المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (69) * قَالَ اللَّهُ عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا - تفسير العثيمين: الأحزاب

[ابن عثيمين]

الفصل: ‌ ‌الآية (69) * قَالَ اللَّهُ عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا

‌الآية (69)

* قَالَ اللَّهُ عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب: 69].

* * *

يَقول المُفَسِّر رحمه الله: [{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا} مع نَبيِّكم {كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى} بقَوْلهم مثَلًا: ما يَمنَعه أن يَغتَسِل معَنا إلَّا أنه آدَرُ].

قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى} تَقدَّم الكلام مِرارًا وتَكرارًا على قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} على كَوْنها صُدِّرت بالنداء، وعلى أن فيها وَصْفَ الإيمان.

قوله تعالى: {لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى} : {كَالَّذِينَ} الكاف هنا اسمٌ بمَعنَى: مِثْل، فهي خبَر (تَكون){كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى} ، ولكنَّهم آذَوْهُ بدون ضَرَرٍ ما أَضَرُّوا به، بل آذَوْه فقَطْ.

وهذه الآيةُ لها صِلة بما سَبَق في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [الأحزاب: 57].

وفي قوله تعالى: {لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى} فيها تَحذير، وفيها تَسْلية، أمَّا التَّحذير فللمُؤمِنين؛ لأنهم إذا آذَوْا نَبيَّهم استَحَقُّوا ما استَحَقَّه مَن آذَوْا موسى عليه السلام، وفيها تَسلية للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إن أُوذِيَ فقد أُوذِيَ مَن قَبْله؛ ولهذا ثَبَت

ص: 524

عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "رَحِمَ اللَّهُ أَخِي مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ"

(1)

.

وقوله تعالى: {لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى} هو مُوسى بنُ عِمرانَ صلى الله عليه وسلم أَفضَلُ أَنبِياءِ بني إسرائيلَ؛ وبماذا آذَوْه؟

قال المُفَسِّر رحمه الله: [بقَوْلهم مثَلًا: ما يَمنَعه أن يَغتَسِل معَنا إلَّا أنه آدَرُ]، فهُمْ يُؤذونه بغير هذا الكَلامِ، ويُؤذونه بالفِعْل أيضًا، لكن المُفَسِّر رحمه الله قال مثَلًا، فمُوسَى عليه الصلاة والسلام على ما فيه من الشِّدَّة كان حَيِيًّا، وكان بنو إسرائيلَ يَغتَسِلون عُراةً، ولكنه يَغتَسِل وحدَه، لا يَغتَسِل معَهُم، ولا يَتَعرَّى، فقال بنو إسرائيلَ: لماذا يَشِذُّ هذا الرجُلُ عنَّا؟ ! لولا أن فيه آفةَ بَرَصٍ أو أُدْرة ما انفَرَد عنَّا، والآدَرُ كبير الخُصْيتَيْن، فيَكون هذا سبَبَ أنه كان يَغتَسِل وحْدَه، أو فيه آفَةٌ فيه بَرَص أو غيرُ ذلك، وإلَّا كان يَغتَسِل مع الناس.

فأَراد اللَّه عز وجل أن يَتَبيَّن لبني إسرائيلَ أن الرجُل مِن أحسَن خَلْق اللَّه تعالى وأَسلَمِهم، فاغتَسَل ذات يومٍ وحدَه ووضَعَ ثوبَه على حَجَر، ولمَّا خرَج ليَلبَسَه فرَّ الحجَرُ بثَوْبه، فجعَل يَلحَقه يَقول:"ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ" يُكلِّم ويُخاطِب، ولكن الحجَرَ مَأمور بأَمْر اللَّه عز وجل، فما وقَفَ حتى وصَل مَلأٌ من بني إسرائيلَ، ومُوسى عليه السلام يَمشِي وراءَه عُريانًا، فلمَّا وصَل بني إسرائيلَ رأَوُا الرجُل، وإذا الرجُل سليم ليس فيه شيء أبَدًا، بل مِن أَحسَن خَلْق اللَّه تعالى وأَسلَمِهم من العَيْب، ووقَف الحجَر فأخَذ ثَوْبه فلَبِسه، وجعَل يَضرِب الحجَر بعصاه حتى صار فيه أثَرٌ من ضَرْب

(1)

أخرجه البخاري: كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم، رقم (3150)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، رقم (1062)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

ص: 525

العَصا

(1)

، وإنما ضرَب الحجَر؛ لأنه لمَّا عمِل عَمَل العاقِل بهرَبِهِ بالثوب استَحَقَّ تأديب العاقِل، وإلَّا فالحجَرُ لا يَستَفيد.

