الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة أربع وستين وخمسمائة
فيها تمكن الفرنج من ديار مصر وحكموا فيها حكماً جائراً، وركبوا المسلمين بالأذى العظيم وقد تيقنوا أنه لا حامي للبلاد، وتبين لهم ضعف الدولة وانكشفت لهم عورات الناس. فجمع مري جموعه واستشارهم في قصد ديار مصر، فقووا عزمه على المسير إليها فأجمع أمره على الرحيل واستدعى وزيره وأمره بإقطاع بلاد مصر لأصحابه، ففرق قراها عليهم بعد ما كتب جميع قراها وارتفاع كل ناحية؛ واستنجد عسكراً قوي به جنده.
فورد الخبر إلى شاور بمسير الفرنج إلى مصر في نصف المحرم، فبعث إلى ملك الفرنج الأمير ظهير الدين بدران وقيس بن طي بن شاور.
وكان نور الدين بحلب، فأسرع مري إلى المجيء إلى مصر ظناً أن نور الدين بعيد منه وعساكره متفرقة عنه. فبلغ ذلك نور الدين، فأخذ في جمع عساكره.
ووصل مري إلى الداروم. فبلغ شاوراً فارتاع وبعث أميراً يعرف ببدران لكشف الخبر، فلما اجتمع بمري خدعه ووعده بعدة من قرى مصر، نحو الثلاث عشرة قرية، وأمره أن يخبر شاور أنهم إنما قصدوا البلد لخدمة. فلما عاد إلى شاور جهز إلى مري شمس الخلافة محمد بن مختار، فعندما دخل عليه قال له: مرحباً بشمس الخلافة. فقال: فمرحباً بالملك الغدار، وإلا ما أقدمك إلينا؟ قال: اتصل بنا أن الفقيه عيسى وصل إليكم ليزوج أختاً للكامل بن شاور بصلاح الدين يوسف ويتزوج الكامل بأخت صلاح الدين، فحسبنا أن هذا عمل علينا. فقال ما لهذا صحة، ولو فعل لما كان ناقضاً للهدنة. فقال: الصحيح أن قوماً من وراء البحر انتهوا إلينا وغلبوا على رأينا وخرجوا طامعين في بلادكم؛ فخفنا من ذلك، فخرجت لتوسط الأمر بينهم وبينكم. فقال له: فكم تريد أن يكون مبلغ القطيعة التي نقوم بها؟ قال: ألفي ألف دينار. فقال: حتى أعود إلى شاور بهذا الخبر وأرجع إليكم بالجواب، فلا تبرحوا من مكانكم. فقال مري: بل ننزل على بلبيس حتى تعود.
وكان قد كتب إلى شاور: إني قد قصدت الخدمة على ما قررته لي من العطاء في كل عام، فكتب إليه شاور: إن الذي قررته إنما جعلته لك متى احتجت إلى نجدتك أو إذا قدم علي عدو، فأما مع خلو بالي من الأعداء فلا حاجة لي إليك ولا لك عندي مقرر. فأجابه: لا بد من حضوري وأخذي المقرر. فعلم شاور أنه قد غدر وخان الأيمان، ونقض العهود، وطمع في البلاد. فجمع الأجناد وحشد العساكر إلى القاهرة؛ وسير إلى بلبيس حفنة من العسكر، ونقل إليها ما تحتاج إليه من الأقوات والغلات.
فنزل مري على بلبيس أول يوم من صفر، وكتب عدة من أعيان المصريين كتباً إلى مري يعدونه المساعدة، لكراهتهم في شاور، منهم علم الملك ابن النحاس، ويحيى
ابن الخياط، وابن قرجلة، وجماعة؛ فقوي الفرنج. وعندما قدم مري إلى بلبيس أرسل إلى طي بن شاور، وكان ببلبيس، أين ينزل؟ فقال لرسوله: قل له ينزل على أسنة الرماح. فغضب من هذا وجعله سبباً لنقض ما قرره مع شمس الخلافة، وحاصر البلد حتى افتتحها قهراً بالسيف يوم الثلاثاء ثاني صفر، وأخذ الطاري والناصر، ابني شاور أسيرين، وقتل جميع من كان فيها وأسرهم وسباهم، ونهب سائر ما تحتوي عليه؛ وأسر المعظم سليمان بن شاور وقيس بن طي بن شاور.
وأرسل إلى شاور يقول له: إن ابنك قال أيحسب مري أن بلبيس جبنة يأكلها! نعم بلبيس جبنة والقاهرة زبدة. فصعد شاور إلى العاضد وسأله مكاتبة نور الدين وطلب معونته فإن الفرنج قد ملكوا بلبيس والمسلمون يضعفون عن وقفهم، وأنه متى حصل التقاعد أخذت مصر وأسر الفرنج من فيها من المسلمين؛ ويحثه على إرسال من يتدارك هذا الأمر. فكتب العاضد إلى نور الدين برأي شمس الخلافة، فإنه اجتمع بالكامل ابن شاور وقال له: عندي أمر لا يمكنني أن أفضي به إليك إلا بعد أن تحلف لي أنك لا تطلع أباك عليه. فلما حلف له قال: إن أباك قد وطن نفسه على المصابرة، وآخر أمره يسلم البلد إلى الفرنج ولا يكاتب نور الدين؛ وهذا عين الفساد؛ فاصعد أنت إلى العاضد وألزمه أن يكتب إلى نور الدين فليس لهذا الأمر غيره. فصعد الكامل إلى الخليفة العاضد وكتبا الكتاب وأرسلاه إلى نور الدين. فقيل للعاضد لم لا أطلعت وزيرك على ذلك؛ فقال أعرف أنه لا يوافقني عليه لكراهته في الغز وأنا أعلم من أي باب أدخل عليه.
