الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(سوى رصه الْبُنيان عشْرين حجَّة
…
يعل عَلَيْهِ بألقراميد والسكب)
وَهِي أَبْيَات قَالَ فَقتله النُّعْمَان ا. هـ.
وَأنْشد بعده
وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ
(الطَّوِيل)
(كَأَن لم يمت حَيّ سواك وَلم تقم
…
على أحد إِلَّا عَلَيْك النوائح)
على أَنه إِذا وَقع مَرْفُوع بعد الْمُسْتَثْنى فِي الشّعْر أضمروا لَهُ عَاملا من جنس الأول أَي قَامَت النوائح وَالْمَسْأَلَة مفصلة فِي الشَّرْح وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات مَذْكُورَة فِي الحماسة لأشجع السّلمِيّ وَهِي
(مضى ابْن سعيد حِين لم يبْق مشرق
…
وَلَا مغرب إِلَّا لَهُ فِيهِ مادح)
(وَمَا كنت أَدْرِي مَا فواضل كَفه
…
على النَّاس حَتَّى غيبته الصفائح)
(فَأصْبح فِي لحد من الأَرْض مَيتا
…
وَكَانَت بِهِ حَيا تضيق الصحاصح)
(سأبكيك مَا فاضت دموعي فَإِن تغض
…
فحسبك مني مَا تجن الجوانح)
(وَمَا أَنا من رزء وَإِن جلّ جازع
…
وَلَا لسرور بعد موتك فارح)
(لَئِن حسنت فِيك المراثي وَذكرهَا
…
لقد حسنت من قبل فِيك المدائح)
كَأَن لم يمت حَيّ سواك الْبَيْت والصفائح أَحْجَار عراض يسقف بهَا الْقَبْر والصحاصح جمع صحصح وَهِي الأَرْض المستوية الواسعة وتغيض تنقص يُقَال غاض المَاء وغضته
وَقَوله كَأَن لم يمت كَأَن مخففه وَاسْمهَا ضمير شَأْن يَقُول أفرط الْحزن عَلَيْك حَتَّى كَانَ الْمَوْت لم يعْهَد قبل موتك وَكَأن النِّيَاحَة لم تقم على من سواك وَأَشْجَع هُوَ ابْن عَمْرو السّلمِيّ ويكنى أَبَا الْوَلِيد من ولد الشريد بن مطرود السّلمِيّ وَتزَوج أَبوهُ امْرَأَة من أهل الْيَمَامَة فشخص مَعهَا إِلَى بَلَدهَا فَولدت لَهُ هُنَاكَ أَشْجَع وَنَشَأ بِالْيَمَامَةِ ثمَّ مَاتَ أَبوهُ فَقدمت بِهِ أمه الْبَصْرَة فطلبت مِيرَاث أَبِيه وَكَانَ لَهُ هُنَاكَ مَال فَمَاتَتْ بهَا وربي أَشْجَع وَنَشَأ بِالْبَصْرَةِ فَكَانَ من لَا يعرفهُ يدْفع نسبته ثمَّ كبر وَقَالَ الشّعْر فأجاد وعد فِي الفحول وَكَانَ الشّعْر يؤمئذ فِي ربيعَة واليمن وَلم يكن لقيس عيلان شَاعِر فَلَمَّا نجم أَشْجَع افتخرت بِهِ قيس واثبتت نسبه ثمَّ خرج أَشْجَع إِلَى الرقة والرشيد بهَا فَنزل على بني سليم ومدح البرامكة وَانْقطع إِلَى جَعْفَر خَاصَّة فوصله الرشيد فأثرى وَحسنت حَاله وَلما ولى الرشيد جَعْفَر بن يحيى خُرَاسَان جلس لتهنئة النَّاس وأنشده الشُّعَرَاء وَدخل فِي آخِرهم أَشْجَع فَقَالَ لتأذن فِي إنشاد شعر قضيت بِهِ حق سوددك وكمالك وخففت بِهِ ثقل أياديك عِنْدِي فَقَالَ هَات يَا أَبَا الْوَلِيد فأنشده (المتقارب)
(أتصبر يَا قلب أم تجزع
…
فَإِن الديار غَدا بلقع)
(غَدا يتفرق أهل الْهوى
…
وَيكثر باك ومسترجع)
إِلَى أَن بلغ قَوْله
(ودوية بَين أقطارها
…
مقاطع أَرضين لَا تقطع)
(تجاوزتها فَوق عيرانة
…
من الرّيح فِي سَيرهَا أسْرع)
(إِلَى جَعْفَر نزعت رَغْبَة
…
وَأي فَتى نَحوه تنْزع)
…
(فَمَا دونه لامرئ مطمع
…
وَلَا لامرئ غَيره مقنع)
(وَلَا يرفع النَّاس مَا حطه
…
وَلَا يضعون الَّذِي يرفع)
(يُرِيد الْمُلُوك مدى جَعْفَر
…
وَلَا يصنعون كَمَا يصنع)
(وَلَيْسَ بأوسعهم فِي الْغنى
…
وَلَكِن معروفه أوسع)
(يلوذ الْمُلُوك بآرائه
…
إِذا نالها الْحَدث الأفظع)
(بديهته مثل تَدْبيره
…
مَتى رمته فَهُوَ مستجمع)
(وَكم قَائِل إِذْ راى ثروتي
…
وَمَا فِي فضول الْغنى أصنع)
(غَدا فِي ظلال ندى جَعْفَر
…
يجر ثِيَاب الْغنى أَشْجَع)
(فَقل لخراسان تحيا فقد
…
أَتَاهَا ابْن يحيى الْفَتى الأروع)
فَأقبل عَلَيْهِ جَعْفَر يخاطبه مُخَاطبَة الْأَخ أَخَاهُ ثمَّ أَمر لَهُ بِأَلف دِينَار قَالَ الصولي فِي الورقات قَالَ لي يَوْمًا عبد الله بن المعتز من أَيْن أَخذ أَشْجَع قَوْله
(وَلَيْسَ بأوسعهم فِي الْغنى الْبَيْت)
فَقلت من قَول مُوسَى شهوات لعبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب رضي الله عنه
(وَلم يَك أوسع الفتيان مَالا
…
وَلَكِن كَانَ ارحبهم ذِرَاعا)
فَقَالَ أصبت هَكَذَا هُوَ ا. هـ.
