، وهنا اتَّصَلت به نون النِّسوة، فهو مَبنيٌّ على السُّكون، لكن هل هو في مَحلِّ رَفْع أو في مَحلِّ جَزْم؟

الجَوابُ: إن كانت {يُدْنِينَ} مَقول القول فهي في محَلِّ رَفْع، يَعنِي: قل لهؤلاء: أَدْنِينَ. وإن كانت جَوابًا للأمر فإنها في مَحلِّ جَزْم؛ لأن جواب الأَمْر يَكون مَجزومًا، وقِيل: إنها مجَزومة على تَقدير اللَّام، أي: قُلْ لأَزْواجك وبناتِك ونِساء المُؤمِنين ليُدْنِين عليهن من جَلابِيبهن هذه على تَقدير لامِ الأَمْر كقول الشاعِر:

مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ

. . . . . . . . . . . . .

(1)

(تَفْدِ): التَزَمها على تقدير اللَّام، أي: لتَفْدِ نَفْسَك؛ وأيُّ الاحتِمالين أرجَحُ

(1)

ذكره سيبويه في الكتاب (3/ 8) ولم ينسبه، ونسبه ابن هشام في شرح شذور الذهب (ص: 275) إلى أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال البغدادي في خزانة الأدب (9/ 14):"لا يعرف قائله، ونسبه الشارح لحسان وليس موجودًا في ديوانه".

ص: 483

أن تَكون مَقولًا للقول في مَحلِّ رَفْع أو أن تَكون في محَلِّ جَزْم؟

فالجَوابُ: القُرآن قد بيَّن ذلك، قال اللَّه تعالى:{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53] هذا يَدُلُّ على أنها مَجزومة على أنها جَواب الأَمْر، إذ لو كانت مَرفوعة لقال: يَقولون التي هي أَحسَنُ فلمَّا قال: {يَقُولُوا} دلَّ عن أنها جوابُ الأمر، وهي أيضًا من حيث المَعنَى أبلَغُ؛ إذا كانت جوابًا للأمر كأنَّهم يَفعَلون ذلك مُباشَرة؛ يَعنِي: كأن فِعْلهم هذا جوابٌ للأَمْر، أي: أنه مُتسَبِّب عنه فيَكون ذلك أبلَغَ في الامتِثال من أن يُؤمَروا أَمْرًا قد يَمتَثِلونه وقد لا يَمتَثِلونه.

فقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] وماذا يُؤيِّد أنها جواب الأمر أو أنها مَقول القَوْل؟ الجواب: أنها جَواب الأَمْر؛ ولهذا يَقول: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} فجَزَمها بحَذْف النون، ولم يَقُل (يَغُضُّون من أَبصارِهم).

وقوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ} [النور: 31] وماذا يُؤيِّد؟

الجوابُ: لا دليلَ فيه؛ لأنه مَبنيٌّ، فليس فيه دليلٌ على هذا ولا على هذا.

المُهِمُّ: أن الأَوْلَى أن نَجعَل قوله سبحانه وتعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} جَوابًا للأَمْر، ويُؤيِّد ذلك: السِّياقُ في كِتاب اللَّه، ويُؤيد ذلك: أنه أَقْوى في الامتِثال والتَّنفيذ؛ حيث كان جوابًا لمُجرَّد القول: كأنهن يَفعَلن ويَمتَثِلن.

وقوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} : {مِنْ} ليسَت زائِدة كما قيل؛ لأن (مِن) لا تُزاد إلَّا في النَّفي كما قال ابن مالِك رحمه الله:

وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجُرّ

نَكِرَةً كَـ (مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ)

(1)

(1)

الألفية (ص: 35).

ص: 484

وعلى هذا فـ (مِن) ليسَت بزائِدة، يَعنِي: ليس المَعنَى: يُدْنين عليهن جَلابِيبَهن، بل (مِن) للتَّبعيض، أي: يُدنين عليهم من جَلابِيبهن، أي: بعض جَلابيبهن.

وهل التَّبعيض هنا تَبعيض جُزْء من كلٍّ، أو تَبعيض فَرْد من فَرْد، بمَعنَى هل قوله تعالى:{مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} أي: من الجَلابيب التي عِندهن؛ لأن الواحِدة قد يَكون عِندها جِلْبابان أو أكثَرُ، أو أن المعنى ببَعْض الجِلْباب التي عليها؟

الجَوابُ: هذا الأخيرُ هو الأقرَبُ، يَعنِي: تُدْني عليها بعض جِلْبابها.