وأرسل إلى شاور يقول أين استدعائي الغز من المسلمين لنصرة الإسلام من استدعائك الفرنج للإعانة على المسلمين. فقال للرسول: قل لمولانا عني أنت مغرور بالغز والله لئن يثبت لهم رجل بديار مصر لا كانت عاقبته وخيمةً إلا عليك. فلما بلغه ذلك قال: رضيت أن تكون إسلامية وأكون فداء المسلمين.
فوافت كتب العاضد وكتب جماعة من الأعيان إلى نور الدين بحلب، فانزعج لذلك وجمع الأمراء للمشورة فأشاروا بإرسال أسد الدين شيركوه. وكان بحمص وقد وصلت إليه الكتب من مصر باستدعائه لإنجازهم وإنقاذهم مما نزل بهم، فخرج منها يريد السلطان بحلب، وخرج رسول السلطان من حلب بطلبه، فتلاقيا بباب مدينة حلب، وعادا. فلما رآه السلطان عجب من سرعة مجيئه، فأعلمه بموافاة الكتب إليه تستدعيه إلى مصر؛ فسر بذلك وتفاءل به، وأعطاه مائتي ألف دينار وثياباً وسلاحاً ودواب، وحكمه في العسكر فاختار ألفي فارس وجمع فسار في ستة آلاف فارس.
وخرج معه نور الدين إلى دمشق، فوصل إليها في سلخ صفر، وجهز أسد الدين وأعطى نور الدين كل فارس ممن معه عشرين ديناراً مصرية غير محسوبة عليه من جامكيته وأضاف إليه جماعة من الأمراء، منهم عز الدين جرديك، وغرس الدين قلج، وشرف الدين بزغش، وعين الدولة الياروقي، وقطب الدين ينال المنبجي، وصلاح الدين يوسف بن أيوب. وكان صلاح الدين كارهاً مسيره إلى مصر كأنما يساق
إلى الموت فأخرجه نور الدين كرهاً ليحق قول الله سبحانه إذ يقول: " وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُو خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَنْ تُحبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ". فإن نور الدين أحب مسير صلاح الدين إلى مصر فكان مسيره إليها لخروج الملك عن أولاده، وكره صلاح الدين مسيره إلى مصر فكان في مسيره إليها تملكه إياها وغيرها من الأقاليم.
وسار شيركوه من دمشق في ثاني عشر ربيع الأول وتقدم الفقيه عيسى الهكاري إلى العاضد سراً وخفية من شاور ليحلفه على أشياء.
وأما مري فإنه كثرت أمراء الفرنج عنده لقصد سبي بلبيس، فغزاها برجاله، وأمر بإخراج الأسرى من أهل بلبيس إلى ظاهر البلد؛ وركب وقد اعتقل رمحه وحمل على الأسرى حتى فرقهم فرقتين، فجعل لنفسه الفرقة التي وقعت عن يمينه، وأنعم بالفرقة اليسرى على أهل عسكره؛ وقال لمن صار إليه من الأسرى: قد أطلقتكم شكراً لله على ما أولاني من فتح مصر فإني ملكتها بلا شك. وما زال واقفاً حتى عدى أكثرهم النيل إلى جهة منية حمل، وأخذ عسكره أسراهم فاقتسموهم، فبقوا في أيدي الفرنج بعد ذلك نحو الأربعين سنة وهلك كثير منهم هنالك، وأفلت بعضهم.
وكان شمس الخلافة قد صار إلى مري قبل أخذه مدينة بلبيس بإجابته إلى القطيعة التي طلبها، فعاقه عنده حتى أخذ بلبيس، كما تقدم ذكره ثم أذن له في الانصراف إلى القاهرة، واعتذر بأنه بلغه عن قيس بن طي أشياء أمضته حتى فعل ما فعل،
وأنه باق على ما تقرر معه بقاء شمس الخلافة وأشار على شاور بالاحتراز وقال إن الرجل مخاتل. وأنفذت الكتب إلى نور الدين.
وكان شاور قد شرع في بناء سور على مدينة مصر واستعمل فيه الناس فلم يبق أحد من المصريين إلا وعمل فيه؛ وحفر من ورائه خندقاً، فلم يكمل من ناحية النيل. وعمل في السور ثمانية أبواب أحدها بدار النحاس على ساحل البحر، هدم في سنة وخمسين وستمائة وآخر بجانب كوم البواصين، وثالث على سكة سوق وردان سقط سنة إحدى وستين وستمائة، وباب في طريق زين العابدين، وباب عرف بباب الصفاء، وباب بحري مصلي الأموات سقط قبيل سنة خمسين وستمائة، وباب عند أقمنة الجير مما يلي درب السرية، وباب لقنطرة بني وائل وتحته قنطرة بني وائل التي تصب في بركة الشعيبية، التي كانت قديماً بستان الأمير تميم بن المعز، وكان الماء يدخل إليها من خليج مصر.
وسار مري بعقيب مسير شمس الخلافة عنه يريد منازلة القاهرة بعد ما أقام ببلبيس خمسة أيام، فداخل الناس منه رعب شديد وخوف عظيم، فاجتمعوا بالقاهرة ووطنوا أنفسهم على الموت. وكان هذا من لطف الله فإنه لو قدر أن الفرنج أحسنوا السيرة في أهل بلبيس لكان الناس لا يدافعونهم عن القاهرة ألبتة لما في قلوبهم من كراهة شاور. فما هو إلا أن قصد مري القاهرة وإذا بشاور قد قام في حريق مصر، وأمر شاور الناس بالانتقال منها إلى القاهرة، وحثهم على الخروج منها. فتركوا أموالهم وأثقالهم ونجوا بأنفسهم وأولادهم وحرمهم؛ وقد ماج الناس واضطربوا اضطراباً عظيماً.
ووقعت النار في الأسطول فخرج العبيد إلى مصر وقد انطلقت النار في مساكنها فانتهبوا سائر ما كان بمصر. وبلغ بالناس الحال أن كانت الدابة تكري من مصر إلى القاهرة ببضعة عشر ديناراً والجمل بثلاثين ديناراً. ونزلوا بمساجد القاهرة وحماماتها، وملأوا جميع الشوارع والأزقة، وصاروا مطروحين بعيالهم وأولادهم على الطرق وقد ذهبت أموالهم وسلبت عامة أحوالهم؛ وهم مع ذلك ينتظرون هجوم الفرنج على القاهرة وقتل رجالها وسبي من بها من الحريم والصبيان.
