الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ بِدَابَّة فِي الْبَحْر تسمى قُريْشًا لَا تدع دَابَّة إِلَّا أكلتها فدواب الْبَحْر كلهَا تخافها قَالَ المشمرج بن عَمْرو الْحِمْيَرِي (الْخَفِيف)
(وقريش هِيَ الَّتِي تسكن الْبَحْر
…
بهَا سميت قُرَيْش قُريْشًا)
سادسها قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان سَمِعت أَن قصيا كَانَ يُقَال لَهُ الْقرشِي لم يسم قرشي قبله سابعها أَنهم كَانُوا يفتشون الْحَاج عَن خلتهم فيسدونها وَيعلم من هَذِه الْأَقْوَال أَن كَون قُرَيْش أَبَا إِنَّمَا هُوَ على القَوْل الثَّالِث وَالرَّابِع وَالسَّادِس وأنشده بعده
(جذب الصراريين بالكرور)
على أَن جمع التكسير لَا يمْتَنع جمعه جمع سَلامَة فَإِن الصراري جمع صراء وَهُوَ جمع تكسير وَقد جمع على الصراريين جمع سَلامَة وَتقدم مَا فِيهِ مشروحا فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين فَرَاجعه وَأنْشد بعده
وَهُوَ الشَّاهِد الثَّلَاثُونَ
وَهُوَ من شَوَاهِد س (الْكَامِل)
(وَإِذا الرِّجَال رَأَوْا يزِيد رَأَيْتهمْ
…
خضع الرّقاب نواكسي الْأَبْصَار)
على أَن جمع التكسير نَحْو نواكس لَا يمْتَنع جمعه جمع سَلامَة كنواكسين كَمَا ذكره أَبُو عَليّ فِي الْحجَّة أَقُول ذكره أَبُو عَليّ فِي إِعْرَاب الشّعْر أَيْضا وَأعلم أَن الْكَلَام على هَذِه الْكَلِمَة من ثَلَاثَة وُجُوه أَحدهَا أَن نواكس جمع ناكس وَهُوَ المطأطئ رَأسه وفاعل إِذا كَانَ اسْما نَحْو كَاهِل أَو صفة مؤنث سَوَاء كَانَ مِمَّن يعقل نَحْو حَائِض أَو مِمَّن لَا يعقل نَحْو نَاقَة حاسر إِذا أعيت أَو صفة مُذَكّر غير عَاقل نَحْو صاهل يجمع قِيَاسا على فواعل تَقول كواهل وحوائض وحواسر وصواهل أما إِذا كَانَ صفة لمذكر عَاقل لَا يجمع على فواعل وَقد شذت أَلْفَاظ خَمْسَة وَهِي ناكس ونواكس وَفَارِس وفوارس نَحْو (الْبَسِيط)
(لَوْلَا فوارس من نعم وأسرتهم) وهالك وهوالك قَالُوا هَالك فِي الهوالك وغائب وغوائب وَشَاهد وشواهد قَالَ عتبَة بن الْحَارِث لجزء بن سعد (الوافر)
(أحامي عَن ديار بني أبيكم
…
ومثلي فِي غوائبكم قَلِيل)
فَقَالَ لَهُ جُزْء نعم وَفِي شواهدنا فَجمع عتبَة غَائِبا على غوائب وَجمع جُزْء شَاهدا على شَوَاهِد وَقد وجهت بتوجيهات أما الأول فقد حمله سِيبَوَيْهٍ على اعْتِبَار التَّأْنِيث فِي الرِّجَال قَالَ لِأَنَّك تَقول هِيَ الرِّجَال كَمَا تَقول هِيَ الْجمال فشبهه بالجمال وَمِنْه أَخذ أَبُو الْوَلِيد فَقَالَ فِي شرح كَامِل الْمبرد هَذَا مخرج على غير الضَّرُورَة وَهُوَ أَن تُرِيدُ بِالرِّجَالِ جماعات الرِّجَال فَكَأَنَّهُ جماعات نواكس وَوَاحِدَة جمَاعَة ناكسة فَيكون مقيسا جَارِيا على بَابه كقائله وقوائل
وَوَجهه ابْن الصَّائِغ على أَنه صفة للأبصار
من جِهَة الْمَعْنى لِأَن الأَصْل قبل النَّقْل نواكس أَبْصَارهم وَالْجمع فِي هَذَا قبل النَّقْل سَائِغ لِأَنَّهُ غير عَاقل فَلَمَّا نقل تركُوا الْأَمر على مَا كَانَ عَلَيْهِ لِأَن الْمَعْنى لم ينْتَقل وَأما الثَّانِي فَقَالُوا إِنَّه من الصِّفَات الَّتِي اسْتعْملت اسْتِعْمَال الْأَسْمَاء فَقرب بذلك مِنْهَا وَلِأَنَّهُ لَا لبس فِيهِ لما ذكر سِيبَوَيْهٍ من أَن الْفَارِس فِي كَلَامهم لَا يَقع إِلَّا للرِّجَال وَأما الثَّالِث فوجهه أَنه جرى عِنْدهم مجْرى الْمثل وَمن شَأْن الْأَمْثَال أَن لَا تغير عَن أَصْلهَا وَأما الرَّابِع وَالْخَامِس فوجههما يعلم مِمَّا وَجه بِهِ الشلوبين هوالك ونواكس فَإِنَّهُ يجْرِي فِي جَمِيع مَا جَاءَ من هَذَا وَهُوَ قَوْله قد عرف بقَوْلهمْ أَولا هَالك أَنه إِنَّمَا يُرِيد الْمُذكر وَكَذَلِكَ بقوله وَإِذا الرِّجَال رَأَوْا يزِيد قَالَ فَصَارَ ذَلِك مِمَّا تقدم ذكره من قَوْلهم فَارس فِي الفوارس وَإِن لم يكن مثله فِي الْجُمْلَة لِأَن الْمَعْنى الَّذِي يتضمنه نواكس يصلح للمذكر والمؤنث وَالْمعْنَى الَّذِي يتضمنه الفوارس لَا يصلح إِلَّا للمذكر هَذَا قَوْله وَهُوَ جَار فِي الْأَخيرينِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيد فِيمَن غَابَ من رجالكم وَلم يرد أَن مثله فِي نِسَائِهِم قَلِيل فعين أَنه يُرِيد الْمُذكر من جِهَة قَصده فَصَارَ كالفوارس قَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية وَطَرِيقَة الْمبرد فِي جَمِيع مَا جَاءَ شاذا من هَذَا النَّوْع أَن فواعل هُوَ الأَصْل فِي الْجَمِيع وَإِنَّمَا منع مِنْهُ خوف اللّبْس فَإِذا اضطروا راجعوا الأَصْل كَمَا يراجعونه فِي سَائِر الضرورات وَكَذَلِكَ حَيْثُ أمنُوا الإلباس ا. هـ.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل بعد مَا أورد بَيت الشَّاهِد
وَفِي هَذَا الْبَيْت شَيْء يسطرفه النحويون وَهُوَ أَنهم لَا يجمعُونَ مَا كَانَ من فَاعل نعتا على فواعل لِئَلَّا يلتبس بالمؤنث لَا يَقُولُونَ ضَارب وضوارب لأَنهم قَالُوا ضاربة وضوارب وَلم يَأْتِ هَذَا إِلَّا فِي حرفين أَحدهمَا فَارس لِأَن هَذَا مِمَّا لَا يسْتَعْمل فِي النِّسَاء فامنوا الالتباس وَيَقُولُونَ فِي الْمثل هُوَ هَالك فِي الهوالك فأجروه على أَصله لِكَثْرَة
الِاسْتِعْمَال لِأَنَّهُ مثل فَلَمَّا احْتَاجَ الفرزدق لضَرُورَة الشّعْر أجراه على أَصله فَقَالَ نواكسي الْأَبْصَار وَلَا يكون مثل هَذَا أبدا إِلَّا ضَرُورَة ا. هـ.
