المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (9) * قالَ اللَّه عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا - تفسير العثيمين: الأحزاب

[ابن عثيمين]

الفصل: ‌ ‌الآية (9) * قالَ اللَّه عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا

‌الآية (9)

* قالَ اللَّه عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9].

* * *

هنا صدَّر اللَّه سبحانه وتعالى هذا الأَمْرَ بالنِّداء المُتَصِف المُنادَى بهِ بالإيمان، فأَوَّلًا تَصديرُ الخِطاب بالنِّداء يَدُلُّ على الاهتِمام بِه؛ لأن النِّداء يُوجِب الانتباهَ؛ فلذلك إذا وجَدْت مثلَ هذا التَّعبر فاعلَمْ أن الأمر هامٌّ.

ثُمَّ إن توجيه الخِطاب والنِّداء إلى مَنِ اتَّصَفوا بالإيمان يَدُلُّ على أن هذا من مُقتَضيات الإيمان؛ لأنه لا يُوَجَّه الخِطاب لمَوْصوفٍ بصِفةٍ إلَّا أن ذلك من مُقتَضَيات صِفَته، فإذا قلت: يا رجُلُ افعل كذا وكذا. فمَعنَى هذا أنَّ المأمورَ به من صِفات الرِّجال.

ثُمَّ إن في وَصْفهم بالإيمان إغراءً لقَبول ما وُجِّه إليهم، يَعنِي: إذا قلت: يا مُؤمِنُ. مَعناه: أني أُغريك أن تَقبَل، إذ إن الإيمان يَقتَضي أن تَقبَل، ففيه إغراءٌ على قَبول ما أَمَر اللَّه تعالى به؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه:"إِذا سمِعْتَ اللَّه تعالى يَقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأَرْعِها سَمْعَك -يَعنِي: استَمِع لها- فإمَّا خيرٌ تُؤمَر به، وإمَّا شرٌّ تُنْهَى عنه"

(1)

.

(1)

أخرجه الإمام أحمد في الزهد رقم (866)، وسعيد بن منصور في السنن رقم (50)[ط. الصميعي]، وابن أبي حاتم في التفسير (1/ 196).

ص: 90

وقدِ اجتَمَع الأمران في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)} [الحشر: 18 - 19]، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} الخِطاب هنا عامٌّ، الخِطاب يَعنِي: المُخاطَب عامٌّ، يُوَجَّه لأُناس مَوْصُوفين بالإيمان، هل يَختَصُّ بالمُؤمِنين في زمَن النُّزول، أو هو عائِد إلى كل المُؤمِنين؟

هو شامِل لكل المُؤمِنين، إذ إن اللَّه تعالى إذا أَنعَم على سلَف الأُمَّة بنِعْمة، فهو نِعْمة على الأُمَّة كلها؛ ولهذا يَذكُر اللَّه سبحانه وتعالى بني إسرائيلَ بنِعَم أَنعَم بها على بني إسرائيلَ في عَهْد مُوسى عليه السلام، لأن الطائِفةَ واحِدةٌ ولا شكَّ أن نِعْمة اللَّه عز وجل على نَبيِّنا محُمَّد صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه أنَّه نِعْمة علينا، وأن نَصْر اللَّه تعالى له ودِفاعه عنه نَصْرٌ لنا ودِفاعٌ عنَّا.

قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} نِعْمة اللَّه تعالى عامٌّ؛ لأنه مُفرَد مُضاف فيَعُمُّ، والشاهِد على أن المُفرَد المُضاف يَعُمُّ قوله سبحانه وتعالى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18] فليس المُرادُ نِعْمةً واحِدة، بل نِعَمٌ كثيرةٌ لا تُحصَى.

وقوله تعالى: {نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي: إِحْسانه وفَضْله، ثم قال سبحانه وتعالى:{إِذْ جَاءَتْكُمْ} هذا التَّقييدُ لا يَعنِي تَخصيص النِّعْمة العامَّة في قوله سبحانه وتعالى: {نِعْمَةَ اللَّهِ} لكنه كالتَّمجيد لشيء من هذه النِّعَمِ {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} : (إِذْ) أي: حين {جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} ، وهذه النِّعْمةُ خاصَّة بالذِّكْر، لأنها نِعْمة عظيمةٌ كما سيَتبَيَّن من تصوير اللَّه عز وجل لها قال:{إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} كلِمة (جُنود) هي بمِرة، لكنها يُراد بها التَّعظيمُ والتَّكثيرُ، يَعنِي: إذ جاءَتْكم جُنود كثيرة، وهؤلاءِ الجُنودُ همُ الأحزابُ

ص: 91

من المُشرِكين واليَهود الذين تَحزَّبوا لقِتال النبيِّ صلى الله عليه وسلم وكانت هذه في السَّنَة الخامِسة من الهِجْرة في شَوَّال

(1)

.