وكان ابتداء الحريق بمصر في يوم الثلاثاء التاسع من صفر الموافق له ثامن عشر هاتور؛ واستمرت النار في المساكن أربعة وخمسين يوماً، والنهابة تهد ما هنالك وتحفر لطلب الخبايا.
ونزل مري بعساكره على بركة الحبش في يوم الأربعاء العاشر من صفر، فخرج إليه شمس الخلافة. فلما دخل إليه سأله أن يخرج معه إلى باب الخيمة، فخرج؛ فأراه شمس الخلافة جهة مصر وقال له أترى دخاناً في السماء؟ قال: نعم. قال: هذا دخان مصر ما أتيتك إلا وقد احترقت بعشرين ألف قارورة نفط وفرق فيها عشرة آلاف مشعل، وما بقي فيها ما يؤمل بقاؤه ونفعه؛ فخل الآن عنك. فقال مري: لا بد من النزول على القاهرة ومعي فرنج من هذا البحر قد طمعوا في أخذها.
ثم رحل فنزل على القاهرة في عاشر صفر مما يلي باب البرقية نزولاً قارب به البلد حتى صارت سهام الجرخ تقع في خيمه. وقاتل أهل القاهرة قتالاً شديداً وحفظوها
وبذلوا جهدهم. واشتد الفرنج في محاصرة القاهرة وضيقوا على أهلها حتى تزلزل الناس زلزالاً شديداً وضعفت قواهم، وشاور هو القائم بتدبير الأمور، فتبين له العجز عن مقاومة الفرنج وأنه يضعف عن ردهم. وخاف من غلبتهم فرجع عن مقاومتهم إلى مخادعتهم وإعمال الحيلة؛ فأرسل شمس الخلافة إلى مري يطلب منه الصلح على أن يحمل إليه أربعمائة ألف دينار معجلة. فأجاب إلى ذلك. ويقال إنه خوفه من نور الدين واعتذر بأنه لولا الخوف من العاضد ومن معه من المسلمين وإلا سلمه البلد؛ وإنه تقدم له بألف ألف دينار. فتقرر الصلح.
على أن مري قال لا أسمع من كلام شاور فإنه غدار، ولا بد من كلام الخليفة العاضد. فمشى أبو الفتح عبد الجبار بن عبد الجبار بن إسماعيل بن عبد القوي، المعروف بالجليس قاضي القضاة وداعي الدعاة، ومعه الأستاذ صنيعة الملك جوهر، بين الفرنج وبين الناس حتى تقرر الأمر على تعجيل مائة ألف دينار وحمل الباقي بعد ذلك مع القطيعة المقررة كل سنة، وزيادة عشرة آلاف دينار وعشرة آلاف إردب غلة على ما يقترح من أصنافها. فأرسل العاضد القاضي الفاضل عبد الرحيم إلى الشيخ الموفق ابن الخلال كاتب الدست، وكان مريضاً والفاضل ينوب عنه بتعيين الكامل بن شاور، وقال له: استشره في هذا الأمر. فمضى الفاضل إليه، وعرض ما تقرر عليه، وبلغه عن العاضد ما أشار به من أخذ رأيه في ذلك. فقال: قبل الأرض عني لمولانا وقل له عن مملوكه إن وعد المشتري وصبر البائع فليست بعالية، وبين قيل وقال يتصرم الوقت.
وشرع شاور في حمل المال، فلم يجد في حاصل الخبايا بالقصر سوى مائتي ألف دينار مدفونة في أحد كمي المجلس من ذخائر الحافظ، أطلعهم عليها أستاذ من أستاذي القصر؛ فأخرجت وحمل إلى الفرنج منها على يد ابن عبد القوي مائة ألف دينار، فأخذوها بعد امتناع. ووقع الطلب من أهل القاهرة ومصر، فلم يتحصل من الناس إلا نحو الخمسة
آلاف دينار، لفقر أهل مصر وسوء حالهم وذهاب أموالهم في الحرق والنهب بحيث صاروا لا يجدون القوت عجزاً عنه، ولأن أهل القاهرة أكثرهم الجند وأهل الدولة وأتباعهم فقال الفقيه عمارة:
يا ربّ إنّي أرى مصراً قد انتبهت
…
لها عيون اللّيالي بعد رقدتها
فاجعل بها ملّة الإسلام باقيةً
…
واحرس عقود الهدى من حلّ عقدتها
وهب لنا منك عوناً نستجير به
…
من فتنة يتلظّى جمر وقدتها
فبينما الفرنج في استحثاث أهل القاهرة في حمل المال إذ وصل إليهم في مستهل ربيع الآخر خبر قدوم أسد الدين بالعساكر فأزعجهم ذلك ورحلوا عن القاهرة يوم السبت، ثالث ربيع الآخر، ومعهم من الأسرى اثنا عشر ألفاً ما بين رجل وصبي وامرأة. فنزلوا على بلبيس، وساروا منها إلى فاقوس.
ونزل أسد الدين بالمقس إلى اللوق خارج القاهرة يوم الأربعاء سابع ربيع الآخر، فخرج إليه العاضد وتلقاه.