وَرَأَيْت فِي الحماسة فِي بَاب الأضياف وَقَالَ أَبُو زِيَاد الْأَعرَابِي الْكلابِي (الوافر)
(لَهُ نَار تشب على يفاع
…
إِذا النيرَان ألبست القناعا)
(وَلم يَك أَكثر الفتيان مَالا الْبَيْت)
وَإِنَّمَا لقب مُوسَى بشهوات لِأَن عبد الله بن جَعْفَر كَانَ يشتهى عَلَيْهِ
الشَّهَوَات فيشتريها لَهُ مُوسَى ويتربح عَلَيْهِ وَهُوَ مولى لبني سهم وَأَصله من أذربيجان كَذَا فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة
وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي مُوسَى شهوات هُوَ مُوسَى ابْن يسَار مولى قُرَيْش وَيُقَال مولى بنى سهم وَيُقَال مولى بني تيم كَانَ يجلب إِلَى الْمَدِينَة القند وَالسكر من أذربيجان فَقَالَت امْرَأَة مَا يزَال مُوسَى يجلب إِلَيْنَا الشَّهَوَات فغلب عَلَيْهِ وَقَالَ أبن شبة كَانَ مُوسَى سؤولا ملحفا فَإِذا رأى مَعَ أحد شَيْئا يُعجبهُ من ثوب أَو مَتَاع أَو دَابَّة تباكى فَإِذا قيل لَهُ مَالك قَالَ أشتهي هَذَا فَسمى مُوسَى شهوات وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ سمي بذلك لقَوْله فِي يزِيد بن مُعَاوِيَة (الْخَفِيف)
(لست منا وَلَيْسَ خَالك منا
…
يَا مضيع الصَّلَاة بالشهوات)
يُقَال مُوسَى شهوات على الصّفة وعَلى الْإِضَافَة وَهُوَ أصح ويكنى أَبَا مُحَمَّد وَهُوَ أَخُو إِسْمَاعِيل بن يسَار ا. هـ.
وَبَيت مُوسَى شهوات نسبه السعد فِي المطول وَصَاحب الْمعَاهد فِي شَوَاهِد التَّلْخِيص إِلَى أبي زِيَاد الْأَعرَابِي الْكلابِي كَمَا فِي الحماسة قَالَ الصولي بعد أَن تصرف جَعْفَر بِالْأَمر وَالنَّهْي وَالتَّوْلِيَة والعزل بدا للرشيد عَزله فَعَزله عَن خُرَاسَان فَاغْتَمَّ لذَلِك جَعْفَر فَدخل عَلَيْهِ أَشْجَع فَقَالَ (السَّرِيع)
(أمست خُرَاسَان تعزى بِمَا
…
أخطأها من جَعْفَر المرتجى)
(كَانَ الرشيد المعتلى أمره
…
ولى على مشرقها الأبلجا)
(ثمَّ أرَاهُ رَأْيه أَنه
…
أَمْسَى إِلَيْهِ مِنْهُم أحوجا)
…
(كم فرق الدَّهْر بأسبابه
…
من مُحصن أَهلا وَكم زوجا)
(وَكم بِهِ الرَّحْمَن من كربَة
…
فِي مُدَّة تقصر قد فرجا)
فَقَالَ لَهُ جَعْفَر قُمْت وَالله بالعذر لأمير الْمُؤمنِينَ وأصبت الْحق وخففت عَليّ الْعَزْل فَأمر لَهُ بِأَلف دِينَار أُخْرَى
وَلما دخل أَشْجَع على الرشيد بالرقة كَانَ قد فرغ من قصره الْأَبْيَض فأنشده (الْكَامِل)
(قصر عَلَيْهِ تحيه وَسَلام
…
فِيهِ لأعلام الْهدى أَعْلَام)
(نشرت عَلَيْهِ الأَرْض كسوتها الَّتِي
…
نسج الرّبيع وزخرف الأوهام)
إِلَى أَن قَالَ
(وعَلى عَدوك يَا ابْن عَم مُحَمَّد
…
رصدان ضوء الصُّبْح والإظلام)
(فَإِذا تنبه رعته وَإِذا غفا
…
سلت عَلَيْهِ سيوفك الأحلام)
قَالَ الصولي فِي الورقات بِسَنَدِهِ إِلَى أَشْجَع إِن الرشيد قَالَ لي من أَيْن أخذت قَوْلك وعَلى عَدوك الْبَيْتَيْنِ فَقلت لَا أكذب وَالله من قَول النَّابِغَة (الطَّوِيل)
(فَإنَّك كالليل الَّذِي هُوَ مدركي
…
وَإِن خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع)
فَقَالَ صه هُوَ عِنْدِي من كَلَام الأخطل لعبد الْملك بن مَرْوَان وَقد قَالَ لَهُ أَنا مجيرك من الجحاف فَقَالَ من يجيرني مِنْهُ إِذا نمت وترجمة أَشْجَع مُطَوَّلَة فِي الورقات للصولي وَفِي الأغاني للأصبهاني وَأَشْجَع لَيْسَ مِمَّن يستشهد بِكَلَامِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيره عَن الْبَيْت الَّذِي بعده
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ (الْكَامِل)
44 -
(لَا أشتهي يَا قوم إِلَّا كَارِهًا
…
بَاب الْأَمِير وَلَا دفاع الْحَاجِب)