هذا الصحيحُ المشهورُ؛ لأنه من المعلوم أن أُحُد كانت في السَّنَة الثالثة من الهِجْرة في شَوَّال

(2)

، وكانت السَّنَة التي تَليها مِيعادًا لقُرَيْش، لكنهم ما حضَروا، ثُم في السَّنَة الثالِثة -وهي الخامِسة- صارت غَزوة الأَحْزاب.

وسبَبُها أن الأشرافَ من بني النَّضير الذين أَجْلاهم النبيُّ عليه الصلاة والسلام من المَدينة لا شكَّ أن قُلوبَهم امتَلَأَت حِقْدًا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعَداوةً، فلمَّا رأَوُا انتِصارَ قُرَيْش في أُحُد أَرادوا أن يَستَغِلُّوا هذا الأمرَ، فذهَبوا إلى قُرَيْش وحرَّضُوهم على قِتال النبيِّ صلى الله عليه وسلم ووعَدوهم أن يَنصُروهم بكلِّ ما يَستَطيعون، وأن يَتَّصِلوا ببني قُرَيْظةَ الذين بَقُوا في المدينة يَتَّصِلوا ببني قُرَيْظةَ من أجل أن يُساعِدوهم على قِتال النبيِّ عليه الصلاة والسلام، فاجتَمَعَت أَحزابٌ عظيمة قُدِّرت بعشَرة آلاف مُقاتِل، معَهم العُدَّة والسِّلاح والعَتاد وحضَروا إلى المدينة.

ولمَّا عَلِم بهمُ النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام اهتَمَّ بذلك اهتِمامًا عظيمًا، ولكن اهتِمام الرسول عليه الصلاة والسلام لا يَعنِي الجُبْن والخَوَر والضَّعْف، ولكنه يَعنِي الاستِعْداد وأَخْذ الحذَر؛ أَخْذًا بتوجيهات اللَّه عز وجل، لأن اللَّه تعالى دائِمًا يُحذِّر من الأعداء، ويَأمُر بأن نُعِدَّ لهم ما استَطَعْنا من قوَّةٍ، فخرَج بأصحابه بثلاثة آلافِ مُقاتِلٍ فقط، وقيل: بأقَلَّ من ذلك حتَّى قال بعضُهم: إلى سَبْع مئةِ مُقاتِلٍ، ونزَلوا عند سَلْعٍ، وجعَلوه خَلْف ظُهورهم، وحفَروا الخَنْدق بمَشورة سَلْمانَ الفارِسيِّ رضي الله عنه من

(1)

انظر: السيرة النبوية لابن هشام (2/ 214).

(2)

انظر: السيرة النبوية لابن هشام (2/ 60).

ص: 92

الحرَّة الشرقية إلى الحَرَّة الغربية، حفَروه مع ما بهم من الجَهْد والتَّعَب والمَشقَّة والجُوع والبَرْد، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يَحفُر معهم، حتَّى إن التُّرابَ وارَى جِلْدةَ بَطْنه عليه الصلاة والسلام، وكان يُردِّد معهم:

"اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَه

فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَه"

(1)

ويُردِّد أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم:

"اللَّهُمَّ لَوْلَا أنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا

وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينةً عَلَيْنَا

وَثَبِّتِ الْأَقدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا

إِنَّ العِدَا قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا

وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا"

(2)

لأن هذا الإِنْشادَ في هذا المَوْطِن يُثير الِهمَم ويُنشِّط، وكان يَمُدُّ صَوْته بقوله صلى الله عليه وسلم:"أَبْيَنَا".

المُهِمُّ: أنَّه حصَل فيه أشياءُ كَثيرةٌ ليس هذا مَوضِعَ ذِكْرها، لكنها تَدُلُّ على مِحَنٍ عظيمةٍ أَصابَت المُسلِمين، وهم مع ذلك صابِرون، ولمَّا نزَل الأحزابُ نزَلوا من الشَّمال من الشَّرْق والغَرْب {مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} .

ثُمَّ إن اللَّه عز وجل بحِكْمته امتَحَن المُسلِمين بزِيَادة البَلاء، وهو أن بني النَّضِير اتَّصلُوا ببني قُرَيظةَ، وطلَبوا منهم أن يَنْقُضوا العَهْد الذي بينهم وبين النبيِّ صلى الله عليه وسلم،

(1)

أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب حفر الخندق، رقم (2835)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب، رقم (1805)، من حديث أَنس رضي الله عنه.