وكان شاور لما بلغه وصول شيركوه إلى صدر أخرج شمس الخلافة إلى مري وقال له: قد وقف المال علينا، وقد جئت إليك أستوهب منك بعض ما قطعت علينا. فقال مري: اطلب ما شئت. قال: تهب لي من الألفي ألف ألف ألف. قال: قد فعلت فقال شمس الخلافة: ما بلغني أن ملكاً وهب مثل هذا لقوم هم في مثل حالنا.. فقال مري: أنا أعلم أنك رجل عاقل وأن شاوراً ملك، وأنكما ما سألتماني أن أهب لكما هذا المال العظيم إلا لأمر قد حدث. فقال: صدقت؛ هذا أسد الدين قد وصل إلى صدر نصرةً لنا وما بقي لك مقام؛ وشاور يقول لك أرى أن ترحل ونحن باقون على الهدنة فإنه أوفق لنا ولك،
وإذا حصل هذا الرجل عندنا أرضيناه من هذه الألف ألف بشيء وحملنا الباقي إليك متى قدرنا، وإن نحن أخرجنا في رضاهم أكثر من هذا المال عدنا عليك بما يبقى علينا من المقدار. فقال مري: أنا راض بذلك. فقال: وأن تطلق ابن طي بن شاور وجميع من في عسكرك من الأسارى، ولا تأخذ من بلبيس بعد انصرافك شيئا. فأجاب إلى ذلك، وأطلق ابن شاور ورحل.
ولما قارب شيركوه القاهرة خرج شاور إلى لقائه وقابله بالاحترام والإكرام، وأشار عليه باتباع الفرنج. فلم ير ذلك واعتذر بما هم فيه من التعب.
ونزل أسد الدين بظاهر القاهرة، ودخل على العاضد فخلع عليه في تاسعة بالإيوان، وعاد إلى مخيمه، وقد فرح الناس بقدومه. وأجريت عليه وعلى عساكره الجرايات الكبيرة والإقامات الوافرة. وثقل ذلك على شاور ولم يقدر على عمل شيء لما عرفه من ميل العاضد إلى شيركوه؛ وشرع يماطل بما تقرر لشيركوه ولنور الدين وهو يركب كل يوم إليه ويسير معه، ويعده ويمنيه.
وعزم على أن يعمل دعوةً ويحضر شيركوه وجميع أمرائه، فإذا صاروا إليه قبض عليهم واستخدم من معهم من الجند يمنع بهم الفرنج. فنهاه ابنه شجاع عن ذلك وقال: والله لئن عزمت على هذا لأعرفن شيركوه. فقال: يا بني، والله لئن لم نفعل هذا لنقتلن جميعاً. قال: صدقت؛ ولأن نقتل ونحن مسلمون خير من أن نقتل وقد ملكها الفرنج؛ فإنه ليس بينك وبين عود الفرند إلا أن يسمعوا بالقبض على شيركوه، وحينئذ لو مشى العاضد إلى نور الدين لم يرسل معه فارساً واحداً. فترك شاور ما عزم عليه.
ولما طال مطال شاور على الغز اتفق صلاح الدين يوسف وعز الدين جرديك على قتل شاور.
واتفق أن شاوراً رأى في منامه كأنه دخل دار الوزارة فوجد على سرير ملكه رجلا وبين يديه دواته وهو يوقع، والحاجب بين يديه يتناول منه التوقيع؛ فقال: من هذا الذي جلس في مجلسي ووقع من دواتي، فقيل له: هذا محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ فقال: وما يصنع محمد عندي؛ أما كان له في مملكة غيري مصنع. ثم إنه قام إليه وضربه
بسيفه حتى قتله وألقاه بظاهر الدار. فلما استيقظ هاله ما رآه، واستدعى أبا الحسن علي بن نصر الأرتاحي العابد، وكان نادراً في علمه، وقص عليه ما رأى. فقال له: هؤلاء الذين في القصر من نسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويكون هلاكهم على يدك. فأمره بكتمانه؛ فلم يظهر حتى قتل شاور.
ويقال إن العاضد خرج متنكراً إلى شيركوه وأمره بقتل شاور؛ فركب على عادته إلى شيركوه ومعه الطبل والبوق وخرج من باب القنطرة. فلما صار في مخيم الغز تلقاه صلاح الدين وجرديك في جماعتهم وأعلموه أن أسد الدين توجه إلى القرافة، فقال نمضي إليه. فساروا جميعاً وصلاح الدين وجرديك عن يمينه وشماله، وكان اليوم كثير الضباب، فتناول صلاح الدين شاور على غرة هو وجرديك وألقياه عن فرسه إلى الأرض، وأحاط أصحابهما بمن مع شاور فانتهبوهم وفروا عنه. وأخذ أسيراً إلى المخيم، وأرسلوا إلى شيركوه، فحضر. وبلغ ذلك العاضد فأنفذ في الحال إلى شيركوه أحد الأستاذين بسيف وقال: هذا غلامنا ولا خير فيه لك ولا لنا، فأمض حكم الله فيه. فقتل في يوم السبت السابع عشر من ربيع الآخر، وحملت رأسه إلى العاضد.
وفر الكامل شجاع بن شاور هو وأولاد أخيه إلى القصر، فكان آخر العهد بهم، وأحضرت رءوسهم يوم الاثنين رابع جمادى الأولى. وبعث شيركوه يطلبهم، فأرسل إليه العاضد طبقاً من فضة مغطى؛ فلما كشف عنه وجد فيه رأس شجاع ورءوس أولاد أخيه، فتأسف على قتل شجاع لما كان يبلغه عنه من منعه أباه من عزمه على الفتك بهم.
وكانت وزارة شاور هذه كثيرة الوقائع والنوازل فإنه أطمع الغز والفرنج في البلاد وجرهم إليها؛ فأحرق مصر وأزال نعم أهلها وأذهب أموالهم؛ وكان السبب في إزالة الدولة الفاطمية من ديار مصر وتملك الغز لها.
وكان مع ذلك منقاداً لولده الكامل قد أطلقه وسلم الأمر إليه بحيث إنه كان يأتي
إلى داره فيحتجب عنه. وكان ضيق العطن، لا يصبر على شيء مما ينقل إليه من الاخبار. وكان إذا سئل وهو في الخدمة لا يرد سائلا في شيء. وكان شديد النكال إذا عاقب، فتكشفت في وزارته الثانية التي قتل فيها صفحاته، وأحرقت كافة أهل مصر لفحاته، وأغرقتهم نفحاته فغصه الدهر وعضه، وأوجعه الثكل وأمضه. وكان عاقبة أمره القتل والعار، وسوء المنقلب والدمار.