ولهذا الآنَ صار لنا فيه نَوْعٌ من التَّأسِّي بمُوسَى عليه السلام حينما يَعْثُر الصَّبيُّ بحَجَر، نَقول له: تَعالَ! تُريد أن نَضرِبه؟ فإذا ضرَبتَ الحجَرَ يَهدَأ الصبيُّ ويَقِفُ عن البُكاء، لكن شَتَّان ما بين المَسأَلتين، نَقول: فيه نَوْع من الأصل.

فالخُلاصةُ: أن موسى عليه الصلاة والسلام أَراد اللَّه عز وجل أن يُبيِّن لبني إسرائيلَ أنه ليس كما قالوا: وأنه سَليم، وسيَأتي في الفَوائد ما في هذه القِصَّةِ من الحِكْمة.

وقوله تعالى: {فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا} قال المُفَسِّر رحمه الله: [بأَنْ وَضَع ثَوْبه على حجَر ليَغتَسِل ففَرَّ الحَجَر به حتى وقَف بين ملَأ من بني إسرائيلَ فأَدرَكه مُوسى عليه السلام فأَخَذ ثَوْبه، فاستَتَر به فرَأَوْه لا أُدرةَ به]، قال المُفَسِّر رحمه الله:[وهي نَفْخة في الخُصْية] فرَأَوْا أنه عليه الصلاة والسلام سَليم.

وقوله تعالى: {فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا} ، أَفادَنا سبحانه وتعالى بقَوْله:{مِمَّا قَالُوا} أن الأذِيَّة التي أَشار اللَّه تعالى إليها هي قول.

وقوله تعالى: {مِمَّا قَالُوا} : (ما) اسمٌ مَوْصول، والعائِد مَحذوف تقديره: ممَّا قالوه.

قال المُفَسِّر رحمه الله: [{وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} أي: ذا جاهٍ] والجاهُ بمَعنَى: القَدْر وعُلوِّ المَنزِلة، فكان موسى عليه الصلاة والسلام وَجيهًا عند اللَّه تعالى، يَعنِي: ذا قَدْر ومَنزِلة

(1)

أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى عليه السلام، رقم (3404)، ومسلم: كتاب الحيض، باب جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة، رقم (339)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 526

رفيعة، وقد وصَفَ اللَّه تعالى غيره من الأنبياء بالوَجَاهة، مثل عِيسى عليه السلام، فقال تعالى:{وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} [آل عمران: 45 - 46]، لكن إذا كان مُوسَى عليه السلام وَجيهًا عند اللَّه تعالى وعيسى عليه السلام، فمُحمَّد عليه الصلاة والسلام أَعظَمُ جاهًا منه؛ لأنه أفضَلُ الرُّسُل.

ولكن لا يَلزَم من الجاه أن يَتَوسَّل الإنسان بجاه النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى اللَّه تعالى؛ لأن جاه النبي صلى الله عليه وسلم قَدْر ومَنْزِلة خاصَّة بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلا تَنتَفِع بجاهِهِ؛ لأن مجُرَّد وَجاهة النبيِّ صلى الله عليه وسلم عند اللَّه تعالى لا تَنفَعُ أحَدًا من الناس؛ ولهذا القولُ الراجِحُ من أقوال أهل العِلْم رحمهم الله:"أن التَّوسُّل بجاه النبيِّ صلى الله عليه وسلم محُرَّمٌ".