وَفِيه أَنه كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقيد النَّعْت بِمن يعقل وَلكنه أطلق لشهرته وَفِيه أَيْضا أَن المسموع خَمْسَة لَا ثَلَاثَة كَمَا تقدم ثمَّ رَأَيْت فِي شرح أدب الْكَاتِب للجواليقي زِيَادَة على هَذِه الْخَمْسَة وَهِي حارس وحوارس وحاجب وحواجب من الحجابة نقلهما عَن ابْن الْأَعرَابِي ثمَّ قَالَ وَمن ذَلِك مَا جَاءَ فِي الْمثل مَعَ الخواطئ سهم صائب وَقَوْلهمْ أما وحواج بَيت الله ودواجه جمع حَاج وداج والداج الأعوان والمكارون وَحكى الْمفضل رافد وروافد وَأنْشد (الطَّوِيل)
(إِذا قل فِي الْحَيّ الْجَمِيع الروافد)
فالجميع إِحْدَى عشرَة كلمة الْوَجْه الثَّانِي أَن الْمَشْهُور فِي رِوَايَة هَذِه الْكَلِمَة نواكس بِدُونِ جمعهَا جمع سَلامَة وَبِه اسْتشْهد س وَصَاحب الْجمل وَقَالا كَانَ الْقيَاس أَن يجمع ناكس على أنكاس أَو نكس وَكَأَنَّهُ حمله على تَأْنِيث الْجمع وَقد رَوَاهَا جمَاعَة جمعهَا بِجمع السَّلامَة قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح كَامِل الْمبرد وَهَذَا أطرف
وَأغْرب من جمع ناكس على نواكس فَإِنَّهُ غَرِيب جدا لِأَن الْخَلِيل يرى أَن هَذَا الْبناء نِهَايَة الْجمع وَقَالَ فِي شرح أَبْيَات الْجمل وَلما كَانَ الْجمع الَّذِي ثالثه ألف وَبعده حرفان أَو ثَلَاثَة لَا يتهيا تكسيرة لِأَنَّهُ نِهَايَة التكسير وَأُرِيد جمعه لم يكن ذَلِك إِلَّا بِأَن يجمع جمع سَلامَة لِأَنَّهُ لَا يُغير الِاسْم عَن لَفظه قَالَ الجاربردي فِي شرح الشافية بعد مَا قَالَ ابْن الْحَاجِب وَقد بِجمع الْجمع أَي جمع تكسير وَجمع تَصْحِيح بِالْألف وَالتَّاء وَأفَاد بقد أَنه لَا يطرد قِيَاسا لكنه كثير فِي جمع الْقلَّة قَلِيل فِي جمع الْكَثْرَة إِلَّا بِالْألف وَالتَّاء الْوَجْه الثَّالِث أَنه يتَرَاءَى فِي ظَاهر الْأَمر تدافع بَين هَذَا الْوَزْن من جمع التكسير
وَبَين جمع التَّصْحِيح فَإِن الأول مَوْضُوع للكثرة وَالثَّانِي للقلة وَقد سَأَلَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة عَن هَذَا فَقَالَ فَإِن قلت فقد قَالُوا
(فهن يعلكن حدائدداتها)
وَقَالُوا
(قد جرت الطير أيامنينا)
وَقَالُوا صواحبات يُوسُف ومواليات الْعَرَب وَقَالَ الفرزدق
(خضع الرّقاب نواكسي الْأَبْصَار)
فِيمَن رَوَاهُ بِالْيَاءِ فَفِي هَذَا على قَوْلك اجْتِمَاع الضدين وَهُوَ دلَالَة الْمِثَال على الْكَثْرَة مَعَ جُمُعَة بِالْوَاو وَالنُّون وَالْألف وَالتَّاء وكل وَاحِد مِنْهُمَا على مَا قدمت مَوْضُوع للقلة وَأجَاب عَنهُ بقوله قيل لَا يكون مُفِيد الْقلَّة فِي الْقلَّة كَأَن لَا يُوجد الْبَتَّةَ الا ترى أَن نفس نواكس وَصَوَاحِب يُفِيد بِنَفسِهِ مُفْرد الْكَثْرَة أفتراه إِذا جمع جمع الْقلَّة يصيره ذَلِك أَن يكون أقل
من أَن لَا يجمع أصلا قد كَفاهُ مَوْضُوعه للكثرة من احْتِيَاجه إِلَى تَثْنِيَة فضلا عَن جمع قلَّة أَو تجَاوز بِهِ إِلَى مِثَال كَثْرَة كَمَا أَن الْمُضمر الْمَجْرُور وَإِن ضعف عَن عطف الْمظهر عَلَيْهِ بِغَيْر إِعَادَة حرف جر مَعَه فَإِنَّهُ لَا يضعف عَن توكيده كمررت بِهِ نَفسه وَذَلِكَ أَنه لَا يبلغ بِهِ الضعْف أَن يكون أقل من لَا شَيْء وَأَنت لَو قلت مَرَرْت بِنَفسِهِ لَكَانَ قولا جَائِزا فاعرف هَذَا النَّحْو انْتهى كَلَامه وَهَذِه عبارَة قلقة يتعسر فهم المُرَاد مِنْهَا فَيَنْبَغِي شرحها فَقَوله فَفِي هَذَا على قَوْلك اجْتِمَاع الضدين إِلَخ أَقُول لَا يخفى عَلَيْك أَن هَذَا لَيْسَ على ظَاهره بل إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَة اعْتِرَاض بالترديد بَين المحذورين ذكر أَحدهمَا لظُهُوره وَترك الآخر اعْتِمَادًا على فهم من لَهُ حَظّ من قانون المناظرة وَإِلَّا فَلَا يتم التَّقْرِيب أصلا كَمَا لَا يخفى وَتَقْرِيره أَن هَذَا الْجمع لَو جمع جمع الْقلَّة يلْزم أحد المحذورين إِمَّا إجتماع الضدين على تَقْدِير أَن يكون الْقلَّة وَالْكَثْرَة موجودتين