على أَن " بَاب الْأَمِير " مَنْصُوب ب " لَا أشتهي " مُقَدرا. وَالْمَسْأَلَة مفصلة فِي الشَّرْح أَيْضا. قَالَ أَمِين الدَّين الطبرسي، فِي شرح الحماسة: هُنَا " كَارِهًا " حَال، يَقُول: لَا أعلق شهوتي بورود بَاب الْأَمِير ومدافعة الْحَاجِب إِلَّا على كره؛ يصف ميله إِلَى البدو وَأَهله وإلفه إيَّاهُم. وَقَالَ السَّيِّد فِي حَاشِيَته على المطول: قصر فِيهِ الشَّاعِر نَفسه فِي زمَان اشتهائه بَاب الْأَمِير على صفة الْكَرَاهَة لَهُ؛ فَهُوَ من قصر الْمَوْصُوف على الصّفة. وَيُمكن أَن يُقَال: قصر فِيهِ اشتهاءه بَاب الْأَمِير عَلَيْهِ مَوْصُوفا بالكراهية لَهُ لَا يتعداه إِلَيْهِ مَوْصُوفا بِصفة الْإِرَادَة لَهُ، فَهُوَ من قصر الصّفة على الْمَوْصُوف. وَلَك أَن تَقول قصر اشتهاءه الْبَاب على أَنه مُجْتَمع مَعَ كراهيته لَهُ دون إِرَادَته إِيَّاه؛ فَيكون أَيْضا من قصر الْمَوْصُوف على الصّفة. ثمَّ اشتهاء الشَّيْء إِن لم يكن مستلزماً لإرادته لم يناف كَرَاهَته، فَجَاز أَن يكون الشَّيْء مشتهى مَكْرُوها كاللذات الْمُحرمَة عِنْد الزهاد، كَمَا جَازَ أَن يكون الشَّيْء مرَادا منفوراً عَنهُ، كشرب الْأَدْوِيَة الْمرة عِنْد المرضى. فَإِن قيل: الاشتهاء يسْتَلْزم الْإِرَادَة، فالجمع بَينه وَبَين الْكَرَاهِيَة باخْتلَاف الْجِهَة، فيشتهي الدُّخُول على الْأَمِير لما فِيهِ من التَّقَرُّب، يكرههُ لما فِيهِ من المذلة ودفاع الْحَاجِب، فبالحقيقة المشتهى هُوَ التَّقَرُّب، وَالْمَكْرُوه تِلْكَ المذلة. ا. هـ. وَبِهَذَا يعرف سُقُوط قَول بعض شرَّاح الحماسة هُنَا، فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ قَوْله " كَارِهًا " حَالا من أشتهي، لِأَنَّهُ لَا يكون كَارِهًا للشَّيْء مشتهياً لَهُ فِي حَال،
من أجل أَن الشَّهْوَة مُنَافِيَة للكراهية، وَلكنه حَال من فعل مُقَدّر، وَالْمعْنَى: لَا أشتهي بَاب الْأَمِير وَلَا آتيه إِلَّا كَارِهًا، أَو وَلَكِن آتيه كَارِهًا ا. هـ. وَهَذَا الْبَيْت أول أَبْيَات ثَلَاثَة مَذْكُورَة فِي الحماسة، لمُوسَى بن جَابر الْحَنَفِيّ والبيتان بعده:
(وَمن الرِّجَال أسنة مذروبة
…
ومزندون شهودهم كالغائب)
الْجُزْء 9
(مِنْهُم أسود لَا ترام وَبَعْضهمْ
…
مِمَّا قمشت وَضم حَبل الحاطب)
يشبه الرجل فِي مضائه وصرامته وَفِي دقته إِذا هزل بِالسَّيْفِ والسنان ومذروبة محددة وَكَذَلِكَ مذربة وكل شَيْء حددته فقد ذربته يَقُول من الرِّجَال رجال كالأسنة المطرورة مضاء ونفاذا فِي الْأُمُور والمزند وَكَذَلِكَ الزند الضّيق وَقَوْلهمْ فلَان زند متين أَي زند شَدِيد الضّيق متين شَدِيد بخيل أَي إِن نالهم خطب ضاقوا عَنهُ وَلم يتجهوا فِيهِ لرشد وَكَانَ من حَقه أَن يَقُول وَمِنْهُم مزندون لكنه أكتفى بِالْأولِ كَقَوْلِه تَعَالَى (مِنْهَا قَائِم وحصيد) قَالَ المرزوقي سَمِعت أَبَا عَليّ الْفَارِسِي يَقُول كل صفتين تتنافيان فَلَا يَصح اجْتِمَاعهمَا لموصوف وَاحِد فلابد من إِضْمَار من مَعَهُمَا إِذا فصل جملَة بهما مَتى لم يجىء ظَاهرا فَإِن أمكن أجتماع صفتين لموصوف وَاحِد اسْتغنى عَن إِضْمَار من كَقَوْلِك صاحباك مِنْهُمَا ظريف وكريم وَقَوله شهودهم إِلَى آخِره يرْوى بدله حضورهم يُرِيد أَنه لَا غناء عِنْدهم فحضورهم كغيبتهم كَقَوْل الشَّاعِر (الطَّوِيل)
(شهِدت جسيمات العلى وَهُوَ غَائِب
…
وَلَو كَانَ أَيْضا شَاهدا كَانَ غَائِبا)
قَالَ الطبرسي يجوز أَن يُرِيد بالشهود جمع شَاهد وَهُوَ الْحَاضِر وَأَرَادَ