(2)

أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، رقم (4106)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب، رقم (1803)، من حديث البراء رضي الله عنه.

ص: 93

فتَلَكَّأت بنو قُرَيْظةَ فقالوا: كيف نَنقُض العَهْد بيننا وبين محُمَّد صلى الله عليه وسلم، وهؤلاءِ الجُنودُ التي أَتَيْتم بهم ليس هذا محَلَّ إِقامتهم ولا سُكْناهم، إن رأَوْا نَصْرًا شارَكونا بالغَنائم، وإن رأَوْا هَزيمةً ذهَبوا إلى بلادهم وبَقِينا نحن تحت سُلْطة محُمَّد صلى الله عليه وسلم.

وهذا كلام مَعْقول، لكنه مَعقول من الناحية الدُّنيوية فقَطْ، وأَبَوْا أن يُشارِكوهم، لكنهم ما زالوا بهم حتَّى أَغْرَوهم ونقَضوا العَهْد، فازداد ذلك في مَشقَّة المُسلِمين.

ولكن اللَّهَ عز وجل قال في كِتابه: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج: 38]، وإذا دَافَع اللَّه سبحانه وتعالى عن شَخْص فلا تَسأَل عن حاله، فإنه في حِصْن حَصين في مُدافَعة اللَّه سبحانه وتعالى.

ولهذا يَقول يَذكُر اللَّهُ سبحانه وتعالى المُؤمِنين في هذه النِّعْمةِ: {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} ، والتَّنْكير هنا للتَّعظيم والكَثْرة، يَعنِي: جُنود كثيرة، لكن بماذا قُوبلوا؟ {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} سلَّط اللَّه عز وجل هذه الرِّيحَ، الريح الشرقيَّة شَديدة، يَعنِي: جعَلها اللَّه سبحانه وتعالى ريحًا شَديدةً عظيمةً وبارِدةً حتَّى هَدَمت خِيامهم، وأَكفَأَتْ قُدورهم، وصارت الحِجارة تَرميهم كأنَّما يُرجمون بها رَجْمًا، يَعنِي: بدَأَتِ الريح تَحمِل الحِجارة وتَضرِب بها قُدورهم، تَضرِب بها خَيْلهم وإبِلَهم وأَبدانهم أيضًا، وقَلِقُوا قَلقًا عظيمًا، والجُنود الآخَرون -الملائِكة- تُزَلْزِلُ بهم وتُلقِي في قُلوبهم الرُّعْب؛ ولم تُقاتِل لأنه ما حصَل قِتال، لكنها زَلْزَلت بهم بإِذْن اللَّه عز وجل.

وقِصَّة حُذَيْفةَ بنِ اليَمان رضي الله عنهما في تلك الليلةِ العَصِيبة، لمَّا هبَّتِ الرِّياح طلَب النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من أصحابه أن يَنتَدِب أحدًا منهم، وضَمِن أن يَرجِع سالِمًا، وأن يَكون رفيقَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الجنَّة، يَعنِي: ضَمِن أمرَيْن؛ السلامة، وأن يَكون رفيقَ الرسول عليه الصلاة والسلام في الجَنَّة، لكِن الصَّحابة معَهم تعَبٌ عظيم وجُوع شديد

ص: 94

وبَرْد شديد ما قام أَحَد، ثُم ذهَب عليه الصلاة والسلام يُصلِّي حتَّى مضَى هَوِيٌّ من الليل، ثُم رَجَع وقال هذا الكلامَ مرَّةً أُخرى، فلم يَقُم أَحَد، ثُم رجَع يُصلِّى، ثُم رجَع فقال هذا الكلامَ، فلَمْ يَقُم أَحَد.