والجِلْباب: هو الرِّداء أو المَلاءة أو المِلحَفة، يَعنِي: الشيء الواسِع الذي يَشمَل جميع البدَن أو أَكثَرَه.

و{يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ} ولم يَقُل: (إليهِن) بل قال تعالى: {عَلَيْهِنَّ} ؛ ليَكون الإِدْناء مُلاصِقًا لهن، فكأنه ضَمَّن مَعنى: يَضْمُمْنَ عليهن؛ {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} أي: يُقرِّبنه حتى يَضُمَّمنه عليهن.

وقوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} لم يَقُل: (على وُجوهِهن) ولا (على نُحورِهِنَّ) ولا (على صُدورهِنَّ)، فيَكون شامِلًا لجميع البدَن؛ فقال تعالى:{يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ} أي: على جميع البدَن، ولكن من المَعروف أن الجِلباب ساتِر لأكثَر البدَن، والعادة عندهم أن المرأة تَكشِف وجهَها وتَخرُج مَكشوفة الوَجه ومَكشوفة النَّحْر، فأَمَر اللَّه عز وجل أن يُدْنين عليهن من جَلابِيبهن، أي: على هذا المَكشوفِ الذي يَكشِف عادة وهو الوَجْهُ والنَّحْر، كما قال ذلك ابنُ عباس رضي الله عنهما وغيره: بأن تُغطِّيَ وجهها ولا تُبدِ إلَّا عَيْنًا واحِدةً

(1)

تَنظُر بها للضَّرورة، وهذا فيما إذا كان الجِلباب صَفيقًا بحيث

(1)

أخرجه الطبري في تفسيره (19/ 181).

ص: 485

إذا غطَّتْ وجهَها لا تَرَى، أمَّا إذا كان خَفيفًا كما هو مَعروف عندنا في الوَقْت الحاضِر فلا حاجةَ إلى إبداء العَيْن؛ لأن إبداء العَيْن إنما هو للضَّرورة، بدليل أن الصحابة كابن عبَّاس رضي الله عنه وغيرِه رخَّصوا في إبداء العَيْن الواحِدة؛ لأنها بقَدْر الضَّرورة وإلَّا لكانوا يَقولون: تُخرِج العَيْنَيْن جميعًا.

وعلى كل حال: فالمَعنَى يُدْنين عليهن من جَلابيبهن فيما يَكشِفنه من أبدانهم وهو الوَجْهُ، فهذا ما جرَتْ عليه العادة.

وكان هذا الكَشْفُ عامًّا للإماء والحَرائِر، فصار بعض مَن في قَلْبه مرَض مِن المُنافِقين الذين يُؤذون المُؤمِنين والمُؤمِنات يُلاحِقونهن فإذا عثَر عليهم قالوا هذه حَسِبْناها أَمَةً فعيَّرْناها وهي حُرَّة! فشُكِيَ ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأَنزَل اللَّه تعالى هذه الآيةَ:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ} هكذا قال بَعضُهم في سبَب النُّزول، لكنه غيرُ مُسنَد، ونحن لا يُهِمُّنا أن تَكون آية لها سبَب في نُزولها أم لَيْسَت لها سبَب؛ المُهِمُّ: هو الحُكْم الذي دلَّت عليه.

قال رحمه الله: [{يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} جَمْع جِلْباب وهي المُلاءة التي تَشتَمِل بها المُرأة، أي: يُرْخين بعضَها على الوجوه إذا خرَجْن لحاجتِهن إلَّا عينًا واحِدة] لضَرورة النظَر.

وقوله رحمه الله: [جَمْع جِلْباب وهي المُلاءَة]، وهي تُشبِه العَباءة عندنا، ولمَّا أَمَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بخُروج النساء في العيد للصلاة، قالت أُمُّ عَطيَّةَ رضي الله عنها: يا رسول اللَّه، إحدانا ليس لها جِلباب. فقال صلى الله عليه وسلم:"لِتُلبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا"

(1)

، ولم يَقُل: لتَخرُج

(1)

أخرجه البخاري: كتاب الحيض، باب شهود الحائض العيدين، رقم (324)، ومسلم: كتاب صلاة العيدين، باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين، رقم (890)، من حديث أم عطية رضي الله عنها.