فإن قال قائِل: هل قِراءة: "وكانَ عَبْدَ اللَّه وَجْيهًا" شاذَّةٌ؟ وإنِ احتَجُّوا بها على نَفي العِنْدية، فماذا يُقال لهم؟ وكيف نَرُدُّ على نَفي العِنْدية والقُرْب من اللَّه عز وجل؟

فالجَوابُ: هذه قِراءة شاذَّةٌ، ويُقال لهم: هذه شاذَّةٌ. أمَّا قوله تعالى: {وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} ، مُتواتِرة تَلقَّاها المُسلِمون من رَسولنا صلى الله عليه وسلم إلى يَوْمنا، وأمَّا تِلْك فشاذَّةٌ؛ وهؤلاءِ نَرُدُّ عليهم بالآيات الكثيرة وبالأَحاديث أيضًا، وهو إثبات القُرْب للَّه عز وجل، ولكنه لا يَلزَم من القُرْب الحُلول، يَعنِي:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186]، لا يَلزَم من ذلك أن يَكون قريبًا عِنْدك في مَكانك، لكنه قريب وإن كان عاليًا، يَعنِي: اللَّه تعالى ليس كمِثْله شيء.

قال المُفَسِّر رحمه الله: [{وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} ذا جاه، وممَّا أُوذِيَ به نَبيُّنا صلى الله عليه وسلم أنه قَسَم قِسْمًا فقال رجُل: هذه قِسْمة ما أُريد بها وجْهُ اللَّه] أَعوذُ باللَّهِ! وهذا من أعظَمِ ما يَكون من السَّبِّ، لكنْ سبُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم محَقٌّ له، إذا عفا عنه وأَسقَطه فله الحقُّ، ولا أحَدَ يَتَّهِم الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه ما أَراد بها وجهَ اللَّه تعالى، وإن قاله بعض

ص: 527

الناس غيره، كما قاله بعض مَن قاله من الأنصار حين قسَمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم غنائِمَ حُنَيْنٍ، قالوا: إن الرجُل وجَدَ قومَه، وأَراد أن يُغدِق عليهمُ المالَ، ونحن قاتَلْنا وفعَلْنا وفعَلْنا ولم يُعطِنا شيئًا؛ لكن الذي قاله شُبَّانٌ من الأنصار ليس لهم قِيمة بالنِّسبة للكِبار منهم، ومع ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام خطَبَ بهم تِلكَ الخُطْبةَ العَظيمة، التي بيَّن فيها فَضْلَهم وبيَّن الحِكْمة من إعطاء هؤلاءِ القومِ دونهم، وأنه يُعطِي هؤلاءِ ليَتَألَّفهم على الإسلام، ويَقوَى إيمانهم أو يَنكَفَّ شَرُّهم، أمَّا الأنصار فليسوا بحاجة إلى ذلك، لأن الناس يَذهَبون بالشاة والبَعير وهم يَذهَبون برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وشَتَّان ما بين هذا وهذا، حتى قال لهم:"لَوْ أَنَّ النَّاسَ سلَكُوا شِعْبًا أَوْ وَادِيًا وَسَلَكَ الْأَنْصَارُ شِعْبًا أَوْ وَادِيًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ"، وقال صلى الله عليه وسلم لهم:"الْأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ"، وقال صلى الله عليه وسلم لهم:"لَوْلَا الهجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ"

(1)

.

وكل هذا أَقنَعَهم، حتى جعَلوا يَبكون حتى أَخضَبوا لحِاهُم بالبُكاء رضي الله عنهم؛ لأن هذا يُساوِي الدُّنيا كلَّها، ففَرْق عظيم بين مَن يَذهَب بالشاة والبَعير، ومَن يَذهَب برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فهذا فيه حِكْمة من اللَّه عز وجل: أن اللَّه قد يُقدِّر للإنسان ما يَكرَهه ليَكون بعد ذلك ما يُحبُّه، فمُوسى صلى الله عليه وسلم كَرِه أن يَفِرَّ الحجَر بثَوْبه بلا شكٍّ، ولكن صار فيه حِكْمة عظيمة، وهو أن ما يَتكلَّم به بنو إسرائيلَ من الكلام والاتِّهام كلُّه ذَهَبَ.