مَعًا أَو كَون مُفِيد الْقلَّة كَانَ لَا يُوجد على تَقْدِير إعدام الْقلَّة وَلم يتَعَرَّض لكَون مُفِيد الْكَثْرَة كَانَ لَا يُوجد لِأَنَّهُ لَا خَفَاء فِي امْتِنَاعه ضَرُورَة بَقَاء الْكَثْرَة على حَالهَا بعد أَن جمع جمع الْقلَّة وَقَوله قيل لَا يكون مُفِيد الْقلَّة فِي الْقلَّة كَأَن لَا يُوجد الْبَتَّةَ إِلَخ ظَاهره جَوَاب بِاخْتِيَار الشق الثَّانِي لَكِن يحصل مِنْهُ الْجَواب بِاخْتِيَار الشق الأول أَيْضا وَتَقْرِيره إِنَّا لَا نسلم لُزُوم كَون مُفِيد الْقلَّة كَانَ لَا يُوجد على تَقْدِير إعدام الْقلَّة بل إِنَّمَا يلْزم ذَلِك أَن لَو كَانَت الْقلَّة منتفية بِجَمِيعِ أَنْوَاعهَا وَذَلِكَ مَمْنُوع لِأَن وضع لفظ التكسير للكثرة يَقْتَضِي انْتِفَاء الْقلَّة المباينة لَهَا لَا الْقلَّة المجامعة مَعهَا وَلَا يلْزم من انْتِفَاء الأول انْتِفَاء الثَّانِي حَتَّى يكون مُفِيد الْقلَّة كَأَن لَا يُوجد وَلَا نسلم أَيْضا لُزُوم اجْتِمَاع الضدين على تَقْدِير وجودهما مَعًا بل إِنَّمَا يلْزم ذَلِك
أَن لَو كَانَت الْقلَّة الْبَاقِيَة بعد أَن جمع جمع الْقلَّة هِيَ الْقلَّة المباينة للكثرة الْمَذْكُورَة وَذَلِكَ أَيْضا مَمْنُوع بل مُقْتَضَاهُ اجْتِمَاع الْكَثْرَة مَعَ الْقلَّة المجامعة مَعهَا ضَرُورَة أَن لفظ الْقلَّة يُفِيد تقليل أَفْرَاد مدخولها لَا غير وهما ليسَا بضدين حَتَّى يلْزم من وجودهما مَعًا اجْتِمَاع الضدين وَقَوله أَلا ترى إِلَخ مَعَ قَوْله أفتراه إِلَخ تنوير لعدم كَون مُفِيد الْقلَّة كَانَ لَا يُوجد وَتَقْرِيره أَنَّك تعرف قطعا أَن نفس صَوَاحِب وأمثالها يُفِيد الْكَثْرَة بِنَفسِهِ مُفردا وتعرف أَيْضا أَن جمعه جمع الْقلَّة لَا يصيره إِلَى أقل من أَن لَا يجمع ذَلِك الْجمع أَي لَا يُغَيِّرهُ إِلَى حكم الْمُفْرد حَتَّى يكون جمع الْقلَّة مُفِيدا للقلة فِي الْمُفْردَات المباينة لتِلْك الْكَثْرَة كَيفَ لَا وَلَو كَانَ كَذَلِك يلْزم انْتِفَاء الْكَثْرَة مَعَ أَن وَضعه كَاف فِي ذَلِك من غير احْتِيَاج إِلَى تَثْنِيَة أَو جمع قلَّة أَو جمع كَثْرَة فَظهر لَك أَن ذَلِك الْجمع لإِفَادَة أَمر آخر زَائِد عَلَيْهِ وَهُوَ تَعْلِيل تِلْكَ الْكَثْرَة فَقَط فَلَمَّا كنت الْقلَّة المجامعة مَعَ تِلْكَ الْكَثْرَة بَاقِيَة على حَالهَا لم يكن مُفِيد الْقلَّة كَأَن لَا يُوجد الْبَتَّةَ وَقَوله كَمَا أَن الْمُضمر الْمَجْرُور إِلَخ تنظير لعدم تَغْيِير جمع الْقلَّة مَعَ الْكَثْرَة وَتَقْرِيره أَن امْتنَاع اجْتِمَاع الضدين نَظِير ضعف عطف الْمظهر على الْمُضمر بِغَيْر إِعَادَة الْجَار وَجمع الْقلَّة فِيمَا نَحن فِيهِ نَظِير تَأْكِيد الْمُضمر بِغَيْر إِعَادَة الْجَار فَكَمَا أَن ضعف الْعَطف الْمَذْكُور لكَونه كالعطف على بعض حُرُوف الْكَلِمَة لَا يُنَافِي جَوَاز التَّأْكِيد بِغَيْر إِعَادَة الْجَار لِأَنَّهُ كنفسه بِنَاء على تغاير الْمَادَّتَيْنِ كَذَلِك امْتنَاع اجْتِمَاع
الضدين لَا يُنَافِي جَوَاز جمع التكسير جمع الْقلَّة لتغاير الْمَادَّتَيْنِ وكما أَن التَّأْكِيد لَا يَجْعَل الْمُضمر أقل من أَن لَا يُؤَكد بل يُفِيد أمرا زَائِدا عَلَيْهِ وَهُوَ التَّأْكِيد كَذَلِك الْجمع فِيمَا نَحن فِيهِ لَا يَجْعَل
لفظ التكسير أقل من ان لَا يجمع بل يُفِيد أمرا زَائِدا عَلَيْهِ وَهُوَ تقليل الْكَثْرَة الْحَاصِلَة من المجامعة مَعَه وَالْحَاصِل أَن مَا هُوَ لَازم لَيْسَ بمحذور وَمَا هُوَ مَحْذُور لَيْسَ بِلَازِم هَكَذَا يَنْبَغِي أَن يفهم هَذَا الْمقَام وَقَوله خضع الرّقاب حَال من مفعول رَأَيْتهمْ والرؤية بصرية فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلَا تضر الْإِضَافَة فَإِنَّهَا لفظية وَكَذَلِكَ نواكسي الْأَبْصَار لِأَن الْمَعْنى خضعا رقابهم نواكس أَبْصَارهم وخضع بِضَمَّتَيْنِ جمع خضوع مُبَالغَة خاضع من الخضوع وَهُوَ التطامن والتواضع يُقَال خضع لغريمة يخضع بفتحهما خضوعا ذل واستكان وَهُوَ قريب من الْخُشُوع إِلَّا أَن الْخُشُوع أَكثر مَا يسْتَعْمل فِي الصَّوْت والخضوع فِي الْأَعْنَاق وَلِهَذَا أَضَافَهُ إِلَى الرّقاب وَيحْتَمل أَن يكون خضع بضمه فَسُكُون جمع أخضع وَهُوَ الَّذِي فِي عُنُقه تطامن من خلقَة وَهَذَا أبلغ من الأول أَي ترى أَعْنَاقهم إِذا رَأَوْهُ كَأَنَّهَا خلقت متطامنة من شدَّة تذللهم وَفعل قِيَاس فِي جمع أفعل وفعلاء صفة غير تَفْضِيل نَحْو أَحْمَر وحمراء وجمعهما حمر وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للفرزدق يمدح بهَا آل الْمُهلب وَخص من بَينهم ابْنه يزِيد أَولهَا (الْكَامِل)