ص: 486

بدون جِلباب. وهذا يَدُلُّ على أنه لا بُدَّ أن تَخرُج المرأة بما يَستُرُها ولا يُبيِّن حَجْم جِسْمها.

قال رحمه الله: [{ذَلِكَ أَدْنَى} أَقرَبُ إلى {أَنْ يُعْرَفْنَ} بأنَّهن حَرائِرُ {فَلَا يُؤْذَيْنَ} بالتَّعرُّض لهُنَّ] قوله: [يُعرَفْن بأنهن حَرائِرُ] هذا بِناءً على ما قُلْت، ولكن لنا أن نَقول:{أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ} بأنهن محُتَشِمات وبَعيدات عن الرِّيَب ولا يُرِدن السُّوء ولا الفاحِشة؛ لأن المرأة إذا كانَت محُتَشِمة مُتحَجِّبة دل ذلك على كَمال عِفَّتها، وأنها لا تُريد أن تَقَع في مَواضِعَ الرِّيَب، بخِلاف المرأة العاهِرة -والعِياذُ باللَّه- فإنها تَتَبرَّج وتَكشِف وجهَها وتُخرِج يديها وذِراعَيْها وحُلِيَّها وما أَشبَه ذلك، فإذا كانت المرأةُ مُتحَجِّبة عُلِم أنها امرأة محُتَشِمة عَفيفة؛ ولهذا قال تبارك وتعالى {أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ} ، وإذا كانت عَفيفة مُحتَشِمة فإن الفُسَّاق لا يَتَعرَّضون لها؛ لأنهم يَعلَمون أنها ليسَتْ من أَصحابهم، وإنما هي امرأة حامِيةٌ نَفسَها محُتَفِظة، هذا من جِهة؛ ويُحتَمَل ما قاله المُفَسِّر رحمه الله:[{أَنْ يُعْرَفْنَ} بأنَّهُنَّ حَرائِرُ]؛ والآية صالحِة لهذا ولهذا.

قال رحمه الله: [{فَلَا يُؤْذَيْنَ} بالتَّعرُّض لهن بخِلاف الإماء فلا يُغطِّين وُجوهَهن، فكان المُنافِقون يَتعَرَّضون لهُنَّ] وهكذا كانت الإِماء في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخُلَفاء لا يَحتَجِبْن لأنَّهن مَملوكات، ولا يَتعلَّق بهن إلَّا رَديء النَّفْس.

ولكن شَيْخ الإسلام ابن تَيميَّةَ

(1)

رحمه الله قال: "إِن هذا في الإِماء اللاتي لا يُخشَى مِنهن فِتْنة، وأمَّا الإِماء الجَميلات اللاتي يَفْتِنَّ فإنه يَجِب عليهن أن يُغطِّين وُجوهَهن؛ وذلك لِخَوْف الفِتْنة لا لإِلحْاقِهن بالحَرائر"، وما قاله رحمه الله صحيح، والمَعنَى يُؤيِّده، فإن كل ما يُخشَى منه الفِتْنة فإنه يَجِب البُعد عنه؛ ولهذا قال اللَّه تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ

(1)

مجموع الفتاوى (15/ 373).

ص: 487

بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ}؛ لأن الخَلْخال الذي يُسمَع إذا ضرَبَتِ المرأة برِجْلها يُخشَى منه الفِتْنة، وخَشْية الفِتْنة بمَخفيٍّ عند ضَرْب المَرْأة برِجْلها أقلُّ بكثير من أن تُخرِج المرأة وجهَها، ذلك الوجهَ الجَميل المُجمَّل بالكُحْل والتَّحمير وغير ذلك.

وكلٌّ يَعلَم أن هذا أَعظَمُ فِتْنةً من خَلْخال مَستور يُسمَع صوته عند الضرب بالرِّجْل، وتَأبَى حِكْمة اللَّه سبحانه وتعالى أن يَنهَى عن ضَرْب المَرأة برِجْلها؛ لئَلَّا يُسمَع خَلْخالها، ثُم يُرخِّص لامرأة من أجمَل النِّساء أن تُظهِر وَجْهها وكفَّيْها! ! فهذا تَأباه حِكْمة اللَّه عز وجل.

