الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد
بن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد
ولد بعسقلان في المحرم سنة سبع، وقيل سنة ثمان، وستين وأربعمائة لما أخرج المستنصر ابنه أبا القاسم مع بقية أولاده في أيام الشدة؛ فكان يقال له الأمير عبد المجيد العسقلاني، ابن عم مولانا.
ولما قتل النزارية الآمر كان كبار غلمانه العادل بزغش وهزار الملوك جوامرد، وينعت بالأفضل، فعمدا إلى الأمير أبي الميمون عبد المجيد، وكان أكبر الجماعة الأقارب سنا، وقالا: إن الخليفة المنتقل قال قبل وفاته بأسبوع عن نفسه: المسكين المقتول بالسكين؛ وأشار إلى أن الجهة الفلانية حامل منه، وأنه رأى رؤيا تدل أنها ستلد ولداً ذكرا وهو الخليفة من بعده وأن كفالته للأمير عبد المجيد أبي الميمون. فجلس المذكور كفيلاً، ونعت بالحافظ لدين الله، في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، يوم قتل الآمر بأحكام الله؛ وتقرر أن يكون هزار الملوك وزيراً، وأن يكون الأمير السعيد أبو الفتح يانس الحافظي، متولى الباب أسفهسلاراً، وقرئ سجل في الإيوان بهذا التقرير والحافظ في الشباك جالس؛ تولى قراءته قاضي القضاة ابن ميسر على كرسي نصب له أمام الحافظ، بحضور أرباب الدولة.
وخلع على هزار الملوك خلع الوزارة، وقد اجتمع في بين القصرين خمسة آلاف فارس وراجل، وفيهم رضوان بن ولخشي، أحد الأمراء المميزين أرباب الشجاعة، وهو رأس
الجمع؛ وفي داخل القاعة بالقصر أيضا جماعة فيهم بزغش وقد شق عليه تقدم هزار الملوك وتقلده الوزارة؛ فنظر إلى أبي علي أحمد بن الأفضل، الملقب كتيفات، وهو جالس، فقال: يا مولاي الأجل، أنا أشح عليك أن تطيل الجلوس حتى يخرج هذا الفاعل الضانع وزيراً فتخدمه ويسومك المشي في ركابه؛ اخرج إلى دارك، وإذا قضى الله مضيت منها لهنائه.
وكان ظاهر هذا القول مكارمة أبي علي وباطنه أنه علم أن أكثر العسكر الواقفين بين القصرين لا يرغبون وزارة هزار الملوك؛ فدبر أنهم إذا وقعت أعينهم على أبي علي تعلقوا به وأقاموه وزيراً، فيفسد أمر هزار الملوك. فقام أبو علي ليخرج، فمنعه طغج، أحد نواب الباب، وكان فطناً ذكيا؛ فقال له بزغش: لم تمنع هذا المولى من الخروج؟ فقال: كيف لا أمنعه من الخروج إلى هذا الجمع ولا يؤمن تعلق العسكرية فيقع له ما وقع للآخر. فهزه بزغش وقال له: دع عنك الفضول. وقام بنفسه وأخرجه إلى آخر دهاليز القصر؛ فما هو إلا أن خرج من باب القصر ورآه رضوان بن ولخشي والجماعة، وقد علموا أن هزار الملوك قد خلع عليه للوزارة وأنه سيخرج إليهم، فتواثبوا إلى أبي علي وقالوا هو الوزير بن الوزير بن الوزير. وأراد أن ينفلت منهم واعتذر أنه شرب دواء، فلم يقبل منه؛ وطلب له في الحال خيمة وبيت صدار، فضربت في جانب من بين القصرين، وأدخلوه فيها.
وقام الصالح وثار العسكر بموافقتهم على وزارته والرضا به، وصاحوا أن لا سبيل أن يلي علينا هذا الصانع الفاعل، وأعلنوا بشتمه. فغلقت أبواب القصر كلها واشتد الأمر؛ فأحضر ضرغام وأصحابه سلالم وأقاموها إلى طاقات المنظرة، وأطلقوا عليها أميراً يقال له ابن شاهنشاه، فلما أشرف على طاق المنظرة جاء أستاذو الخليفة وأنكروا عليه فعله؛ فقال هذه فتنة تقوم ما تسر، فما الذي خلعتم عليه! ويحصل من ذلك على الخليفة من العوام وسوء أدب جهال العسكر ما لا يتلافى؛ وما هذا شيء والله إلا نصيحة لمولانا، فإنني قد علمت من رأى القوم ما لا علمتم. أخبروا مولانا عني بهذا.
فمضى الأستاذون إلى الحافظ وأبلغوه ما قال ابن شاهنشاه وهزار الملوك بين يديه بخلع الوزارة يسمع القول؛ فقال له الحافظ: ها أنت ذا تسمع ما يقال. فقال: يا مولانا، أنا في
مجلسك ووزارتي بوصية خليفة قبلك، فاتركني أخرج لهؤلاء الفعلة الصنعة. فقال: لا سبيل لفتح باب القصر في مثل هذا الوقت، وقد فعلنا في أمرك ما رتب لك، وهذه الخلع عليك؛ ولكن قد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: لا رأى لمن لا يطاع.
