الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَبَا الْحصين بن ضَمْضَم وَأَبا أَخِيه هرم وَلذَلِك قَالَ فِي هَذِه القصيدة
(وَلَقَد خشيت بِأَن أَمُوت وَلم تدر
…
للحرب دَائِرَة على ابْني ضَمْضَم)
(الشاتمي عرضي وَلم أشتمهما
…
والناذرين إِذا لم القهما دمي)
(إِن يفعلا فَلَقَد تركت أباهما
…
جزر السبَاع وكل نسر قشعم)
وَهَذَا آخر الْمُعَلقَة قَالَ أَبُو عُبَيْدَة إِن عنترة بعد مَا أوت عبس إِلَى غطفان بعد يَوْم جبلة وَحمل الدِّمَاء احْتَاجَ وَكَانَ صَاحب غارات فَكبر وَعجز عَنْهَا وَكَانَ لَهُ يَد على رجل من غطفان فَخرج يتجازاه فَمَاتَ فِي الطَّرِيق وَنقل عَن أبي عُبَيْدَة أَيْضا أَن طيئا تَدعِي قتل عنترة ويزعمون أَن الَّذِي قَتله الْأسد الرهيص وَهُوَ الْقَائِل (الوافر)
(أَنا الْأسد الرهيص قتلت عمرا
…
وعنترة الفوارس قد قتلت)
وَالله أعلم والعنتر فِي اللُّغَة الذُّبَاب الْأَزْرَق الْوَاحِد عنترة قَالَ سِيبَوَيْهٍ نونه لَيست بزائدة وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الثَّالِث عشر
(الرجز)
(فِي كلت رِجْلَيْهَا سلامى زائده
…
كلتاهما قد قرنت بواحده)
على أَن كلت أَصْلهَا كلتا حذفت الفها ضَرُورَة وفتحة التَّاء دَلِيل عَلَيْهَا رَأَيْت فِي حَاشِيَة الصِّحَاح أَن هَذَا الْبَيْت من رجز يصف بِهِ نعَامَة
فضمير رِجْلَيْهَا عَائِد على النعامة والسلامى على وزن حبارى عظم فِي فرسن الْبَعِير وَعِظَام صغَار طول إِصْبَع أَو أقل فِي الْيَد وَالرجل وَالْجمع سلاميات والفرسن بِكَسْر أَوله وثالثه هُوَ للبعير بِمَنْزِلَة الْحَافِر للْفرس وَالضَّمِير فِي كلتاهما للرجلين وَقَوله فِي كلت خبر مقدم والكسرة مقدرَة على الْألف المحذوفة وسلامى مُبْتَدأ مُؤخر وزائدة وَصفه وكلتاهما مُبْتَدأ وَمَا بعده الْخَبَر وَهَذَا المصراع تَأْكِيد للْأولِ وَفِيه قلب يَجْعَل الْمَجْرُور وَالْمَرْفُوع فِي الأول مَرْفُوعا ومجرورا فِي الثَّانِي أَي قرنت بِوَاحِدَة من السلاميات وَأوردهُ الشَّارِح مرّة ثَانِيَة هُنَا على أَن الْكُوفِيّين زَعَمُوا أَن كلت مُفْرد كلتا لَكِن هَذَا الْمُفْرد لم يسْتَعْمل وَيجوز اسْتِعْمَاله للضَّرُورَة كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت أَقُول الْكُوفِيُّونَ ذَهَبُوا إِلَى أَن كلا وكلتا فيهمَا تَثْنِيَة لفظية ومعنوية وأصلهما كل فَكسرت الْكَاف وخففت اللَّام وزيدت الْألف للتثنية وَالتَّاء للتأنيث وَقد بَين الشَّارِح مَذْهَبهم وَاسْتَدَلُّوا على أَنَّهُمَا مثنيان لفظا وَمعنى وَأَن ألفهما للتثنية
بِالسَّمَاعِ وَالْقِيَاس أما السماع فنحو هَذَا الْبَيْت فأفرد كلت وَهِي بِمَعْنى إِحْدَى فَدلَّ عَن أَن كلتا تَثْنِيَة وَأما الْقيَاس فَقَالُوا الدَّلِيل على أَن ألفهما للتثنية أَنَّهَا تنْقَلب إِلَى الْيَاء فِي النصب والجر إِذا أضيفا إِلَى الْمُضمر وَلَو كَانَت ألف قصر لم تنْقَلب وَذهب البصريون إِلَى أَنَّهُمَا ليستا بمأخوذتين من كل لِأَن كلا للإحاطة وهما لِمَعْنى مَخْصُوص لَيْسَ أحد القبيلين مأخوذا من الآخر بل مادتهما الْكَاف وَاللَّام وَالْوَاو وهما مفردان لفظا مثنيان معنى وَالْألف فِي كلا كألف عَصا وَفِي كلتا للتأنيث وَيدل لما قَالُوا عود الضَّمِير إِلَيْهِمَا تَارَة مُفردا حملا على اللَّفْظ وَتارَة مثنى حملا على الْمَعْنى وَقد اجْتمعَا فِي قَوْله
(الْبَسِيط)
(كِلَاهُمَا حِين جد الجري بَينهمَا
…
قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي وَلَو كَانَا مثنيين حَقِيقَة للزمهم أَمْرَانِ)