(فلأمدحن بني الْمُهلب مِدْحَة
…
غراء ظَاهِرَة على الْأَشْعَار)
(مثل النُّجُوم أمامها قمر لَهَا
…
يجلو الدجى ويضيء ليل الساري)
(ورثوا الطعان عَن الْمُهلب والقرى
…
وخلائقا كتدفق الْأَنْهَار)
(أما البنون فَإِنَّهُم لم يورثوا
…
كتراثه لِبَنِيهِ يَوْم فخار)
إِلَى أَن قَالَ
(أما يزِيد فَإِنَّهُ تأبى لَهُ
…
نفس موطنة على الْمِقْدَار)
(ورادة شعب الْمنية بالقنا
…
فتدر كل معاند نعار)
(وَإِذا النُّفُوس جشأن طامن جأشها
…
ثِقَة بِهِ لحماية الأدبار)
(ملك عَلَيْهِ مهابة الْملك التقى
…
قمر التَّمام بِهِ وشمس نَهَار)
(وَإِذا الرِّجَال رَأَوْا يزِيد رَأَيْتهمْ الْبَيْت)
إِلَى أَن قَالَ
(مَا زَالَ مذ عقدت يَدَاهُ إزَاره
…
وسما فَأدْرك خَمْسَة الأشبار)
(يدني خوافق من خوافق للتقى
…
فِي كل معتبط الْغُبَار مثار)
قَوْله تأبى لَهُ نفس مفعول تأبى مَحْذُوف أَي الْقعُود عَن الحروب وَنَحْوه وَقَوله موطنة على الْمِقْدَار أَي تَقول نَفسه عِنْد اقتحام المهالك لَا يُصِيبنِي إِلَّا مَا قدر الله والمقدار بِمَعْنى الْقدر وورادة مُبَالغَة وَارِدَة صفة نفس وَشعب مفعول ورادة بِمَعْنى فروع الْمنية وأنواعها مستعار من الشّعب الَّتِي هِيَ أَغْصَان الشَّجَرَة جمع شُعْبَة والقنا جمع قناة وَهِي الرمْح وتدر فَاعله ضمير القنا من أدرت الرّيح السَّحَاب واستدرته أَي استحلبته وكل مَفْعُوله والمعاند الْعرق الَّذِي يسيل وَلَا يرقا وَيُقَال لَهُ عاند أَيْضا وَفعله من بَاب نصر والنعار بِالْعينِ الْمُهْملَة من نعر الْعرق ينعر بِالْفَتْح فيهمَا أَي فار مِنْهُ الدَّم فَهُوَ عرق نعار ونعور وجشأن يُقَال جشأت نَفسه إِذا ارْتَفَعت من حزن أَو فزع والجأش بِالْهَمْز جأش الْقلب وَهُوَ رواعه إِذا اضْطربَ عِنْد الْفَزع يُقَال فلَان رابط الجأش أَي يرْبط نَفسه عَن الْفِرَار
لشجاعته وطأمن مقلوب طمأن بِالْهَمْز فيهمَا بِمَعْنى سكن وثقة فَاعله والتقى فعل مَاض وقمر التَّمام فَاعله يُقَال قمر تَمام بِفَتْح التَّاء وَكسرهَا إِذا تمّ لَيْلَة الْبَدْر وَأما ليل التَّمام فمكسور لَا غير وَهُوَ أطول لَيْلَة فِي السّنة
وَقَوله مَا زَالَ مذ عقدت يَدَاهُ إِلَى آخِره هَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ النُّحَاة فِي عدَّة مَوَاضِع مِنْهُم ابْن هِشَام أوردهُ فِي الْمُغنِي شَاهدا لإيلاء الْجُمْلَة الفعلية ل مذ كَمَا يَليهَا الْجُمْلَة الأسمية وَأوردهُ أَيْضا فِي شرح الألفية لقَوْله خَمْسَة الأشبار حَيْثُ جرد الْمُضَاف من أَدَاة التَّعْرِيف وَهُوَ حجَّة على الْكُوفِيّين فِي جوازهم الْجمع بَين تَعْرِيف الْمُضَاف بِاللَّامِ وَالْإِضَافَة إِلَى الْمعرفَة مستدلين بقول عرب غير فصحاء الثَّلَاثَة الْأَبْوَاب والمسموع تَجْرِيد الأول من أَدَاة التَّعْرِيف كَمَا قَالَ ذُو الرمة أَيْضا (الطَّوِيل)
(وَهل يرجع التَّسْلِيم أَو يكْشف الْعَمى
…
ثَلَاث الأثافي والديار البلاقع)
وسما ارْتَفع وشب من السمو وَهُوَ الْعُلُوّ وَأدْركَ بِمَعْنى بلغ وَوصل وفاعلهما ضمير يزِيد وَقَوله خَمْسَة الأشبار أَرَادَ طول خَمْسَة أشبار بشبرالرجال وَهِي ثلثا قامة الرجل وينسب إِلَيْهَا فَيُقَال غُلَام خماسي قَالَ ابْن دُرَيْد غُلَام خماسي قد ايفع فِي الصِّحَاح والعباب وَغُلَام رباعي وخماسي أَي طوله أَرْبَعَة أشبار وَخَمْسَة أشبار وَلَا يُقَال سداسي وَلَا سباعي لِأَنَّهُ إِذا بلغ سِتَّة أشبار أَو سَبْعَة أشبار صَار رجلا والغلام إِذا بلغ خَمْسَة أشبار عِنْدهم تخيلوا فِيهِ الْخَيْر وَالشَّر وَلِهَذَا قَالَ بعض الْعَرَب أَيّمَا غُلَام بلغ خَمْسَة أشبار فاتهمته قتلته هَذَا مَا عِنْدِي وَأما النَّاس فقد اخْتلفُوا فِي تَفْسِيره على أَقْوَال أَحدهَا قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد الْجمل وَمعنى فَأدْرك خَمْسَة الأشبار ارْتَفع وَتجَاوز حد الصِّبَا لِأَن الفلاسفة زَعَمُوا أَن الْمَوْلُود إِذا ولد