ثم إن أسد الدين ركب بعد قتل شاور بجموعه ودخل إلى القاهرة في يوم الاثنين تاسع عشر ربيع الآخر يريد لقاء الخليفة العاضد، فهاله ما رأى من كثرة اجتماع الناس وتخوف منهم، فأراد أن يفرقهم، فقال لهم: إن أمير المؤمنين قد أمركم بنهب دار شاور؛ فتسارعوا إليها وانتهبوا سائر ما كان فيها. فصعد شيركوه إلى القصر، وخلع عليه العاضد خلع الوزارة ولقبه بالملك المنصور أمير الجيوش. ونزل إلى دار الوزارة حيث كان ينزل شاور ومن قبله من الوزراء، فلم يجد ما يجلس عليه لما شملها من النهب. فجلس للهناء وغلب على الأمر.
وخرج إليه التوقيع بخط القاضي الفاضل وإنشائه، فقرأه الجليس ابن عبد القوي قاضي القضاة، على رءوس الأشهاد، وفي أعلاه بخط العاضد: هذا عهد لا عهد لوزير بمثله، وتقلي طوق أمانة رآك الله وأمير المؤمنين أهلا بحمله؛ والحجة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد سبله. فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة، واسحب ذيل الفخار بأن خدمتك اعتزت بأن اعتزت إلى بنوة النبوة؛ واتخذ أمير المؤمنين للفوز سبيلا، وَلَا تَنقُضُوا الأَيَمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلا ". وهو توقيع كبير.
وكتب القاضي الفاضل إلى نور الدين محمود بن زنكي كتاباً بأن يقر شيركوه عنده بمصر وأنه فوض إليه الوزارة وأمر الجيوش، تاريخه سابع عشري ربيع الآخر، وكتب العاضد علامته بين سطريه الأولين بخطه الله ربي؛ فعاد الجواب بالامتثال.
وسلك أسد الدين مع العاضد مسالك الأدب حتى أعجب به، ومال إليه. وركب إلى مصر فرآها مشوهةً بالحريق وقد تلفت فيها أماكن وسلمت أماكن، وتشعث الجامع؛ فشق عليه، وعاد. وقد حضر إليه الأمير ابن مماتي والقاضي الفاضل، فأمر بإحضار أعيان المصريين الذين جلوا عن مصر في الفتنة وصاروا بالقاهرة، فتغمم لما نزل بهم وسفه رأي شاور فيما فعله، وأمرهم بالعود إلى مصر. فشكوا ما حل بهم من الفقر وذهاب الأحوال وخراب المنازل، وقالوا: إلى أي موضع نرجع وفي أي مكان نأوى. فقال: لا تقولوا هذا، وعلي بإذن الله حراستكم وإعادتها إليكم بما كانت عليه وأحسن؛ فاستدعوا مني كل مالكم فيه راحة، فهي بلدي وربما أسكن فيها بينكم. فشكروا له ودعوا.
وأمر فنودي على الناس بالرجوع إلى مصر، فتراجعوا إليها شيئاً بعد شيء.
وجعل أسد الدين اجتماعه بالخليفة العاضد في الشباك على العادة. فأول ما اجتمع به قال له الأستاذ صنيعة الملك جوهر، وكان أكبر الأستاذين وأفصحهم لساناً، وهو قائم على رأس العاضد: يقول لك مولانا لقد كنا نؤثر مقامك عندنا أول طروقك بلادنا، ولكن أنت تعلم الموانع عنه؛ ولقد تيقنا أن الله عز وجل ادخرك لنا نصرة على أعدائنا. فقال أسد الدين شيركوه: يا مولانا بإمالة اللام والله لأنصحنك في الخدمة ولأجعلن
دولتك بعون الله قاهرة. فقال الأستاذ: يقول لك مولانا الأمل فيك هذا وأكثر. ثم جددت له الخلع وأفيضت عليه، ونزل إلى داره.
وحسن عنده موقع الجليس ابن عبد القوى، قاضي القضاة وداعي الدعاة، وأثنى عليه وشكره، وقال لولا مذهبه! فقال: إنه ولد بالمغرب وله دالة على الخليفة، ولولا ضبطه حواصل القصر لخرجت كلها لكرم العاضد؛ لكنه يحترمه ويقبل مشورته. فازدادت مكانته عند أسد الدين وأقره على حاله.
واستبد أسد الدين بأمور المملكة، وغلب على الدولة، واستعمل أصحابه وثقاته على الأعمال، وأقطع البلاد لعساكره. ولما أكب الناس عليه بالتواقيع قلق من كثرة ما يوقع وقال: أظن مولانا استخدمني كاتبا.
في رابع جمادى الأولى قتل الكامل شجاع بن شاور، والمعظم سليمان بن شاور، وركن الإسلام نجم أخو شاور، وأحضرت رءوسهم إلى أسد الدين شيركوه.
ولما بلغ نور الدين وزارة شيركوه للعاضد واستبداده بالأمر كره ذلك وأمضه، وظهر ذلك على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وأخذ يتحدث في ذلك، وأفضى به إلى الأمير مجد الدين ابن الداية. وأخذ يعمل الحيلة في إفساد أمر أسد الدين وابن أخيه صلاح الدين، وكاتب العاضد في ذلك غير مرة، ويلتمس منه أن يبعث إليه أسد الدين، يريد بذلك إخراجه عن مصر. فلم يسمح العاضد بإرساله لأنه دبر الأمور وقام بحمل أعباء المملكة من غير أن يغير على أصحاب العاضد شيئا من أحوالهم، ولا أنكر عليهم أمراً من أمورهم، بل أقرهم على عوائدهم سوى أنه أقطع البلاد لأصحابه.