فإن قال قائِلٌ: لم ضَرَب عُمرُ الأَمَة حينما غطَّتْ رأسها

(1)

؟

فالجَوابُ: ضَرَبها لئَلَّا تَتَشبَّه بالحرائر خَوْفًا من أن يَختَلِط هؤلاء بهؤلاء، ثُمَّ يَبقَى الفَرْق والمِيزة بينهما لا أثَرَ لها، فإذا كانت الإِماء يُغطِّين وُجوهَهن بَقِيت الحرائِر غيرَ مَعلومات؛ ولا يُحتَجُّ به؛ لأن عِندنا قواعِدَ عامة وهي التَّعرُّض للفِتَن مَمنوع في الشَّرْع.

قال تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} ، قال المُفَسِّر رحمه الله:[{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا} لِمَا سبَق منهن مَن تَرَك التَّستُّر، رَحيمًا بهِنَّ إذ ستَرَهن]{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا} سبَقَ تَفسير الغُفور والرَّحيم، وأن اللَّه تعالى يَجمَع بينهما دائِمًا لأَجْل أن يَترَكَّب من الاسْمَيْن زوال المَكروه وحُصول المَطلوب، فزَوال المَكروه بالمَغْفِرة وحُصول المَطلوب بالرَّحْمة.

واللَّهُ عز وجل يَذكُر دائِمًا المَغفِرة والرحمة عن أَمْر قد سلَف ولم يَنزِل به حُكْم مثل

(1)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (3/ 136)، وابن أبي شيبة في المصنف (4/ 343).

ص: 488

قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 23]؛ لأنه لولا مَغفِرة اللَّه تعالى ورحمته لكان يُعاقِبنا على المُخالَفة التي لا تَليق، لكن اللَّه تعالى من مَغفِرته ورحمته لا يُؤاخِذنا بما لم يَشرَع لنا.

من فوائد الآية الكريمة:

الْفَائِدَة الأُولَى: أَهمِّية ما أَمَر اللَّه تعالى به رسولَه صلى الله عليه وسلم في هذه الآيةِ، وجهُ ذلك: أن اللهَ تعالى أمَرَه أن يُبلِّغها أمرًا خاصًا في قوله تعالى: {قُلْ} ، وإلَّا فكُل القُرآن مَأمور بقوله تبارك وتعالى:{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67]، لكن بعض الأَحْكام يُصدِرها اللَّه عز وجل، فيَكون كأنه أَرسَل بهذه الآيةِ إِرْسالًا خاصًّا، فيَكون في ذلك دليلٌ على أهمِّية هذا الأمرِ الذي أمَر اللَّه تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم.

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه يَجِب على الإنسان أن يَغار على زَوْجته أكثَرَ من غيرها؛ لأنها فِراشُه، وفي فَسادها فَسادٌ لفِراشه، وتَشكيك في نَسْله، وجه ذلك: أن اللَّه تعالى بدَأَ بالأزواج فقال تعالى: {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} .

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الإنسان مَسؤول عمَّن تحت رِعايته سَواء كانت تِلكَ المَسؤوليةُ عامَّة أَمْ خاصَّة، وفي هذه الآيةِ مَسؤُوليَّتان على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خاصَّةً وعامَّة؛ فالخاصَّة قوله تبارك وتعالى:{لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ} ، والعامَّة قوله تعالى:{وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} .

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الإيمان مُقتَضٍ للعمَل بهذه الآيةِ؛ لقوله تعالى: {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} .

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن على المُؤمِنين مَسؤوليةً في نِسائهم؛ لقوله تعالى: {وَنِسَاءِ

ص: 489

الْمُؤْمِنِينَ}، ولم يَقُل:(ونِساء المُؤمِنات) إشارة إلى أن المُؤمِن يَجِب أن يَكون مُلاحِظًا لنِسائه.

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: وُجوب حِجاب الوَجْه؛ لقوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} .

ويَتَفرَّع على هذا: أنه يَجِب أن نَعرِف مَفهوم الحِجاب الشَّرْعيِّ؛ لأن أَكثَرَ الناس يَظُنُّون أن الحِجاب الشَّرعيَّ هو أن تُغطِّيَ المرأة جميع جسَدها إلَّا وجهَها وكَفَّيْها، وهذا فهِمناه نحن من الأسئِلة التي تَرِد إلينا: أنهم إذا قالوا: الحِجاب الشَّرْعي. يَعنِي: حَجْب وسَتْر جميع البدَن إلَّا الوجهَ والكَفَّيْن، وهذا خطَأ، فالحِجاب الشَّرْعيُّ أوَّلُ وأَوْلى ما يَدخُل فيه حِجاب الوَجْه.