لتَمام مُدَّة الْحمل وَلم تغيره آفَة فِي الرَّحِم فَإِنَّهُ يكون فِي قدة ثَمَانِيَة أشبار من شبر نَفسه وَتَكون سرته بِمَنْزِلَة المركز لَهُ فَيكون مِنْهَا إِلَى نِهَايَة شقَّه الْأَعْلَى أَرْبَعَة أشبار بشبره وَمِنْهَا إِلَى نِهَايَة شقة الْأَسْفَل أَرْبَعَة أشبار وَمِنْهَا إِلَى أَطْرَاف أَصَابِعه من يَده مَعًا أَرْبَعَة أشبار حَتَّى أَنه لَو رقد على صلبة وَفتح ذراعية وَوضع ضَابِط فِي سرته وأدير لَكَانَ
شبه الدائرة قَالُوا فَمَا زَاد على هَذَا أَو نقص فلآفة عرضت لَهُ فِي الرَّحِم فَإنَّك تَجِد من نصفه الْأَعْلَى أطول من نصفه الْأَسْفَل وَمن نصفه الْأَسْفَل أطول من نصفه الْأَعْلَى وَمن يَدَاهُ قصيرتان وَمن يَده الْوَاحِدَة أقصر من الثَّانِيَة فَإِذا تجَاوز الصَّبِي أَرْبَعَة أشبار فقد أَخذ فِي الترقي إِلَى غَايَة الْكَمَال ا. هـ.
وَقَوله أَولا ارْتَفع وَتجَاوز حد الصِّبَا شرح بِهِ الْمَعْنى المُرَاد وَلَا حَاجَة بعده إِلَى نقل كَلَام الفلاسفة لِأَنَّهُ خَارج عَن الْمقَام بل مُفسد لِأَنَّهُ رتب بعده قَوْله فَإِذا تجَاوز الصَّبِي أَرْبَعَة أشبار فقد أَخذ فِي الترقي إِلَى غَايَة الْكَمَال وَهَذَا غير مُتَصَوّر لِأَن الطِّفْل الَّذِي تجَاوز أَرْبَعَة أشبار بشبر نَفسه لَا يحسن عقد إزَاره فضلا عَن الْأَخْذ فِي الترقي إِلَى غَايَة الْكَمَال وَإِنَّمَا الْمَعْنى تجَاوز خَمْسَة أشبار بشبر الرِّجَال وَهِي ثلثا قامة الرجل كَمَا ذكرهَا ثَانِيهَا أَنه أَرَادَ ب خَمْسَة الأشبار السَّيْف قَالَ ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْجمل هَذَا هُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ مُنْتَهى طول السَّيْف فِي الْأَكْثَر كَمَا أَن مُنْتَهى طول الْقوس ثَلَاث أَذْرع وإصبع قَالَ الراجز (الرجز)
(أرمى عَلَيْهَا وَهِي فرع أجمع
…
وَهِي ثَلَاث أَذْرع وإصبع)
وَإِنَّمَا زَاد إصبعا لاخْتِلَاف أَذْرع النَّاس فِي الطول وَالْقصر وَرُبمَا زادوا شبْرًا كَمَا قَالَ آخر
…
(وَهِي ثَلَاث أَذْرع وشبر)
وكما أَن مُنْتَهى طول الْقَنَاة أحد عشر ذِرَاعا قَالَ عتبَة بن مرداس (الطَّوِيل)
(وأسمر خطيا كَأَن كعوبه
…
نوى القسب قد أرمى ذِرَاعا على الْعشْر)
وَقَالَ البحتري أَيْضا (الْبَسِيط)
(كالرمح أذرعه عشر وَوَاحِدَة
…
فَلَيْسَ يزري بِهِ طول وَلَا قصر)
ثَالِثهَا أَنه أَرَادَ عَصا الْخطْبَة وَهَذَا غير مُنَاسِب لما قبله وَلما بعده وَرَابِعهَا أَنه أَرَادَ الخيزرانة الَّتِي كَانَ الْخُلَفَاء يحبسونها بِأَيْدِيهِم وَهَذَا أَيْضا غير مُنَاسِب كَالَّذي قبله على أَن يزِيد لَيْسَ خَليفَة وَلَا من نسل الْخُلَفَاء وَأَرَادَ هَذَا الْقَائِل الْخُلَفَاء الأمويين خَامِسهَا أَنه أَرَادَ خلال الْمجد الْخَمْسَة الْعقل والعفة وَالْعدْل والشجاعة وَالْوَفَاء وَكَانَت عِنْدهم مَعْرُوفَة بِهَذَا الْعدَد كَذَا نقلوه وَلَا يخفى أَنه لَو كَانَ المُرَاد هَذَا لبقي ذكر الأشبار لَغوا سادسها أَنه أَرَادَ بِخَمْسَة الأشبار الْقَبْر لِأَن الْبَيْت من مريثة وَهَذَا بَاطِل لَا أصل لَهُ فَإِنَّهُ من قصيدة فِي مدح يزِيد بن الْمُهلب وَكَانَ حَيا وَاسم زَالَ ضمير يزِيد وخبرها الْبَيْت الَّذِي بعده وَهُوَ يدني خوافق إِلَخ وَأَرَادَ بالخوافق الرَّايَات وَهُوَ جمع خافقة يُقَال خَفَقت الرَّايَة بِالْفَتْح تخفق
بِالْكَسْرِ وَالضَّم خفقا وخفقانا إِذا تحركت واضطربت ومعتبط الْغُبَار بِالْعينِ والطاء الْمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ الْموضع الَّذِي لم يُقَاتل عَلَيْهِ وَلم يثر فِيهِ غُبَار قبل