بالغائب الْكَثْرَة فَتكون جِنْسا وَإِن كَانَ الشُّهُود مصدرا فالغائب يجوز أَن يكون جِنْسا كَالْأولِ أَي شهودهم كغيبة الْغَائِب بِحَذْف الْمُضَاف وَيجوز أَن يكون مصدرا كالباطل وَقَوله مِنْهُم لُيُوث إِلَخ يَقُول من الرِّجَال رجال كالأسود فِي الْعِزَّة والمنعة لَا يطْلب اهتضامهم وَلَا يطْمع فيهم وَمِنْهُم متفاوتون كقماش الْبَيْت وَهُوَ رَدِيء مَتَاعه جمع من هَهُنَا وَهَهُنَا وَقَوله وَضم حَبل الحاطب هُوَ كَقَوْل الآخر
(وَكلهمْ يجمعهُمْ بَيت الْأدم)
قَالَ الْأَصْمَعِي بَيت الْأدم يجمع الْجيد والرديء فَفِيهِ من كل جلد رقعه وَكَذَلِكَ الحاطب يجمع فِي حبله الرطب واليابس والجزل والشخت وَرُبمَا احتطب لَيْلًا فضم فِي حبلة أَفْعَى وَهُوَ لَا يدْرِي وَنَحْوه قَول الْعَامَّة فِي الشَّيْء المتفاوت وَالْقَوْم الْمُخْتَلطين هم خرق الْبُرْنُس استانف بِهَذَا الْبَيْت تِلْكَ الْقِسْمَة على وَجه آخر فَهُوَ من بَاب الْبَيَان وَهُوَ أَن يحمل الشَّاعِر معنى ويفسره بِمَا يَلِيهِ وَصَاحب هَذِه الأبيات مُوسَى بن جَابر الْحَنَفِيّ أحد شعراء بني حنيفَة المكثرين يُقَال لَهُ ابْن الفريعة وَهِي أمة كَمَا أَن حسان بن ثَابت رضي الله عنه يُقَال لَهُ ابْن الفريعة وَتقدم فِي تَرْجَمته وَيُقَال كَانَ نَصْرَانِيّا وَهُوَ الْقَائِل (الطَّوِيل)
(وجدنَا أَبَانَا كَانَ حل ببلدة
…
سوى بَين قيس عيلان والفزر)
(برابية أما الْعَدو فحولنا
…
مطيف بِنَا فِي مثل دَائِرَة الْمهْر)
(فَلَمَّا نأت عَنَّا الْعَشِيرَة كلهَا
…
أَقَمْنَا وحالفنا السيوف على الدَّهْر)
كَذَا فِي المؤتلف والمختلف للآمدي وَسوى صفة بَلْدَة بِمَعْنى متوسطة والفزر لقب لسعد بن زيد مَنَاة وَالْمعْنَى وجدنَا أَبَانَا حل ببلدة متوسطه لديار قيس بن عيلان وَسعد بن زيد مَنَاة يُرِيد حل بَين مُضر وناى عَن ربيعَة لِأَن قيسا والفزر من مُضر وَقَوله فَلَمَّا نأت إِلَخ يَقُول لما خذلتنا عشيرتنا وهم ربيعَة اكتفينا بِأَنْفُسِنَا فَأَقَمْنَا بدار الْحفاظ وَالصَّبْر واتخذنا سُيُوفنَا حلفاء على الدَّهْر وَهَذَا مثل ضربه لاستقلالهم فِيمَا نهضوا فِيهِ بعددهم وعدتهم وبلائهم وصبرهم واستغنائهم عَن القاعدين
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ (الطَّوِيل)
(ليبك يزِيد ضارع لخصومة
…
ومختبط مِمَّا تطيح الطوائح)
على أَن الْفِعْل الْمسند إِلَى ضارع حذف جَوَازًا أَي يبكة ضارع وَهَذَا على رِوَايَة ليبك بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَيزِيد نَائِب فَاعل وَأما على رِوَايَته بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل ففاعله ضارع وَيزِيد مَفْعُوله وَلَا حذف وَلَا شَاهد وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ الثَّابِتَة عِنْد العسكري وعد الرِّوَايَة الأولى غَلطا فَإِنَّهُ قَالَ فِي كتاب التَّصْحِيف فِيمَا غلط فِيهِ النحويون وَمِمَّا قلبوه وَخَالفهُم الروَاة قَول الشَّاعِر
(ليبك يزِيد ضارع الْبَيْت)
وَقد رَوَاهُ خَالِد والأصمعي وَغَيرهمَا بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل من الْبكاء وَنصب يزِيد وَمثله فِي كتاب فعلت وأفعلت لأبي حَاتِم السجسْتانِي قَالَ أنْشد
الْأَصْمَعِي ليبك يزِيد ضارع أَي بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وَلم يعرف ليبك يزِيد أَي بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَقَالَ هَذَا من عمل النَّحْوِيين وَزعم بَعضهم أَنه لَا حذف فِي الْبَيْت على الرِّوَايَة الأولى أَيْضا لجَوَاز أَن يكون يزِيد منادى وضارع نَائِب الْفَاعِل قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد والتوجيه