والمُناسَبة لهذا -كما سيَأتي في الفَوائِد إن شاء اللَّه تعالى بَيان أنه عليه الصلاة والسلام مع كونه مُبَرَّأً ممَّا أُوذِيَ فهو ذو مَنزِلة عالية عند اللَّه تعالى.

(1)

أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، رقم (4330)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، رقم (1061)، من حديث عبد اللَّه بن زيد بن عاصم رضي الله عنه.

ص: 528

من فوائد الآية الكريمة:

الْفَائِدَة الأُولَى: تَحريم أذيَّة الرسول عليه الصلاة والسلام، لقوله تعالى:{لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى} ، والأصل في النَّهي التَّحريم، وقد سَبَق أن أَذِيَّة الرسول من كَبائِر الذُّنوب، لقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [الأحزاب: 57].

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عِنايةُ اللَّه تعالى برَسوله صلى الله عليه وسلم، حيث يَضرِب له الأَمْثال بمَن سبَقَه من الرُّسُل، لأَجْل التَّسْلية وتَهوين الأَمْر عليه، وأن هذا أَمْر قد سَبَقَك، وهذا كثير في القرآن، نحو:{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} [الأنعام: 34].

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَحذير المُؤمِنين أن يُصيبهم ما أَصاب مَن سبَقَهم حين تَجرَّؤُوا على رُسُل اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: {لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى} .

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: عِناية اللَّه تعالى برُسُله، لقوله سبحانه وتعالى:{فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا} .

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن التَّبرِئة تَكون بالقَوْل وتَكون بالفِعْل، فتكون بالقول مثل قوله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام:{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} [القلم: 2]، فنَفَى عنه الجُنون الذي رماه به أَعداؤُه، وقوله تعالى:{فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ} [الطور: 29]، هذه التَّبرِئةُ بالقول، والتَّبرِئةُ بالفِعْل كما جرَى لمُوسَى صلى الله عليه وسلم، فإن اللَّه تعالى ما قال لبَني إسرائيلَ: إنه ليس بآدَرَ. لكنَّه هيَّأ له هذا الأَمرَ الواقِع الذي يَكون تَبرِئةً من اللَّه عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم بالفِعْل.

ص: 529

وكذلك كشَف بيت المَقدِس للرسول صلى الله عليه وسلم شَهادة بالفِعْل

(1)

، لأن اللَّه تعالى ما أَنزَل قُرآنًا وقال: إن الرَّسول صادِق. لكنه رُفِع له بيتُ المَقدِس حتى شاهَده.

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: قَضية مُوسَى عليه السلام حيث بَرَّأه اللَّه تعالى ممَّا عِيب عليه، هذا من وَجْه، وحيث قال تعالى فيه:{وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} .

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الإشارة إلى أن العِبْرة بوَجاهة الإنسان عند اللَّه تعالى لا عند الخَلْق، وذلك من قوله تعالى:{وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} ، فقدَّم {عِنْدَ} على قوله تعالى:{وَجِيهًا} إشارة إلى أن المُهِمَّ أن تَكون وَجيهًا عند اللَّه تعالى، ويَكون وجيهًا عند اللَّه تعالى بعِبادته، فكُلَّما كان الإنسان أعبدَ للَّه تعالى وأَطوَعَ له كان عند اللَّه تعالى أَوْجهَ، ودليل ذلك قوله تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، فكلُّ مَن كان أَتقَى فهو أكرَمُ عند اللَّه تعالى، وأَرفَعُ مَنزِلة.

فائِدةٌ: السُّنَن مَربوطة بأسبابها، ولا تَختَلِف، فإذا اختَلَف السبَب اختَلَفَتِ السُّنَّة، أمَّا إذا كان السبَب واحِدًا فلا يُمكِن أن تَختَلِف.

* * *

(1)

أخرجه البخاري: كتاب مناقب الأنصار، باب حديث الإسراء، رقم (3886)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم، والمسيح الدجال، رقم (170)، من حديث جابر رضي الله عنه.

ص: 530