مَا أثاره هَذَا الممدوح يُقَال أعبطت الأَرْض إِذا حفرت مِنْهَا موضعا لم يحْفر فِيهَا قبل ذَلِك والمثار المهيج المحرك وروى بدله
(يدني كتائب من كتائب تلتقي
…
فِي ظلّ معترك العجاج مثار)
والْكَتَائِب جمع كَتِيبَة وَهُوَ الْجَيْش والمعترك مَوضِع الاعتراك وَهُوَ الْمُحَاربَة وَأَرَادَ ب ظله الْغُبَار الثائر فِي المعركة فَإِنَّهُ إِذا اشْتَدَّ لَا يرى مَعَه ضوء فَيصير كالظل الكثيف ومذ اسْم فَقيل إِنَّهَا ظرف مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة وَقيل إِلَى زمن مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة وَقيل مُبْتَدأ فَيجب تَقْدِير زمَان للجملة يكون هُوَ الْخَبَر والإزار مَعْرُوف وَقيل كنى بِعقد الْإِزَار عَن شده لما يحتوى عَلَيْهِ من كساءي الْمجد وَهَذَا يُنَاسب تَفْسِيره خَمْسَة الأشبار بخلال الْمجد الْخَمْسَة وَخَمْسَة الأشبار مفعول أدْرك بِتَقْدِير مُضَاف كَمَا تقدم
وَقَالَ الأعلم على مَا نَقله اللَّخْمِيّ فَاعل سما مُضْمر لدلَالَة الْمَعْنى عَلَيْهِ وَالتَّقْدِير وسما جِسْمه أَو طوله وفاعل أدْرك مُضْمر أَيْضا عَائِد على الْجِسْم الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْمَعْنى وَمعنى أدْرك انْتهى وَالْأَفْعَال يحمل بَعْضهَا على بعض إِذا اشتركت فِي الْمَعْنى وَالتَّقْدِير انْتهى طوله أَو جِسْمه خَمْسَة أشبار وَيكون انتصاب خَمْسَة أشبار على أَنه مفعول على إِسْقَاط حرف الْجَرّ أَي انْتهى إِلَى خَمْسَة أشبار ا. هـ.
أَقُول هَذَا كُله تعسف لَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَيْهِ وَمثل هَذَا قَول ابْن يسعون فِي شرح شَوَاهِد الْإِيضَاح وَيجوز نَصبه نصب الظروف بقوله سما أَي فعلا مِقْدَار خَمْسَة الأشبار ا. هـ.
فَإِنَّهُ تعسف أَيْضا لِأَنَّهُ يكون الْمدْرك غير مَعْلُوم مَا هُوَ وَبَقِي قَوْله أدْرك غير مُفِيد شَيْئا وَمن فسر الْخَمْسَة بِالسَّيْفِ والعصا والخيزرانة فَهُوَ على حذف مُضَاف أَي فَأدْرك أَخذ خَمْسَة الأشبار لِلْقِتَالِ بِهِ أَو للجس بِالْيَدِ أَو للخطبة وَقَالَ ابْن يسعون بعد جعل الْخَمْسَة مَفْعُولا
لأدرك على تَقْدِير مَعْنَاهَا السَّيْف أَو خلال الْمجد الْخَمْسَة مَا نَصه وَيجوز نصب خَمْسَة نعتا لإزاره أَو بَدَلا مِنْهُ أَو عطف بَيَان هـ فَتَأمل
وَأما يزِيد فَهُوَ ابْن الْمُهلب بن أبي صفرَة أحد شجعان الْعَرَب وكرمائهم وشهرته فِي الشجَاعَة وَالْكَرم غنية عَن الْوَصْف كَانَ فِي دولة الأمويين واليا على خُرَاسَان وافتتح جرجان ودهستان وطبرستان وَبعد الْحجَّاج صَار أَمِير العراقين وَأجْمع عُلَمَاء التَّارِيخ على أَنه لم يكن فِي دولة بني أُميَّة أكْرم من بني الْمُهلب كَمَا لم يكن فِي دولة بني الْعَبَّاس أكْرم من البرامكة وَولد يزِيد سنة ثَلَاث وَخمسين من الْهِجْرَة وَتُوفِّي مقتولا يَوْم الْجُمُعَة لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة وَقد تَرْجمهُ ابْن خلكان وَترْجم وَالِده بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ وستاتي تَرْجَمَة وَالِده فِي رب من حُرُوف الْجَرّ فِي شرح قَوْله (الْكَامِل)
(فَلَقَد يكون أَخا دم وذبائح)
والفرزدق هُوَ أَبُو فراس واسْمه همام بن غَالب بن صعصعة بن نَاجِية بن عقال بن مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع بن دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم الْبَصْرِيّ وَهَمَّام بِصِيغَة الْمُبَالغَة من الهمة وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء بعد أَن قَالَ اسْمه همام وَكَانَ للفرزدق إخْوَة مِنْهُم هميم بن غَالب وَبِه سمي الفرزدق والأخطل وَكَانَ أسن مِنْهُ وَأُخْت يُقَال لَهَا جعثن كَانَت امْرَأَة صدق وَكَانَ جرير فِي مهاجاته للفرزدق يذكرهَا بِسوء قَالَ الْيَرْبُوعي وَكذب عَلَيْهَا جرير وَكَانَ يَقُول أسْتَغْفر الله فِيمَا قلت لجعثن قَالَ وَكَانَت إِحْدَى الصَّالِحَات.