فنَصَّ على حُذَيْفةَ رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: "قُمْ يَا حُذَيْفَةُ" يَقول: فلمَّا ذَكَرني لم يَكُن لي بُدٌّ من طاعة اللَّهِ ورَسولِه. قام رضي الله عنه، وأَوْصاه الرسول عليه الصلاة والسلام أن يَذهَب إلى القوم ويَنظُر خبَرَهم، وألَّا يُحدِث شيئًا أبدًا يَقول: لمَّا انصَرَفْت من عند الرسول صلى الله عليه وسلم صِرْت كأنما أنا في حَمَّام، لا أُحِسُّ بِرِيح ولا بِبَرد حتَّى وصَلْتُ إلى القَوْم، وجعَلْت أُشاهِد أبا سُفْيانَ؛ لأنه رئيس قُرَيْش أُشاهِده وهو يَصطَلي على النار من شِدَّة البَرْد، ويَأذَن بالرَّحيل، يَأمُرهم بأن يَرحَلوا: ليس لنا مُقام هنا. ووَضَع سهمًا في قَوْسه يُريد أن يَرمِيَه؛ لأنه قريب منه، لكنه رضي الله عنه تَذكَّر قولَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام:"لَا تُحْدِثْ شَيْئًا"، فامتَنَع، يَقول: فقال أَبو سُفْيانَ: يَنظُر كلُّ واحِد منكم جَليسَه؛ خاف من الجَواسيس والعُيون، فأَمسَكْت برَجُل من جانبي وقُلْتُ: مَن أنت؟ ابتَدَأ به قَبْل أن يَسأَل هُو قال: أنا فُلان بنُ فُلان.

فأَخَذ الخَبَر ثُم رجَع إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم كأنما هو في حَمَّام لا هواءَ ولا بَرْدَ، لكن لمَّا وصَل للرسول عليه الصلاة والسلام واستَقَرَّ أَحَسَّ بالبَرْد، فلمَّا أَحَسَّ بالبَرْد وضَع النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام عليه لِباسًا كان معه؛ ليَدفَأ به، ونامَ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يُصلِّي ويَتهَجَّد، يَقول: فلمَّا أَصبَح الصُّبْح أَيْقَظني وقال: "يَا نَوْمَانُ قُمْ قُمْ يَا نَوْمَانُ"

(1)

.

فالحاصِلُ: أن هذه الرِّيحَ كانت شديدةً جِدًّا أزَقتهم حتَّى انصَرَفوا مع ما أَلقَت

(1)

أخرجه مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب، رقم (1788)، من حديث حذيفة رضي الله عنه.

ص: 95

المَلائِكة في قُلوبهم من رُعْب؛ ولهذا قال تعالى: {رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} لأن اللَّه تعالى حجَبَ المَلائِكة عن أَعيُن الناس؛ لأن المَلائِكة تَحضُر مجَالِس الذِّكْر، والملائِكة يَتَعاقَبون في بني آدَمَ بالليل والنهار، والمَلائِكة {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق: 17]، ومع ذلك لا نَراهم؛ لأن اللَّه تعالى حجَبَهم، يَأتينا -إن شاء اللَّهُ تعالى- في الفَوائد أن في هذا دَلالةً بيِّنةً على ضَعْف بني آدَمَ، فأَجرام مَحسوسة مَوْجودة بين أيديهم، بل عن أيمانهم وعن شَمائِلهم، ومع ذلك لا يَرَوْنها.

قال رحمه الله: [{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} مِن المَلائِكة {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} بالتاء من حَفْر الخَنْدق، وبالياء من تَحذير المُشرِكين] يَعنِي: فيها قِراءَتان "بِمَا يَعْمَلُونَ" و {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} .

قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا} هذه الرِّيحُ هي الريح الشَّرْقية، ولهذا جاء في الحديث:"نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ"

(1)

، الدَّبور: الرِّيح الغَرْبية، يَقول:[بما تَعمَلون بالتاء من حَفْر الخَنْدق] ولكن هذا التَّخصِيصَ لا يَنبَغي، لأَنَّنَا إذا خصَّصنا العُمُوم في الآية قصَرْنا معنَى اللَّفْظ أو قصَرْنا اللَّفْظ على بعض مَعناه، والصوابُ: أنَّها بما تَعمَلون من حَفْر الجنْدق وغيره من كل ما عمِلْتم في هذه الغزوةِ.

قوله تعالى: {بَصِيرًا} أَيْ: عليمًا، أو بما يَعمَلون، يَعنِي: الجُنُود {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} واللَّهُ تعالى بما يَعمَلون بَصير، من التَّحزُّب على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والقُدوم إلى بلَد الرسول عليه الصلاة والسلام، لأَجْل القَضاء عليه على زَعْمهم.

(1)

أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، رقم (4105)، ومسلم: كتاب صلاة الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور، رقم (900)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

ص: 96

من فوائد الآية الكريمة:

الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ مِنَّة اللَّه سبحانه وتعالى على هذه الأُمَّة أَوَّلها وآخِرها بهذا الدِّفاع من اللَّه سبحانه وتعالى عن المُؤمِنين، ووجهُه: أن اللَّه تعالى أَمَرنا بأن نَذكُر هذه النِّعْمةَ.