واشتد الأمر وكثر تموير العسكر. فقيل لابن شاهنشاه: قد أجبتم إلى وزارة أبي علي وما نحن له كارهون. فأعاد ذلك على رضوان وأصحابه، فقالوا: قل له يسلم لنا هزار الملوك. فامتنع من ذلك وقد تكاثر القوم على سور القصر وعزموا على طلب المذكور ولا بد. فقال الحافظ له. قم واحتجب في مكان عسى ندبر في قضيتك أمراً نصرف به هذا الجمع عنا وعنك.
فنزعت الخلع عنه وأحيط به، فصار إلى مكان قتل فيه قتلةً مستورة وألقيت رأسه إلى القوم فسكنوا.
واستدعي بالخلع لأبي علي، فأفيضت عليه في يوم الأربعاء خامسه، وركب إلى دار الوزارة والجماعة مشاة في ركابه. فكانت وزارة هزار الملك نصف يوم بغير تصرف. وكان قد اصطفاه الآمر لنفسه هو وبزغش قبل موته بمدة ورد له المظالم والنظر في أحوال الجند، وهو نوع من الوزارة؛ وكان ينعت بالأفضل.
ووقع النهب في القاهرة من باب الفتوح إلى باب زويلة، ونهبت القيسارية وكان فيها أكثب ما يملكه أهل القاهرة لأنها كانت مخزنهم، ومذ بنيت لم يكن فيها أمر يكره، فكان هذا أول حادث حدث على القاهرة من النهب والطمع.
وطيف برأس هزار الملوك على رمح. واستقرت الوزارة لأبي علي أحمد بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي، وكان يلقب بكتيفات، في يوم الخميس سادس
عشر ذي القعدة. فأول ما بدأ به أنه أحاط بالحافظ وسجنه في خزانة فيما بين الإيوان وباب العيد. ويقال إن رضوان بن ولخشي دخل إليه وقيده؛ فقال له الحافظ: أنت فحل الأمراء. فنعت بذلك.
وتمكن أبو علي واستولى على جميع ما في القصر من الأموال والذخائر، وحمل الجميع إلى دار الوزارة بعد أن فرق أكثر ما كان الآمر جمعه من الغلال في الناس على سبيل الإنعام. وكان السعر غاليا، يباع القمح بنحو الدينار كل إردب، فأراد أبو علي أن يحسن سمعته، فأمر أن تفتح المخازن وأطلق أكثر ما كان فيها، وكانت مئي ألوف أرادب. ورد على الناس الأموال التي فضلت في بيت المال من مال المصادرة التي كان قد أخذها الآمر في أيام مباشرة الراهب وما كتبت به الخطوط قبل ذلك؛ وكان الذي وجد خمسين ألف دينار. فاستبشر الناس به وفرحوا فرحاً ما ثبتت منه عقولهم، وضجوا بالدعاء له في سائر أعمال الديار المصرية؛ وأعلنوا بذكر معايب الآمر ومثالبه، وأقطع الحجرية البلاد، وظهر فرح الناس وابتهاجهم.
وأكرم بزغش العادل الذي أشار عليه بالخروج من القصر إكراماً كثيرا. وكانت قد ضربت ألواح على عدة أملاك في أيام الآمر فأعيدت إلى أربابها.
وكان إماميا متشدداً، فالتفت عليه الإمامية ولعبوا به حتى أظهر المذهب الإمامي، وتزايد الأمر فيه إلى التأذين فانفعل بهم، وحسنوا له الدعوة للقائم المنتظر، فضرب الدراهم
باسمه ونقش عليها: الله الصمد الإمام محمد. وخطب بنفسه في يوم الجمعة، وكان أكثر خلق الله تخلفا وأقلهم علماً، فغلط في الخطبة غلطة فاحشة صحفها فلم ينكر عليه أحد.
واشتد ضرره على أهل القصر من الإرعاد والإبراق، وأكثر من إزعاجهم والتفتيش على ولد الآمر وعلى يانس، صاحب الباب، وعلى صبيان الخاص الآمرية. وأراد أن يخلع الحافظ ويقتله بمن قتله الآمر من إخوته. وكان الآمر لما احتاط على موجود الأفضل بعد قتله بلغه عن أولاد الأفضل كلام في حقه يستقبح ذكره، فأقام عليهم الحجة عندما مثلوا بحضرته، وقال: أبوكم الأفضل غلامي ولا مال له. فسفه عليه أحدهم؛ فغضب وقتلهم. فأراد أبو علي بتفتيشه على الحمل الذي ذكر أنه من الآمر أن يظفر به ليقتله بإخوته؛ فلم يظهر الحمل، ولا قدر أيضا على قتل الحافظ ولا خلعه، فاعتقله كما تقدم، وخطب للقائم المنتظر تمويها. فنفرت قلوب أهل الدولة منه، وقامت نفسوهم منه. وتعصب قوم من الأجناد من خاص الخليفة، بترتيب يانس لهم، وتحالفوا سراً على قتله، وكانوا أربعين رجلا، وصاروا يرتقبون فرصة ينتهزونها.
وفيها قبض على جعفر بن عبد المنعم بن أبي قيراط وعلى أبي يعقوب ابراهيم السامري، ونهب الجند دورهما؛ وحبسا في حبس المعونة، ثم أخرجا ميتين.