والفرزدق قَالَ صَاحب الْعباب قَالَ اللَّيْث الفرزدق الرَّغِيف الَّذِي يسْقط فِي التَّنور وَيَقُولُونَ أَيْضا الفرزدقة قَالَ وَقَالَ بَعضهم هُوَ فتات الْخبز وَقَالَ غَيره الفرزدق الْقطعَة من الْعَجِين وَأَصلهَا بِالْفَارِسِيَّةِ براذده وَقَالَ ابْن فَارس هَذِه كلمة منحوته من كَلِمَتَيْنِ من فرز وَمن دق لِأَنَّهُ دَقِيق عجن ثمَّ أفرزت مِنْهُ قِطْعَة فَهِيَ من الْإِفْرَاز والدقيق ا. هـ.
فلقب بِأحد هَذِه الْمعَانِي وَيشْهد للْأولِ مَا رُوِيَ أَنه كَانَ أَصَابَهُ جدري وَبَقِي أَثَره فِي وَجهه ويروى أَن رجلا قَالَ لَهُ يَا أَبَا فراس كَأَن وَجهك أحراح مَجْمُوعَة فَقَالَ تَأمل هَل ترى فِيهَا حر أمك والأحراح جمع حر بِالْكَسْرِ وَحذف لَام الْفِعْل هُوَ فرج الْمَرْأَة وَأخذ الفرزدق هَذَا الْجَواب من كَلَام أبي الْأسود الديلِي فَإِنَّهُ كَمَا فِي الأغاني قَالَ كَانَ طَرِيق أبي الْأسود إِلَى الْمَسْجِد والسوق فِي بني تيم الله بن ثَعْلَبَة وَكَانَ فيهم رجل متفحش يكثر الِاسْتِهْزَاء بِمن يمر بِهِ فَمر بِهِ أَبُو الْأسود يَوْمًا فَلَمَّا رَآهُ قَالَ لِقَوْمِهِ كَأَن وَجه أبي الْأسود وَجه عَجُوز راحت إِلَى أَهلهَا بِطَلَاق فَضَحِك الْقَوْم وَأعْرض عَنهُ أَبُو الْأسود ثمَّ مر بهم فَقَالَ لَهُم كَأَن غُضُون قفا أبي الْأسود غُضُون الفقاح فَأقبل عَلَيْهِ أَبُو الْأسود فَقَالَ هَل تعرف فقحة أَبِيك فِيهِنَّ فأفحمه وَضحك الْقَوْم مِنْهُ وَقَامُوا إِلَى أبي الْأسود فاعتذروا إِلَيْهِ وَلم يعاوده الرجل بعد ذَلِك وَيحْتَمل أَنه لقب بِالْمَعْنَى الثَّالِث وَبِه صرح ابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب فَقَالَ والفرزدق قطع الْعَجِين وَاحِدهَا فرزدقة وَمِنْه سمي الرجل وَهُوَ لقب لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ جهم الْوَجْه وَيحْتَمل أَنه لقب بِالْمَعْنَى الثَّانِي بِأَن شبه غُضُون وَجهه بفتات الْخبز وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد الْجمل وَتَبعهُ فِيهَا ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ وَابْن خلف وَغَيرهمَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء
إِنَّمَا سمي الفرزدق لغلظة وقصره شبه بالفتيتة الَّتِي تشربها النِّسَاء وَهُوَ الفرزدقة ا. هـ.
أَقُول لم أر الفرزدقة بِهَذَا الْمَعْنى فِي اللُّغَة وَلَا الفتيتة بِمَعْنى مَا ذكره على أَن ابْن قُتَيْبَة لم يذكر فِي الطَّبَقَات شَيْئا فِي تلقيبه بالفرزدق ثمَّ رَأَيْت فِي الأغاني فِي تَرْجَمته أَن الفرزدق الرَّغِيف الضخم الَّذِي يجففه النِّسَاء للفتوت وروى أَن الجهم ابْن سُوَيْد بن الْمُنْذر الْجرْمِي قَالَ لَهُ مَا وجدت أمك أسما لَك إِلَّا الفرزدق الَّذِي
تكسره النِّسَاء فِي سويقها قَالَ وَالْعرب تسمي خبز الفتوت الفرزدق فَقَالَ لَهُ الفرزدق أَحَق النَّاس بِأَن لَا يتَكَلَّم فِي هَذَا أَنْت لِأَن أسمك اسْم مَتَاع الْمَرْأَة وَاسم أَبِيك اسْم الْحمار وَاسم جدك اسْم الْكَلْب وروى بِسَنَدِهِ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ أخْبرت عَن هِشَام الْعَنزي أَنه قَالَ جمعني والفرزدق مجْلِس فتجاهلت عَلَيْهِ فَقلت من أَنْت قَالَ أما تعرفنِي قلت لَا قَالَ فَأَنا أَبُو فراس قلت وَمن أَبُو فراس قَالَ أَنا الفرزدق قلت وَمن الفرزدق قَالَ أَو مَا تعرف الفرزدق قلت أعرف الفرزدق أَنه شَيْء تتخذه النِّسَاء عندنَا بِالْمَدِينَةِ تتسمن بِهِ وَهُوَ الفتوت فَضَحِك وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي جعلني فِي بطُون نِسَائِكُم وَقَالَ السَّيِّد المرتضي فِي أمالية والفرزدق لقب وَإِنَّمَا لقب بِهِ لجهامة وَجهه وغلظة لِأَن الفرزدقة هِيَ الْقطعَة الضخمة من الْعَجِين وَقيل إِنَّهَا الخبزة الغليظة الَّتِي يتَّخذ مِنْهَا النِّسَاء الفتوت وَفِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّد بن وهيب الشَّاعِر قَالَ جَلَست بِالْبَصْرَةِ إِلَى جنب عطار فَإِذا أعرابية سَوْدَاء قد جَاءَت فاشترت من الْعَطَّار خلوقا
فَقلت لَهُ تجدها اشترته لابنتها وَمَا ابْنَتهَا أَلا خنفساء فالتفتت إِلَيّ متضاحكة وَقَالَت لَا وَالله إِلَّا مهاة جيداء وَإِن قَامَت فقناة وَإِن قعدت فحصاة وَإِن مشت فقطاة أَسْفَلهَا كثيب وأعلاها قضيب لَا كفتياتكم اللواتب تسمنونهن بالفتوت ثمَّ انصرفت وَهِي تَقول (الرجز)
(إِن الفتوت للفتاة مضرطه
…
يكربها فِي الْبَطن حَتَّى تثلطه)