وتولى عنه التدبير ابن أخيه صلاح الدين وقام بمباشرتها، فصار إليه الأمر والنهي حتى مات أسد الدين، بعد أن استقر في الوزارة ثلاثة وستين يوما، يوم الأحد الثالث
والعشرين من جمادى الآخرة بخناق تولد له من إكثاره أكل اللحوم الغليظة، ودفن في الدار فلم تخرج له جنازة.
وكان شجاعا قوياً، جلداً عفيفاً، متألهاً، يحب أهل الخير، وله إيثار، وفيه ضبط وإمساك. وأصله من دوين، بليدة من عمل أذربيجان من جهة أران وبلاد الكرج، وهو من قبيل الروادية إحدى بطون الهذبانية من قبائل الأكراد. وقدم هو وأخوه نجم الدين أيوب، وكان أسن منه، إلى بغداد واتصلا بخدمة مجاهد الدين بهروز شحنة العراق من قبل السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي ولازماه. فبعث بأيوب إلى تكريت، وكانت إقطاعه، فأقره فيها دزداراً، ومعناه حافظ القلعة، فإن دز بالفارسي القلعة، ودار الحافظ. فأقام بها ومعه أخوه شيركوه، وله به إقطاع،
إلى أن انهزم عماد الدين زنكي من العراق من قراجا الساقي ووصل إلى تكريت، فأمكنه أيوب من قلعتها ورفعه إليها بالحبال، وخدمه هو وأخوه شيركوه، فاعتدها يداً لهما. ثم أقام له السفن حتى عبر دجلة؛ وتبعه أصحابه فأحسن إليهم وسيرهم إليه.
فبلغ ذلك الأمير مجاهد الدين بهروز فأنكر عليه وأخرجه من قلعة تكريت، فسار هو وشيركوه إلى عماد الدين زنكي، وهو يومئذ صاحب الموصل، فأكرمهما وأقطعهما إقطاعاً، وتقدما عنده. فلما ملك بعلبك جعل نجم الدين دزدارها، فأقام بها إلى أن قتل عماد الدين زنكي وحصر عسكر دمشق بعلبك لأخذها لصاحب دمشق، مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن ظهير الدين طغتكين الأتابك. فبعث إلى سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي بالموصل يعرفه ويطلب منه عسكرا فلم يجبه؛ فسلم بعلبك لصاحب دمشق على إقطاع، وصار أحد أمراء دمشق.
وأما شيركوه فإنه لما خدم عماد الدين زنكي تمكن منه، بواسطة الوزير جمال الدين الأصفهاني، إلى أن قتل، فتعلق بخدمة ابنه نور الدين محمود بن زنكي وتخصص
به، حتى عظمت منزلته عنده. وصار معه إلى حلب فأقطعه وأنعم عليه، ثم أعطاه مدينة الرحبة وتدمر إلى أن جهزه إلى مصر وعاد منها وهو كثير الذكر لها، فخافه نور الدين وصرفه عنه وأعطاه مدينة حمص، وجعله مقدم عسكره إلى أن قدم مصر وملكها كما تقدم إلى أن مات؛ فدفن بالقاهرة، ثم نقل منها إلى المدينة النبوية بعد مدة.
ولما احتضر قال: من ههنا؟ فقال الطواشي بهاء الدين قراقوش: عبدك قراقوش. فقال: بارك الله فيك، الحمد لله الذي بلغنا من هذه الديار ما أردنا، ومتنا وأهلها راضون عنا. أوصيكم لا تفارقوا سور القاهرة حتى تطير رءوسكم، واحذروا من التفريط في الأسطول.
ولما توفي أسد الدين افترق أهل القصر وحواشي الخليفة العاضد من الأستاذين وغيرهم فرقتين. فأما إحداهما وكبيرهم الأستاذ صنيعة الملك مؤتمن الخلافة جوهر فإنهم قالوا قد مات أسد الدين المهدد به في الشرق والغرب ولم يحدث إلا خير، ومن الرأي أن نمسك مخلفته ونضيف إليها من جياد فرسان الغز ما تكون جملته ثلاثة آلاف فارس، ونقدم عليهم بهاء الدين قراقواش، وننزلهم بالشرقية، ونجعلها بأجمعها إقطاعاً لهم يسكنون بها، فيصيرون بيننا وبين الفرنج الذين طمعوا في البلاد، يقاتلون عن حرمهم
وإقطاعاتهم. ويرتب مولانا من أجناد الديار المصرية من ينتفع به، ولا يقيم وزيراً تثقل وطأته ويشارك الخليفة في أمره، بل يجعل صاحب وساطة بين الناس وبين الخليفة.
وقالت الطائفة الأخرى لا وحق الله، ما يكون وزير مولانا إلا ابن أخي وزيره الذي هو منه وإليه، يعنون صلاح الدين، وإذا بقي المذكور أقام معه قراقوش وغيره من المعتبرين.
وكذلك وقع في عسكر أسد الدين، فإن شهاب الدين محمود الحارمي، خال صلاح الدين، والأمير عبد الدولة ياروق الياروقي وأخاه الأمير بهاء الدولة والأمير قطب الدين خسرو بن تليل، والأمير سيف الدين علي بن أحمد الهكاري المشطوب طلب كل منهم الوزارة لنفسه وجمع أصحابه ليغالب عليها.
واجتمع مماليك أسد الدين، وهم خمسمائة، على صلاح الدين وطلبوا وزارته، وتحدثوا بأن أسد الدين أوصى إليه، فبعث العاضد إليهم وسأل الأمراء من يصلح للوزارة؛ فسار إليه شهاب الدين محمود الحارمي وأرشده إلى تولية صلاح الدين. وكان العاضد قد مال إليه وقال لأصحابه من الأستاذين وغيرهم لما اختلفوا، كما تقدم ذكره، والله إني لأستحي من تسريح صلاح الدين وما بلغت غرضاً في حقه لقرب عهد مقام عمه. فأرسل إليه وخلع عليه خلع الوزارة بالعقد والجوهر، وحنكه، ونعته بالملك الناصر، وذلك في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من جمادى الآخرة.