الأول أولى لِأَنَّهُ قد روى ليبك يزِيد بِفَتْح يَاء يبك وَكسر كَافَّة وَنصب يزِيد فَلَمَّا ظهر ضارع فَاعِلا فِي هَذِه الرِّوَايَة اسْتحق أَن يقدر فَاعِلا فِي الْأُخْرَى ليستويا وتوهم الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة وَتَبعهُ الفناري فِي حَاشِيَة المطول أَن الْقَائِل بِنِدَاء يزِيد يزْعم أَنه منادى فِي الرِّوَايَتَيْنِ وَاسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّهُ لم يثبت رفع يزِيد فِي رِوَايَة الْبناء للْفَاعِل وَلَيْسَ كَمَا توهم فَإِن الَّذِي خرجه على النداء إِنَّمَا هُوَ على رِوَايَة ليبك بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول كَمَا نقل ابْن هِشَام وَالرِّوَايَة الأولى أبلغ بتكرار الْإِسْنَاد إِجْمَالا ثمَّ تَفْصِيلًا كَمَا بَينه السعد فِي المطول وَقَالَ ابْن خلف لما قَالَ ليبك يزِيد عَم المأمورين بالتفجع على هَذَا الْمَيِّت والبكاء عَلَيْهِ من كَثْرَة الْغناء ثمَّ خص هذَيْن الصِّنْفَيْنِ من جملَة الباكين عَلَيْهِ لشدَّة احتياجهما إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ نقلا عَن بَعضهم إِن الْإِبْهَام على الْمُخَاطب فِي مثل هَذَا النَّحْو الَّذِي يقْصد بِهِ الْعُمُوم تَعْظِيم للمقصود ومدح عميم وَيزِيد على رِوَايَة الْبناء لفاعل غير منصرف للعلمية وَوزن الْفِعْل لِأَنَّهُ مَنْقُول من الْفِعْل دون ضَمِيره الْمُسْتَتر وعَلى الرِّوَايَة الْأُخْرَى يحْتَمل أَن يكون كَالْأولِ وَهُوَ الظَّاهِر وَيحْتَمل أَن يكون مَنْقُولًا من الْفِعْل مَعَ فَاعله الْمُسْتَتر وَيكون حِينَئِذٍ جملَة محكية وَأعلم أَن هَذَا الْبَيْت لوُقُوعه فِي الْمَتْن شَرحه الشَّارِح الْمُحَقق وَنحن نذْكر
مَا يتَعَلَّق بِهِ فَقَوله الضارع الذَّلِيل من قَوْلهم ضرع ضراعة فعله من الْبَاب الثَّالِث وَورد فِي لُغَة أَيْضا من بَاب تَعب وَيُقَال أَيْضا ضرع ضرعا كشرف شرفا بِمَعْنى ضعف فَهُوَ ضرع أَيْضا تَسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ كَذَا فِي الْمِصْبَاح وَقَوله لخصومة مُتَعَلق بضارع وَإِن لم يعْتَمد على شَيْء إِلَخ أَقُول ظَاهره أَنه لم يعْتَمد على شَيْء مِمَّا ذكر من شُرُوط عمل اسْم الْفَاعِل النصب وَفِيه أَنه مُعْتَمد على مَوْصُوف مُقَدّر قَالَ ابْن مَالك فِي الْخُلَاصَة (الرجز)
(وَقد يكون نعت مَحْذُوف عرف
…
فَيسْتَحق الْعَمَل الَّذِي وصف)
وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ أَنه مُتَعَلق بضارع وَإِن فرض أَنه لم يعْتَمد على شَيْء لِأَنَّهُ يَكْفِيهِ رَائِحَة الْفِعْل وَكَيف لَا يتَعَلَّق بِهِ مَعَ اعْتِمَاده على مَوْصُوف مُقَدّر لكنه بعيد عَن السِّيَاق قَالَ الفناري فِي حَاشِيَة المطول فَإِن قلت بل قد اعْتمد على الْمَوْصُوف
الْمُقدر أَي شخص ضارع فعلى تَقْدِير اشْتِرَاط الِاعْتِمَاد فِي تعلق الْجَار بِهِ لَا مَحْذُور أَيْضا قلت إِن كفى فِي عمله الِاعْتِمَاد على مَوْصُوف مُقَدّر لَا يتَصَوَّر الإلغاء لعدم الِاعْتِمَاد حِينَئِذٍ لتصريح الشَّارِح يَعْنِي السعد فِي شرح الْكَشَّاف بِأَن ذكر الْمَوْصُوف مَعَ اسْم الْفَاعِل مُلْتَزم لفظا أَو تَقْديرا تعيينا للذات الَّتِي قَامَ بهَا الْمَعْنى وَهُوَ مُخَالف لتصريحهم اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال الِاعْتِمَاد على مَوْصُوف مُقَدّر إِنَّمَا يَكْفِي لعمله إِذا قوي الْمُقْتَضى لتقديره كَمَا فِي يَا طالعا جبلا وَيَا رَاكِبًا فرسا لانضمام اقْتِضَاء حرف النداء إِلَى اقْتِضَاء نفس اسْم الْفَاعِل لَكِن تَأتي اعْتِبَار مثل هَذَا الْمُقْتَضى فِي كل مَوضِع مَحل نظر ا. هـ.