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن من عادة نِساء الصحابة لُبْس الجَلابيب؛ لقوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} ، ويَدُلُّ لذلك أيضًا: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا أَمَرهُنَّ بالخُروج إلى مُصلَّى العيد قُلْن: يا رسول اللَّه، إحدانا ليس لها جِلباب فقال صلى الله عليه وسلم:"لِتُلْبسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا"

(1)

.

ويَتفَرَّع على هذه الفائِدةِ: أن الشَّرْع يَتَشوَّف إلى أن تَكون المرأة بَعيدةً عن إبراز مَفاتِنها؛ لأن الجِلباب يَكون دائِمًا واسِعًا لا تَظهَر منه مَفاتِن الجِسْم.

الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: رحمةُ اللَّه تعالى بعِباده حيث يُبيِّن لهم عِلَل الأحكام الشَّرْعية، وجهُ ذلك أن ذِكْر العِلَل يُفيد في:

(1)

أخرجه البخاري: كتاب الحيض، باب شهود الحائض العيدين، رقم (324)، ومسلم: كتاب صلاة العيدين، باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين، رقم (890)، من حديث أم عطية رضي الله عنها.

ص: 490

أ- طُمَأْنينة النَّفْس واقتِناعها اقتِناعًا أكثَرَ بذلك الحُكْمِ المُعلَّل.

ب- سُموُّ الشريعة وأنها لا تَأمُر بشيء عبَثًا، بل لا بُدَّ لكل شيء تَأمُر به من الحِكْمة المُناسِبة التي يَنبَنِي عليها الحُكْم.

ج - أن العِلَّة إذا كانت عامَّة أَمكَن أن نَقيس على المُعلَّل ما وافَقَه في تِلك العِلَّةِ فنُلحِقه به في الحُكْم.

الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: عِناية اللَّه عز وجل بالمَرأة بدَفْع ما يُمكِن أن يَكون فيه أذًى عليها؛ لقوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} .

الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن في الحِجاب كَفَّ الأذى عن المرأة، فيَكون في ذلك كَرامة لها، وإِعْزاز لها ورِفعة لها من أن تُؤذَى.

ويَتفَرَّع على هذه القاعِدةِ: بَيان قُصور نظَر أُولئِك الذين يَقولون: إن الحِجاب ونَحوَه إذلال للمَرأة، وخَفْضٌ من كَرامتها وإهانة لها.

فنَقول لهم: كذَبْتم أعظَمَ الكذِب، وافتَرَيْتُم أعظَمَ الفِرى؛ فإن حِجابها هو الذي يَدفَع عنها الأذى: أذَى الفُسَّاق، وتَتبَّعَهم لها؛ لأن المَرأة الجميلة تَكون بالنِّسبة لهؤلاء الأَراذِل كالجِيفة أمام الكِلاب، لا بُدَّ أن يَتْبعوها ولو على الرائِحة! .

وبهذا نَعرِف ما انزَلَق فيه كثير من الشُّعوب الإسلامية في رَفْع الحِجاب الشَّرْعيِّ عن المَرأة، حيث أدَّى إلى المَفاسِد الكبيرة، ولو فتَّشْت ما فتَّشْت في أُولَئِك الأُمَمِ الذين يَدَّعون التَّمَدُّن والتَّحضُّر لوجَدْت كثيرًا وكثيرًا من الحوامِل من البِغاء والزِّنا، هذا فضلًا عمَّن يَستَعمِلن الحُبوب المانِعة من الحَمْل، وفضلًا عمَّن يُجهِضْن الحَمْل قبل أن يَستَتِمَّ، وكلُّ هذا يَدُلُّ على أن الإسلام ومَناهِج الإسلام أَسمَى كل

ص: 491

المَناهِج، وأَحسَنُ من كل الأَنظِمة، قال تعالى:{ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} .

الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثبات المَغفِرة والرحمة للَّه عز وجل وهي مَأخوذة من هَذَيْن الاسمَيْن الكَريمين {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} هذان الوَصْفان دلَّ عليهما الاسمان دَلالةَ مُطابَقةٍ، وهذان الِاسْمان يَدُلَّان على الكرَم دَلالة التِزام؛ لأن الكريم هو الذي يَغفِر وهو الذي يَرحَم {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} .

* * *

ص: 492