وصفة الخلعة ثوب أبيض دبيقي بطرازين ذهبا، وطيلسان مقور بطراز ذهب دقيق، وعمامة بيضاء مذهبة، وفي عنقه العقد الجوهر وقيمته عشرة آلاف دينار؛ وقد تقلد سيف الوزارة وقيمته خمسة آلاف دينار. وركب فرسا حجرةً صفراء من مراكب العاضد قيمتها ثمانية آلاف دينار، وعليها سرفسار ذهب مجوهر، وأعلاقها من سبتة، وفي عنقها مشدة بيضاء برأسها مائتا حبة جوهراً وفي أربع قوائمها أربعة عقود من جوهر، وعلى رأسه قصبة ذهب في رأسها طلعة مجوهرة ومشدة بيضاء بأعلام ذهب. وحمل بين يديه عدة بقج فيها أنواع من الثياب، وقيد معه أيضا عدة خيول؛ ومنشور الوزارة ملفوف في ثوب أطلس أبيض بخط القاضي الفاضل ومن إنشائه؛ وقرأه الجليس ابن عبد القوي. وهو كبير جداً وعلى رأسه بخط العاضد: هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته عند الله سبحانه عليك؛ فأوف بعهدك ويمينك، وخذ كتاب أمير المؤمنين ناهضا بيمينك، ولمن مضى بجدنا رسول الله أحسن أسوة، ولمن بقى بقربنا أعظم سلوة. " تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيِدُونَ عُلُوّاً في الأَرْضِ وَلَا فَسَاداً والْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ". فكان آخر منشور كتب عن العاضد.
ولما نزل صلاح الدين إلى دار الوزارة لم يطعه أحد من الأمراء النورية ولا خدموه، فسعى الفقيه عيسى الهكاري في الإصلاح بينه وبينهم، وبدأ بالمشطوب فقال له: هذا الأمر لا يصل إليك مع وجود عين الدولة والحارمي وابن تليل. ثم قصد الحارمي
وقال له: هذا صلاح الدين ابن أختك، وعزه وملكه لك، وقد استقام له الأمر، فلا تكن أول من يسعى في إخراجه عنه ولا يصل إليك. وما زال بهم حتى مالوا إليه وأطاعوا بأجمعهم إلا عين الدولة فإنه قال لا أخدم يوسف أبداً، وخرج من القاهرة بجماعة وصار إلى نور الدين بالشام.
فلما بلغ نور الدين استيلاء صلاح الدين أقام ثلاثة أيام لا يقدر أحد أن يراه من شدة ما عظم عليه ذلك وأغضبه.
واستمال صلاح الدين قلوب الناس، وساس الأمور وكاتب الأطراف، وأقبل على الجد، وتاب عن الخمر، وأعرض عن اللهو، وتقرب إلى الخليفة العاضد بما يرضيه فأحبه وأدناه حتى كان يدخله إليه القصر راكباً ويقيم عنده بالقصر عدة أيام. وعظم في الدولة حتى حسده الأمراء وباينه جماعة منهم وتوجهوا إلى الشام. وشرع في استمالة قلوب الناس إليه فبذل فيهم المال وأخرج ما كان في خزائن عمه أسد الدين؛ واستدعى من العاضد فأمده بشيء كثير من المال، فكان أمره في زيادة وقوة وأمر العامة في نقص وضعف.
وركب العاضد ومعه الملك الناصر صلاح الدين يوسف في غرة شهر رمضان، وحمل العادل أبو بكر السيف. ثم ركب أيضا جمعتين في شهر رمضان إلى الجامع الأزهر والجامع الأنور على العادة، وركب في عيد الفطر.
وأرسل إلى نور الدين يسأله في إرسال أبيه وأخيه فلم يجبه إلى ذلك.
وصارت الخطبة بديار مصر للعاضد ومن بعده للملك العادل نور الدين، وهو في الظاهر ملك الديار المصرية وصلاح الدين لا يتصرف إلا عن أمره كالنائب في الأمر عنه؛ ونور الدين لا يفرده بكتاب، بل يكتب: الأمير الأسفهلار صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية يفعلون كذا؛ ويجعل علامته على رأس الكتاب تعظيماً لنفسه وترفعاً عن أن يكتب اسمه.
وعندما بلغه وفاة أسد الدين شق عليه استيلاء صلاح الدين، وتتبع أصحابه وأصحاب أسد الدين، وأخذ إقطاع صلاح الدين وإقطاع أسد الدين، ومنع نوابه من التصرف في حمص، وأبعد أهاليهم واستثقلهم وطردهم عنه. وكتب إلى الأمراء بمصر بمفارقته وتركه بمصر وحيداً ليوهن أمره. وشرع يذمه ويذكره بالسوء ويعنته في الطلب بحمل الأموال إليه، وصار كثيراً ما يقول: ملك ابن أيوب ويستعظم ذلك احتقاراً له.
وثقل ذلك على أهل الدولة وحواشي الخليفة العاضد، فإنه أقطع أصحابه أجل البلاد وآواهم، وأبعد أهل مصر وأضعفهم، واستبد بجميع الأمور ومنع العاضد من التصرف؛ ففطن العاضد لما يريد من إزالة الدولة. فثار الأستاذ مؤتمن الخلافة، وهو يومئذ من أكابر خدام القصر، وبعث بمكاتبة إلى الفرنج يستنجد بهم على الغز، ويحثهم على قصد البلاد ليخرج إليهم صلاح الدين بعساكره فيثور عند ذلك بصعيد مصر وطوائف العسكر،
ويصير صلاح الدين محصوراً بين الفرنج وبينهم فيأخذونه ويتلفون من معه. ووافقه على ذلك جماعة.