وَهَذَا كَلَام جيد وَقَوله لأجل الْخُصُومَة أَشَارَ إِلَى أَن اللَّام فِي الْخُصُومَة لَام التَّعْلِيل وَيحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى عِنْد أَيْضا وَقَوله فَإِن يزِيد كَانَ ملْجأ للأذلاء
والضعفاء الأولى ملْجأ للأذلاء والفقراء فَإِن المختبط بِمَعْنى السَّائِل كَمَا فسره الشَّارِح بِهِ وَقَوله وتعليقه بيبك لَيْسَ بِقَوي فِي الْمَعْنى قَالَ الفناري لِأَن مُطلق الْخُصُومَة لَيْسَ سَببا للبكاء بل هِيَ بِوَصْف المغلوبية وَقَوله والمختبط الَّذِي يَأْتِيك للمعروف من غير وَسِيلَة وَقع فِي بعض النّسخ الَّذِي يَأْتِي بِاللَّيْلِ للمعروف وَالظَّاهِر أَن قيد اللَّيْل تَحْرِيف من النساخ وَكَون الاختباط الْإِتْيَان للمعروف من غير وَسِيلَة هُوَ قَول أبي عُبَيْدَة فَإِنَّهُ قَالَ المختبط الرجل يَسْأَلك من غير معرفَة كَانَت بَيْنكُمَا وَلَا يَد سلفت مِنْهُ إِلَيْك وَعَلِيهِ فَيكون الاختباط مُتَعَدِّيا لمفعول وَاحِد كَمَا مثل الشَّارِح الْمُحَقق بقوله يُقَال اختبطني فلَان وَقَالَ ابْن خلف الاختباط بِمَعْنى السُّؤَال والطلب فَهُوَ بِمَنْزِلَة الِاقْتِضَاء تَقول اختبطني معروفي فخبطته أَي أَنْعَمت عَلَيْهِ وَمثله اقتضيته مَالا أَي سَأَلته إِيَّاه وَحكى بَعضهم اختبط فلَان فلَانا وَرقا إِذا أصَاب مِنْهُ خيرا فعلى تَفْسِير أبي عُبَيْدَة فِي الْبَيْت حذف مفعول وَاحِد أَي ومختبط وَرقا أَو رزقا أَو نَحْو ذَلِك وَيجوز أَن يكون هَذَا الْمَفْعُول ضمير يزِيد أَي ومختبط إِيَّاه وعَلى التَّفْسِير الثَّانِي فِيهِ حذف مفعولين أَي ومختبط النَّاس أَمْوَالهم وَمثله إِذا سَأَلت فاسأل الله أَي إِذا سَأَلت أحدا مَعْرُوفَة فاسأل الله مَعْرُوفَة
وروى ومستنمح بدل ومختبط أَي من أستمنحه أَي طلب منحته وَهِي الْعَطِيَّة والرفد وَالْأَصْل فِي المنحة هِيَ الشَّاة أَو النَّاقة يُعْطِيهَا صَاحبهَا رجلا يشرب لَبنهَا ثمَّ يردهَا إِذا انْقَطع اللَّبن ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله حَتَّى أطلق على كل عَطاء ومنحته من بَاب نفع وَضرب إِذا أَعْطيته
وصف الشَّاعِر يزِيد بالنصر وَالْكَرم للذليل وطالب الْمَعْرُوف فيقصده الضارع للخصومة ويلتجىء إِلَيْهِ المختبط إِذا أَصَابَته شدَّة السنين وَقَوله وَأَصله من خبطت الشَّجَرَة إِلَخ الْخبط بِسُكُون الْبَاء إِسْقَاط الْوَرق من الشّجر بالعصا لعلف الْإِبِل والخبط بِفتْحَتَيْنِ هُوَ الْوَرق السَّاقِط والمخبط بِكَسْر الْمِيم هِيَ الْعَصَا الَّتِي يخبط بهَا وَالْفِعْل من بَاب ضرب وَقَالَ ابْن مَالك الأَصْل فِيهِ أَن الساري والسائر لابد من أَن يختبط الأَرْض ثمَّ اختصر الْكَلَام فَقيل للآتي طَالبا للجدوى مختبط وخبطت الرجل إِذا أَنْعَمت عَلَيْهِ من غير معرفَة وخبطته إِذا سَأَلته أَيْضا فَهُوَ ضد وَقَوله وَهُوَ إِمَّا على حذف الزَّوَائِد إِلَخ أَشَارَ إِلَى أَن الطوائح جمع على غير قِيَاس لِأَن فعله رباعي يُقَال أطاحته الطوائح وطوحته فَقِيَاس الْجمع أَن يكون المطيحات والمطارح فَإِن تكسير مفعل مفاعل بِحَذْف إِحْدَى الْعَينَيْنِ وإبقاء الْمِيم وَتَخْرِيج الْجمع على حذف