الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة خمس وستين وخمسمائة
فيها قدم من الشام إخوة صلاح الدين يوسف وعياله؛ وقيل كان قدومهم في سنة أربع.
فيها تحرك الفرنج لغزو ديار مصر خوفاً من صلاح الدين ونور الدين عندما بلغهم تمكنه من ديار مصر وقطع آثار جند المصريين. فكاتبوا فرنج صقلية وغيرهم واستنجدوا بهم، فأمدوهم بالمال والسلاح والرجال، وساروا بالدبابات والمنجنيقات إلى دمياط، فنزلوا عليها في مستهل صفر بألف ومائة مركب، ما بين شين ومسطح وشلندي وطريدة، وأحاطوا بها براً وبحراً.
فبعث صلاح الدين بالأمير تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، ابن أخي صلاح الدين، وأتبعه بالأمير شهاب الدين الحارمي، في عساكر إلى دمياط، وأمدهم بالمال والميرة والسلاح.
وألح الفرنج على أهل دمياط وضايقوهم، والناس فيها صابرون في محاربتهم. وبعث صلاح الدين إلى نور الدين يستنجده ويعلم أنه لا يمكنه الخروج من القاهرة إلى لقاء الفرنج خوفاً من قيام المصريين عليه؛ فجهز إليه نور الدين العساكر شيئاً بعد شيء، وخرج بنفسه إلى بلاد الفرنج بالساحل وأغار عليها واستباحها.
واستمر الفرنج على دمياط أحداً وخمسين يوما، ثم رحلوا عنها في الحادي والعشرين، وقيل في الثالث والعشرين، من ربيع الآخر، خوفاً على بلادهم من نور الدين ولفناء وقع فيهم؛ وغرق من مراكبهم نحو الثلثمائة مركب. فأحرقوا ما ثقل عليهم حمله من المنجنيقات وغيرها.
وبلغت النفقة من صلاح الدين على هذه النوبة ألف ألف دينار مصرية. وكان يقول ما رأيت أكرم من العاضد؛ أرسل إلى مدة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار سوى الثياب وغيرها.
وورد كتاب نور الدين إلى العاضد يهنئه برحيل الفرنج عن دمياط، وكان صلاح الدين سير إليه يبشره برحيلهم، وسير إليه العاضد يستقيله من الأتراك خوفاً منهم ويطلب الاقتصار على الملك الناصر صلاح الدين، فتضمن كتابه مدح الأتراك والثناء عليهم.
وفيها أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يبعث إليه بأبيه نجم الدين أيوب ابن شاذي، فأرسله إليه في عسكر، وسار معه كثير من التجار ممن له هوىً في مصر وغرض في صلاح الدين. فخرج ابنه صلاح الدين إلى لقائه ومعه الخليفة العاضد إلى صحراء الإهليلج خارج باب الفتوح ولقيه هناك؛ ولم تجر العادة بخروج الخليفة إلى لقاء أحد؛ وذلك في رابع عشر شهر رجب. ولقبه العاضد بالملك الأوحد، وزينت القاهرة ومصر لقدومه فكان من الأيام المذكورة؛ وبالغ العاضد في احترامه والإقبال عليه. ونزل اللؤلؤة.
وكان سبب تجهيز الملك العادل نور الدين لنجم الدين أيوب كثرة ورود مكاتبة الخليفة المستنجد بالله العباسي عليه من بغداد يعاتبه على تأخير إقامة الخطبة العباسية بمصر، فوالي نور الدين كتابة الملاطفات إلى صلاح الدين يأمره بذلك، وهو يعتذر إليه
عن ترك الخطبة بما يخافه من المصريين. فوردت رسل المستنجد إلى دمشق بالاستحثاث والعزم على إقامة الخطبة بمصر ولا بد؛ فرأى نور الدين أن مثل هذا المهم لا يقوم به إلا نجم الدين أيوب، وكان يتولى قلعة بعلبك، فأرسل إليه وقرر معه الأمر وسيره.
وكان وصوله إلى القاهرة لست بقين من رجب، وقيل في جمادى الآخرة، فقررت له ولاية الإسكندرية وولاية دمياط والبحيرة. وأقطع الأمير فخر الدين شمس الدولة توران شاه، ابن والد الملوك الملك الأفضل نجم الدين أيوب، قوص وأسوان وعيذاب، وكانت عبرتها يومئذ في تلك السنة مائتي ألف دينار وستة وستين ألف دينار؛ فاستناب عنه في قوص الأمير شمس الخلافة محمد بن مختار.
فيها ثار الأمير عباس بن شاذي بمرج بني هميم، من أعمال قوص، ومنع رسلان دعمش المتوجه لجباية خراج قوص من التوجه، واستباح عسكره.
وفيها أبطل صلاح الدين الأذان بحي على خير العمل محمد وعلي خير البشر، فكانت أول وصمة دخلت على الدولة. ثم أمر أن يذكر في الخطبة يوم الجمعة الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان ثم علي، وذلك يوم الجمعة لعشر مضين من ذي الحجة.
ثم أمر أن يذكر العاضد في الخطبة بكلام يحتمل التلبيس على الشيعة، فكان الخطيب يقول: اللهم أصلح العاضد لدينك. لا غير.
وفي يوم الاثنين، بعد طلوع الشمس، الثاني عشر من شوال حدثت زلزلة عظيمة مهولة بدمشق سقط منها بعض شرف الجامع الأموي وتشقق رأسا المنارتين الشرقية والغربية، وكانت المنارة الشمالية تهتز اهتزاز السعفة في الريح العاصفة. ثم جاءت زلزلة أخرى بعد ساعة، ثم جاءت زلزلة ثالثة بعد العصر. وأثرت هذه الزلزلة آثاراً شنيعة بحلب وبعلبك وحمص وحماة وشيزر وكفر طاب وتل بارين والمعرة وتل باشر وعزاز وأفامية وأبو قبيس والمنيطرة وحصون الباطنية بأسرها. وامتدت إلى الجزيرة والموصل ونصيبين وسنجار ودنيسر وماردين والرها وحران ورأس العين والرقة وقلعة جعبر وقلعة نجم وبالس ومنبج وبزاعا وعين تاب وحارم وأنطاكية وما خلفها من الثغور وبيروت وأطرابلس وعرقة وطرسوس وجبلة والمرقب واللاذقية وعكا وصور وغيرها؛ فمنها ما دمر بأسره ومنها ما ذهب أكثره ومنها ما ذهب بعضه ومنها ما تشعث. وهلك بحلب عدد كثير من الناس وببعلبك، ولم يهلك بدمشق غير واحد أصابته قطعة من حجر فسقط على درج جيرون فمات. وجاءت بدمشق زلازل في عدة ليالي وأيام إلى يوم الجمعة عاشر ذي القعدة.
فيها ولي القاضي المفضل أبو القاسم هبة الله بن كامل قضاء القضاة في ذي الحجة؛ فرتب صلاح الدين الفقيه عيسى الهكاري بحكم القاهرة وابن كامل بحكم مصر.