وبعث رجلاً بالكتاب إلى الفرنج بعد ما جعله في نعل كي لا يعثر عليه. فلما وصل الرجل إلى البئر البيضاء قريباً من بلبيس، ظفر به بعض أصحاب صلاح الدين ومعه نعلان جديدان في يده، فارتاب لما رآه من سوء حاله وحسن النعلين، وعلم أنهما لا يليقان به، ولو كانا من ملابسه لكان تبين فيهما أثر الاستعمال. فأخذهما منه وفتحهما فوجد فيهما الكتب إلى الفرنج، فتقرب بذلك إلى صلاح الدين، وحضر بالرجل والكتب إليه؛ فكتم ذلك، وتتبع من كتب الكتب حتى أحضر إليه برجل يهودي، فلما خاف منه أسلم وأخبره الخبر.
فبلغ ذلك مؤتمن الخلافة وخشي على نفسه، فلزم القصر وامتنع من الخروج مدة وصلاح الدين لا يلتفت إليه، فاغتر بإعراضه عنه وخرج إلى منظرة له على النيل، بستان بناحية الخرقانية قريباً من قليوب. فأرسل إليه صلاح الدين بجماعة من أصحابه هاجموه وقتلوه، وصاروا إليه برأسه، وذلك في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة؛ وجعل زمام القصور عوضه الطواشي بهاء الدين قراقوش الأسدي. فغضب لقتله السودان وحرك منهم ما كانوا يتكتمونه؛ فاجتمعوا لحرب صلاح الدين في سادس عشريه، صبيحة قتل مؤتمن الخلافة، وقد صاروا في جمع كثير من الأمراء المصريين وعوام البلد يزيد على الخمسين ألفاً، وزحفوا إلى دار الوزارة.
فبدر إليهم فخر الدين شمس الدولة توران شاه، وركب صلاح الدين بعساكره وقد تجمعت الريحانية والجيوشية والفرجية ومن انصاف إليها في بين القصرين، وخرجت إليهم الأرمن؛ فوقع بين الفريقين قتال عظيم استظهر فيه العبيد على الغز، والعاضد
في المنظرة يشرف على الوقعة. فلما تبين الغلب للعبيد وكادوا أن يهزموا الغز رمى أهل القصر بالنشاب والحجارة حتى امتنعوا عن مقاتلة العبيد، فنادى شمس الدولة النفاطين وأمرهم بإحراق المنظرة التي فيها العاضد فطيب قارورة وصوب على المنظرة بها، فإذا بباب الطاق قد فتح وخرج منه زعيم الخلافة، أحد الأستاذين الخواص، وقال: أمير المؤمنين يسلم على شمس الدولة ويقول دونكم والعبيد الكلاب أخرجوهم من بلادكم. فلما سمع العبيد ذلك، وكان قد قتل أحد مقدميهم، وبعث صلاح الدين في أثناء محاربته لهم إلى حارة السودان خارج باب زويلة، المعروفة بالمنصورة، فأحرقها وتلفت أموالهم وهلكت أولادهم وحرمهم؛ ضعفت لهذه الأمور أنفس العبيد، وانهزموا بعد ما ثبتوا يومين، وتعين لهم الفل. فركب الغز أقفيتهم يقتلون ويأسرون، إلى أن وصوا إلى السيوفية وثبتوا هنالك، فألقى شمس الدولة النيران في المواضع التي امتنعوا بها.
وأحرق أيضاً دار الأرمن التي كانت بين القصرين، وكان بها خلق كثير من الأرمن كلهم رماة لهم جار، وكانوا في هذه الحروب قد أنكوا الغز بشدة رميهم ومنعوهم أن يتجاوزوا من موضعهم إلى محاربة العبيد، فلما احترقت عليهم الدار لم يكد يفلت منهم أحد. فالتجأ العبيد إلى عدة أماكن، وكلما امتنعوا بموضع ألقى فيه الغز النار وقاتلوهم، حتى صاروا إلى باب زويلة وأخذت عليهم أفواه السكك وقد وهنوا ولم يجدوا لهم ملجأ. فصاحوا وطلبوا الأمان، فأمنوا على ألا يبقى منهم أحد بالقاهرة؛ فخرجوا بأجمعهم إلى الجيزة. ومال الغز على أموالهم وديارهم واستباحوا جميع ما فيها؛ وذلك يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة. فما هو إلا أن صاروا بالجيزة حتى عدى إليهم شمس الدولة بالعسكر فأبادهم حصداً بالسيف، ولم ينج منهم إلا الشريد. وأمر صلاح الدين بتخريب المنصورة وصيرها بستانا؛ فمضى العبيد وذهبت آثارهم من مصر.
وقوي صلاح الدين، وتلاشى العاضد وانحل أمره، ولم يبق له سوى إقامة ذكره في الخطبة. ووالي صلاح الدين الطلب من العاضد في كل يوم ليضعفه، فأتى على المال والخيل والرقيق وغير ذلك، حتى ان العاضد كان في بعض الأيام بالبستان الكافوري وإذا بقاصد صلاح الدين قد وافاه يطلب منه فرساً وهو راكب، فقال ما عندي إلا الفرس الذي أنا راكبه، ونزل عنه، وشق خفيه ورمى بهما وسلم إلى القاصد الفرس وعاد إلى قصره ماشياً، فلزم مجلسه ولم يعد بعدها يركب حتى مات.
وأخرج صلاح الدين خاله الأمير شهاب الدين الحارمي إلى الصعيد يتبع من فر من العبيد فأفناهم، ولم يبق منهم بديار مصر إلا من اختفى، بعد أن كانت البلاد كلها لا تخلو مدينة ولا محلة من أن يكون فيها مكان معد للعبيد، محمي لا يدخله وال ولا غيره. وكان منهم ضرر على الناس.
وأخذ صلاح الدين في القبص على دور العبيد والأرمن والأمراء، وأسكن فيها أصحابه معه بالقاهرة.
وكان قاع النيل في هذه السنة ست أذرع وثماني أصابع، وبلغ ثمان عشرة ذراعا.