الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة تسع وأربعين وخمسمائة
فيها استدعى الظافر ناصر الدولة نصر بن عباس وأخرج له صينية من ذهب فيها ألف حبة ما بين لؤلؤ وياقوت أحمر وأصفر وزمرد أخضر ذبابي، وأمر له من بيت المال بعشرة آلاف دينار مصرية، فقتله بعد هذه الهدية بستة أيام. وذلك أنه خرج الخليفة الظافر متنكراً من قصره في ليلة الخميس سلخ المحرم ومعه خادمان، وسار على عودته إلى دار نصر بن عباس، فقتله نصر، وحفر له تحت لوح رخام ودفنه؛ وقتل سعد الدولة، أحد الخادمين اللذين خرجا معه من القصر، وفر الآخر.
وكان سبب قتله أن الأمراء استوحشوا من أسامة بن منقذ عندما علموا أنه هو الذي حسن لعباس قتل ابن السلار وتحدثوا بقتله، وقيل للظافر عنه إنه غريب ومن دولة أخرى وإن في تركه وقوع ما لا يمكن تداركه. فلما بلغ أسامة ذلك أخذ يغري عباساً بابنه نصر ويبالغ في القصة حتى قال له يوما: كيف تصبر على ما يقول الناس في حق ولدك واتهامهم الخليفة أنه يفعل به ما يفعل بالنساء. فشق على عباس ولام ابنه، فلم يصغ إلى لومه. فلما أنعم الظافر على نصر بناحية قليوب وحضر إلى أبيه ليعلمه بذلك قال أسامة، وكان
حاضراً، ما هي بمهرك غالية. فامتعض لذلك عباس وقال لأسامة: كيف الحيلة في الخلاص مما بلينا به؟! فقال: هين؛ هذا الخليفة في كل وقت يأتي إلى عند ولدك في داره خفية، فمره إذا جاء أن يقتله. فاستدعى عباس ابنه وقال: يا بني قد أكثرت من ملازمة الخليفة وتحدث الناس في حقك بما أوجع باطني، وقد يصل من هذا إلى أعدائنا ما لا يزول. فاحتد نصر وقال له: أيرضيك قتله؟ فقال: أزل التهمة عنك كيف شئت. فأخذ نصر يعمل الحيلة في قتل الظافر وسأله أن يخرج إلى داره ليلاً في سر من الخدم ليتفسحا في منزله ليلة واحدة؛ وكان منزله دار المأمون البطائحي. فخرج إليه في عدة يسيرة من الخدم؛ فلما تحصل عنده اغتاله، وقتل الخدم الذين معه بالجماعة الذين قتل بهم العادل ابن السلار، ورمى بهم في جب عنده، وغطى رأس الجب بقطعة رخام بيضاء فصارت من جملة رخام المجلس، فخفى أمره. ثم مضى نصر إلى أبيه وعرفه قتل الظافر.
وكان الظافر من أحسن الناس صورة، وقتل وله من العمر إحدى وعشرون سنة وتسعة أشهر وخمسة عشر يوماً، منها مدة خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وأربعة عشر يوما. وكان محكوما عليه من الوزراء.
وفي أيامه أخذ الفرنج عسقلان واستولوا عليها، وظهر الوهن والخلل في الدولة، فإنه كان كثير اللهو واللعب مع جواريه، مقبلاً على سماع المغنى. وهو الذي أنشأ الجامع المعروف الآن بجامع الفكاهين في خط الشوايين من القاهرة.
وفيها ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر دمشق من مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن طغتكين، فسار أبق إلى بغداد، وبها مات.
وكان عند الإمام الظافر في قصر الروض ببغاء بيضاء تقرأ المعوذتين وتستدعي كثيراً من الأستاذين بأسمائهم ونعوتهم.