الزَّوَائِد هُوَ لأبي عَليّ الْفَارِسِي وتخريجه على النّسَب هُوَ لأبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ فَإِن تَقْدِيره عِنْده مِمَّا تطيحه الحادثات ذَوَات الطوائح وَنقل ابْن خلف عَن الْأَصْمَعِي أَن الْعَرَب تَقول طاح الشَّيْء بِنَفسِهِ وطاحه غَيره بِمَعْنى طوحه وأبعده فعلى هَذَا تكون الطوائح جمع طائحة من الْمُتَعَدِّي قِيَاسا وَلَا شذوذ وَلم أر هَذَا النَّقْل فِي الْكتب المدونه فِي اللُّغَة وَلَا فِي غَيرهَا وَقَوله يُقَال طاح يطوح إِلَخ طاح بِمَعْنى هلك وكل شَيْء ذهب وفني
فقد طاح وَقَوله وطاح يطيح وَهُوَ واوي إِلَخ فَيكون أَصلهمَا طوح يطوح بِكَسْر الْوَاو فيهمَا فأعلا
وَجعله صَاحب الْعباب مِمَّا عينه جَاءَ مُعْتَلًّا بِالْوَاو تَارَة وبالياء تَارَة أُخْرَى وَلم يعْتَبر أَن الْوَاو صَارَت يَاء بالإعلال وَسَبقه ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة فَإِنَّهُ قَالَ وَمن قَالَ طاح يطيح فَكَانَ عِنْده كباع يَبِيع فقياسة أَن يَقُول المطايح فيصحح الْيَاء لِأَنَّهَا عين مفعل وَقَوله مِمَّا تطيح مُتَعَلق بمختبط إِلَخ هَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمُتَبَادر إِلَيْهِ وَقَالَ ابْن خلف وَقَوله مِمَّا تطيح مَوْضِعه رفع على النَّعْت لمختبط أَوله ولضارع جَمِيعًا أَي كَائِن أَو كائنان فَتكون مَا للْجِنْس وَيُؤَيّد هَذَا التَّأْوِيل رِوَايَة من روى مِمَّن تطيح أَي من الَّذِي تطيحه الطوائح فَحذف الْعَائِد وروى أَبُو عَليّ قد طوحته الطوائح وَهَذَا يُؤَيّد كَون هَذِه الْجُمْلَة نعتا لمختبط لرجوع الضَّمِير إِلَيْهِ مُفردا وَقَوله أَي يسْأَل من أجل أَشَارَ إِلَى أَن من تعليلية وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي إيضاحه وأماليه وَمن للابتداء أَو بِمَعْنى السَّبَبِيَّة فَالْأول على أَن ابْتِدَاء الاختباط من الإطاحة أَو سَبَب الاختباط الإطاحة فَإِن قلت مَا الْفرق بَينهمَا قلت فِيهِ خلاف قَالَ أَبُو حَيَّان كَأَن التَّعْلِيل وَالسَّبَب عِنْدهم شَيْء وَاحِد قَالَ السُّيُوطِيّ هَذَا هُوَ الْحق وَفِي شرح جمع الْجَوَامِع للمحلي مَا يُصَرح بِهِ لِأَنَّهُ قَالَ الْمعبر عَنهُ هُنَا بِالسَّبَبِ هُوَ الْمعبر عَنهُ فِي الْقيَاس بِالْعِلَّةِ وَخَالفهُم ابْن السُّبْكِيّ فِي الْأَشْبَاه والنظائر فَقَالَ إِن الْفرق بَينهمَا ثَابت لُغَة ونحوا وَشرعا قَالَ اللغويون
السَّبَب كل شَيْء يتَوَصَّل بِهِ إِلَى غَيره وَمن ثمَّ سموا الْحَبل سَببا وَذكروا أَن الْعلَّة الْمَرَض وكلمات يَدُور مَعْنَاهَا على أَن الْعلَّة أَمر يكون عَنهُ أَمر آخر وَذكر النُّحَاة أَن اللَّام للتَّعْلِيل وَلم يَقُولُوا للسَّبَبِيَّة وَقَالَ أَكْثَرهم الْبَاء للسَّبَبِيَّة وَلم يَقُولُوا للتَّعْلِيل وَذكر ابْن مَالك السَّبَبِيَّة وَالتَّعْلِيل وَهَذَا تَصْرِيح بِأَنَّهُمَا غيران وَقَالَ أهل الشَّرْع السَّبَب مَا يحصل الشَّيْء عِنْده لَا بِهِ وَالْعلَّة مَا يحصل بِهِ وَأنْشد ابْن السَّمْعَانِيّ على ذَلِك (الطَّوِيل)
(ألم تَرَ أَن الشَّيْء للشَّيْء عله
…
تكون بِهِ كالنار تقدح بالزند)