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن نِعمة اللَّه سبحانه وتعالى إمَّا إِيجاب المَحبوب، أو دَفْع مَكروه، والذي في الآية من باب دَفْع المكروه.

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان شِدَّة عَداوة الكُفَّار للمُؤمِنين؛ لأنَّهُم تَحزَّبُوا ضِدَّهم، فقد تَكُون هذه القبائِلُ ليس بينهَا رابِطةٌ في حَدِّ ذاتها، ولكن من أجل أنَّها اتَّفَقت في عَداوة الإسلام اجتَمَعت.

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن اليَهود لا عَهْدَ لهم، وأنهم أهلُ غَدرٍ وخِيانةٍ، ووجهُه: نقضُ بني قُرَيْظةَ للعهد الذي بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل القبائل الثلاث من اليَهود كلها عاهَدَتِ الرسول عليه الصلاة والسلام حين قدِم المدينة، ومع ذلك فإنهم نَقَضوا العهد: بنو قَيْنقاع وبنو النَّضير وبنو قُرَيْظةَ، كلُّهم نقَضوا العَهْد، لأن اليَهود من أشَدِّ الناس غَدْرًا وكذِبًا.

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بيانُ قُدْرة اللَّه عز وجل من قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا} .

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ما أَشار إليه بعض أَهْل العِلْم من أن الريح إذا جاءَت مُفرَدةً، فإنها تَكُون في العذاب، وإذا جاءَت مَجموعةً فإنها تَكونُ في الرحمة، إلَّا أنَّها قد تَأتِي مُفرَدةً في الرحمة، إذا وُصِفت بما يَدُلُّ على ذلك، مثل قوله سبحانه وتعالى:{بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا} [يونس: 22].

ص: 97

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن المَلائِكة جُنُود للَّه عز وجل؛ لقوله: {وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} .

فإن قُلْت: هنا ما أُضيفت إلى اللَّه عز وجل فكيف تَقول: إنهم جُنود اللَّه تعالى؟ لأنه يَقول: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا} ، فأَضاف إرسالَهم إليه، وقد قال تعالى في آيات أُخرى:{وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31]، فهلِ الرَّبّ عز وجل مُحْتاج إلى جُنودٍ؟

فالجَوابُ: لا، ولا يُمكِن أن يَكون محتاجًا، لكن سُمّوا جُنودًا مع أنَّه لا حاجةَ به إليهم؛ لأنهم يَقومون بأَمْره، ويُدافِعون عن أوليائه، فهُمْ بمَنْزِلة الجنود، وإلَّا فاللَّه عز وجل لا يَحتاج إليهم ولا إلى غيرهم فإنه غَنَيٌّ عن كلٍّ أحَد.

الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الأَصْل أن الناس لا يَرَوْن الملائِكة؛ لقوله سبحانه وتعالى: {لَمْ تَرَوْهَا} ، وهو كذلك، لكن قد يَرَوْنهم مِثْلما رأَى الناس جِبْريلَ عليه السلام حين جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يَسأَلُه عن الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ والساعةِ وأَمَاراتها.

الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: عُمُوم عِلْم اللَّه عز وجل في كلِّ ما نَعمَل؛ لقوله سبحانه وتعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} ، ويَشمَل ذلك عمَل القَلْب بدليل قوله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق: 16] وهو عمَل قَلْبٍ، أمَّا عمَل الجَوارح فظاهِرٌ.

الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الترغيب والترهيب؛ لقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9]، فإن هذا فيه بالنِّسبة للعمَل الصالِح ترغيب، وأن هذا العمَلَ لم يُهدَر؛ لأنه معلومٌ عند اللَّه سبحانه وتعالى، ولا بُدَّ أن يُجازِيَ عليه، وترهيبٌ لكل مَن عمِل سَيِّئةً، وتهديدٌ لهم، فعِندما تُحدِّثك نَفْسُك يومًا من الأيام بأن تَعمَل سَيِّئةً؛ لأنه لا يَطَّلِع عليها أحَدٌ من الخَلْق، فاذْكُر أن اللَّه تعالى يَطَّلِع عليك، قال سبحانه وتعالى:

ص: 98

{وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} ؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام: "أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ"

(1)

، ليس معَك في مَكانك، ولكنه معَك وهو على عَرْشه سبحانه وتعالى، محُيط بك.

* * *

(1)

أخرجه الطبراني في الأوسط رقم (8796)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة رقم (1686)، والبيهقي في شعب الإيمان (727)، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

ص: 99