الأول كَانَ يجب عود الضَّمِير إِلَيْهِمَا مثنى مَعَ أَن الْحمل على اللَّفْظ فيهمَا أَكثر من الْحمل على الْمَعْنى ونظيرهما كل فَإِنَّهُ يجوز عود الضَّمِير إِلَيْهَا مُفردا بِالنِّسْبَةِ إِلَى لَفظهَا نَحْو كل الْقَوْم ضَربته وَعوده جمعا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْنَاهَا نَحْو كل الْقَوْم ضربتهم لَكِن الْحمل على الْمَعْنى فِيهِ أَكثر من الْحمل على اللَّفْظ عكس كلا وكلتا الثَّانِي كَانَ يمْتَنع نَحْو كلا أخويك لِأَنَّهُ يلْزم إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه وَيدل على أَن ألفهما ألف مَقْصُورَة إمالتها كَمَا قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَخلف بإمالة قَوْله تَعَالَى {إِمَّا يبلغن عنْدك الْكبر أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا} وَقَوله تَعَالَى {كلتا الجنتين آتت أكلهَا} فَلَو كَانَت للتثنية لما جَازَ إمالتها
وَأَجَابُوا عَن الدَّلِيل الأول بِأَنَّهُ لَا حجَّة فِي الْبَيْت فَإِن أَصله كلتا، حذفت الْألف ضَرُورَة وَاكْتفى عَنْهَا بفتحة التَّاء، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:(الرجز)
(وصاني العجاج فِيمَا وصني)
أَرَادَ وصاني. وَقَالَ الآخر: (الوافر)
(فلست بمدرك مَا فَاتَ مني
…
بلهف وَلَا بليت وَلَا لَو أَنِّي)
أَرَادَ بلهفى، فحذفت الْألف مِنْهُمَا ضَرُورَة، مثله كثير. أَقُول: استدلالهم بِهَذَا الْبَيْت على الْإِفْرَاد يردهُ مَعْنَاهُ، فَإِن الْمَعْنى على التَّثْنِيَة، بِدَلِيل تأكيده بالمصراع الثَّانِي، فَتَأمل.
وَأَجَابُوا عَن الدَّلِيل الثَّانِي بِأَنَّهَا إِنَّمَا قلبت فِي حَال الْإِضَافَة إِلَى الْمُضمر لوَجْهَيْنِ: " أَحدهمَا ": أَنه لما كَانَ فيهمَا إِفْرَاد لَفْظِي وتثنية معنوية، وَكَانَا تَارَة يضافان إِلَى الْمظهر وَتارَة إِلَى الْمُضمر، جعلُوا لَهما حظاً من حَالَة الْإِفْرَاد وحظاً من حَالَة التَّثْنِيَة. وَإِنَّمَا جعلوهما مَعَ الْإِضَافَة إِلَى الْمظهر بِمَنْزِلَة الْمُفْرد لِأَن الْمُفْرد هُوَ الأَصْل؛ وجعلوهما مَعَ الْإِضَافَة إِلَى الْمُضمر بِمَنْزِلَة التَّثْنِيَة لِأَن الْمُضمر فرع والتثنية فرع، فَكَانَ الْفَرْع أولى بالفرع. و" الثَّانِي ": أَنه لم تقلب ألفهما مَعَ الْمظهر لِأَنَّهُمَا لزمتا الْإِضَافَة وجر الِاسْم بعدهمَا، فأشبهتا لَدَى، وَإِلَى، وعَلى. وكما أَن هَذِه الثَّلَاثَة لَا تقلب ألفها مَعَ الْمظهر وتقلب مَعَ الْمُضمر، وَكَانَ " كلا " و" كلتا " كَذَلِك. وَيدل على صِحَة ذَلِك أَن الْقلب فيهمَا يخْتَص بِحَالَة النصب والجر دون الرّفْع، لِأَن لديك إِنَّمَا تسْتَعْمل فِي حَالَة النصب والجر، دون الرّفْع، فَلهَذَا الْمَعْنى كَانَ الْقلب مُخْتَصًّا بهما دون حَالَة الرّفْع.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْإِنْصَاف وَهَذَا الْوَجْه أوجه الْوَجْهَيْنِ وَبِه علل أَكثر الْمُتَقَدِّمين قَالَ وَالدَّلِيل على أَن الْألف فيهمَا لَيست للتثنية أَنَّهَا لَو كَانَت للتثنية لانقلبت فِي حَالَة النصب والجر إِذا أضيفتا إِلَى الْمظهر لِأَن الأَصْل هُوَ الْمظهر والمضمر فَرعه فَلَمَّا لم تنْقَلب دلّ على أَنَّهَا ألف مَقْصُورَة لَا أَنَّهَا للتثنية وَالله أعلم هَذَا وَقد قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته هَذَا الْبَيْت من اضطرار الشُّعَرَاء وكلت لَيْسَ بِوَاحِد كلتا بل هُوَ جَاءَ بِمَعْنى كلا غير أَنه أسقط الْألف اعْتِمَادًا