فَلَا أعلمني ذكرتها إِلَّا أضحكني ذكرهَا وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ وَجَرِير والأخطل النَّصْرَانِي فِي الطَّبَقَة الأولى من الشُّعَرَاء الإسلاميين وَاخْتلف الْعلمَاء بالشعر فِيهِ وَفِي جرير فِي المفاضلة وَكَانَ يُونُس يفضل الفرزدق وَيَقُول لَوْلَا الفرزدق لذهب شعر الْعَرَب وَقَالَ ابْن شبْرمَة الفرزدق أشعر النَّاس وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء لم أر بدويا أَقَامَ فِي الْحَضَر إِلَّا فسد لِسَانه غير رؤبة والفرزدق
وَفِي الْعُمْدَة لِابْنِ رَشِيق كتب الْحجَّاج بن يُوسُف إِلَى قُتَيْبَة بن مُسلم يسْأَله عَن أشعر الشُّعَرَاء فِي الْجَاهِلِيَّة وأشعر شعراء وقته فَقَالَ أشعر الْجَاهِلِيَّة امْرُؤ الْقَيْس وأضربهم مثلا طرفَة وَأما شعراء الْوَقْت فالفرزدق أفخرهم وَجَرِير أهجاهم والأخطل أوصفهم وَقد طبق الْمفصل الْأَصْبَهَانِيّ فِي قَوْله حِين سُئِلَ عَنْهُمَا من كَانَ يمِيل إِلَى جودة الشّعْر وفخامته وَشدَّة أسره فليقدم الفرزدق وَمن كَانَ يمِيل
إِلَى أشعار المطبوعين وَالْكَلَام السَّمْح الجزل فليقدم جَرِيرًا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَكَانَ الفرزدق يشبه من شعراء الْجَاهِلِيَّة بزهير وَكَانَ صعصعة جد الفرزدق كَمَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي الطَّبَقَات عَظِيم الْقدر فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ اشْترى ثَلَاثِينَ موؤدة ثمَّ أسلم وَصَارَ صحابيا وَأم صعصعة قفيرة بِتَقْدِيم الْقَاف على الْفَاء وبالتصغير بنت مِسْكين الدَّارمِيّ وَكَانَت أمهَا أمة وَهبهَا كسْرَى لزرارة فَوَهَبَهَا زُرَارَة لهِنْد بنت يثربي فَوَثَبَ أَخُو زَوجهَا وَهُوَ مِسْكين ابْن حَارِثَة بن زيد بن عبد الله بن دارم على الْأمة فأحبلها فَولدت لَهُ قفيرة فَكَانَ جرير يعير الفرزدق بهَا وَكَانَ لصعصعة قيون والقين الْحداد مِنْهُم جُبَير ووقبان وديسم فَلذَلِك جعل جرير مجاشعا قيونا وَكَانَ جرير ينْسب غَالب بن صعصعة إِلَى جُبَير فَقَالَ (المتقارب)
(وجدنَا جبيرا أَبَا غَالب
…
بعيد الْقَرَابَة من معبد)
يَعْنِي معبد بن زُرَارَة وَكَانَ يعيبهم بالخزيرة وَذَلِكَ أَن ركبا من مجاشع مروا بشهاب التغلبي فسالهم أَن ينزلُوا فَحمل إِلَيْهِم خزيرة فَجعلُوا يَأْكُلُون وَهِي تسيل على لحاهم وهم على رواحلهم والخزيرة بِفَتْح الْخَاء وَكسر الزَّاي المعجمتين وبالراء الْمُهْملَة قطع لحم صغَار تُوضَع فِي الْقدر بِمَاء كثير فَإِذا نضج ذَر عَلَيْهِ الدَّقِيق فَإِن لم يكن فِيهَا لحم فَهِيَ عصيدة وَيُقَال خزير أَيْضا بِدُونِ تَاء تَأْنِيث.
وَأما غَالب أَبُو الفرزدق فَإِنَّهُ كَانَ يكنى أَبَا الأخطل واستجير بقبره بكاظمه فاحتملها عَنهُ الفرزدق وَفِي نهج البلاغة وَقَالَ عَليّ رضي الله عنه لغالب بن صعصعة أبي الفرزدق
فِي كَلَام دَار بَينهمَا مَا فعلت إبلك الْكَثِيرَة قَالَ ذعذعتها الْحُقُوق يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ رضي الله عنه ذَاك أَحْمد سَبِيلهَا قَوْله ذعذعتها بذالين معجمتين وعينين مهملتين بِمَعْنى فرقتها يُقَال ذعذعته فتذعذع وذعذعة السِّرّ إذاعته قَالَ شَارِح نهج البلاغة ابْن أبي الْحَدِيد دخل غَالب بن صعصعة بن نَاجِية بن عقال الْمُجَاشِعِي على أَمِير الْمُؤمنِينَ رضي الله عنه أَيَّام خِلَافَته وغالب شيخ كَبِير وَمَعَهُ أبنه همام الفرزدق وَهُوَ غُلَام يَوْمئِذٍ فَقَالَ لَهُ عَليّ رضي الله عنه من الشَّيْخ قَالَ أَنا غَالب بن صعصعة قَالَ ذُو الْإِبِل الْكَثِيرَة قَالَ نعم قَالَ مَا فعلت إبلك قَالَ ذعذعتها الْحُقُوق وأذهبتها الحمالات والنوائب قَالَ ذَاك أَحْمد سَبِيلهَا من هَذَا الْغُلَام مَعَك قَالَ هَذَا ابْني قَالَ مَا اسْمه قَالَ همام وَقد رويته الشّعْر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَلَام الْعَرَب ويوشك أَن يكون شَاعِرًا مجيدا فَقَالَ أقرئه الْقُرْآن فَهُوَ خير لَهُ فَكَانَ الفرزدق بعد يروي هَذَا الحَدِيث وَيَقُول مَا زَالَت كَلمته فِي نَفسِي حَتَّى قيد نَفسه بِقَيْد وآلى أَلا يفكه حَتَّى يحفظ الْقُرْآن فَمَا فكة حَتَّى حفظه 1. وَقد روى عَنهُ عليه السلام أَحَادِيث وَعَن غَيره من الصَّحَابَة وعاش حَتَّى قَارب الْمِائَة وَمَات بعلة الدُّبَيْلَة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ النويري فِي تَارِيخه مَاتَ الفرزدق فِي سنة عشر وَمِائَة وَله إِحْدَى وَتسْعُونَ سنة وَمَات فِيهَا جرير أَيْضا وَقَالَ السَّيِّد المرتضي قدس الله سره فِي أَمَالِيهِ الفرزدق مَعَ