والمعلول يتأثر عَن علته بِلَا وَاسِطَة بَينهمَا وَلَا شَرط يتَوَقَّف الحكم على وجوده وَالسَّبَب إِنَّمَا يُفْضِي إِلَى الحكم بِوَاسِطَة أَو وسائط وَلذَلِك يتراخى الحكم
عَنهُ حَتَّى تُوجد الشَّرَائِط وتنتفي الْمَوَانِع وَأما الْعلَّة فَلَا يتراخى الحكم عَنْهَا إِذْ لَا شَرط لَهَا بل مَتى وجدت أوجبت معلولها بالِاتِّفَاقِ إِلَى آخر مَا فَصله وَقَوله إذهاب الوقائع مَاله أَشَارَ إِلَى أَن مفعول تطيح مَحْذُوف وَهُوَ مَاله وَقَوله أَي يبك لأجل إهلاك المنايا يزِيد أَشَارَ إِلَى أَن مفعول تطيح على هَذَا التَّقْدِير هُوَ يزِيد وَأَرَادَ بالمنايا أَسبَاب الْمَوْت إطلاقا لاسم الْمُسَبّب على السَّبَب وَإِلَّا فالشخص الْوَاحِد لَا تهلكه إِلَّا منية وَاحِدَة وَقَوله وَيجوز أَن تكون مَا بِمَعْنى الَّتِي زَاد بَعضهم وَيجوز أَن تكون نكرَة مَوْصُوفَة وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لنهشل بن حري على مَا فِي شرح أَبْيَات الْكتاب لِابْنِ خلف فِي مرثية يزِيد وَهِي
(الطَّوِيل)
(لعمري لَئِن أَمْسَى يزِيد بن نهشل
…
حَشا حدث تسفي عَلَيْهِ الروائح)
(لقد كَانَ مِمَّن يبسط الْكَفّ بالندى
…
إِذا ضن بِالْخَيرِ الأكف الشحائح)
(فبعدك أبدى ذُو الضغينة ضغنه
…
وسد لي الطّرف الْعُيُون الكواشح)
(ذكرت الَّذِي مَاتَ الندى عِنْد مَوته
…
بعاقبه إِذْ صَالح الْعَيْش طالح)
(إِذا أرق أفنى من اللَّيْل مَا مضى
…
تمطى بِهِ ثني من اللَّيْل رَاجِح)
(ليبك يزِيد ضارع)
…
الْبَيْت سقى جدثا أَمْسَى بدومة ثاويا
…
من الدَّلْو والجوزاء غاد ورائح)
الحشا مَا فِي الْبَطن والجدث بِالْجِيم والثاء الْمُثَلَّثَة الْقَبْر وتسفي مضارع سفت الرّيح التُّرَاب ذرته وَيُقَال أسفته أَيْضا فالمفعول مَحْذُوف والروائح أَي الْأَيَّام الروائح من رَاح الْيَوْم يروح روحا من بَاب قَالَ وَفِي لُغَة من بَاب خَافَ إِذا اشتدت رِيحه فَهُوَ رائح وَأما كَونه جمع ريح لم أَقف على من نبه عَلَيْهِ مَعَ أَن ريحًا لم تجمع على هَذَا الْوَزْن وضن يُقَال ضن بالشَّيْء يضن من بَاب تَعب ضنا وضنة بِالْكَسْرِ وضنانة بِالْفَتْح بخل فَهُوَ
ضنين وَمن بَاب ضرب لُغَة والشحائح جمع شحيح من الشُّح وَهُوَ الْبُخْل وَفعله من بَاب قتل وَفِي لُغَة من بَابي ضرب وتعب أَرَادَ أَنه إِن فقد بِالْعدمِ فَهُوَ حَيّ بِذكرِهِ بِالْكَرمِ وَمَا أحسن قَول أبي نصر الميكالي (الْكَامِل)
(باني العلى وَالْمجد وَالْإِحْسَان
…
وَالْفضل وَالْمَعْرُوف أكْرم باني)
(الْجُود رَأْي مُسَدّد وموفق
…
والبذل فعل مؤيد وَمَعَان)
…
(وَالْبر أكْرم مَا وعته حقيبة
…
وَالشُّكْر افضل مَا حوته يدان)
(وَإِذا الْكَرِيم مضى وَولى عمره
…
كفل الثَّنَاء لَهُ بعمر ثَان)
وَلأَجل هَذَا الْبَيْت الْأَخير أنشدت هَذِه الأبيات وعاه يعيه حفظه وَجمعه والحقيبة أَصله الْعَجز ثمَّ سمي مَا يحمل من القماش على الْفرس خلف حقيبته مجَازًا لِأَنَّهُ مَحْمُول على الْعَجز وَقَوله فبعدك أبدى إِلَخ فِيهِ الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب والضغينة والضغن بِالْكَسْرِ اسْم من ضغن صَدره ضغنا من بَاب تَعب بِمَعْنى حقد وسد أغلق والطرف مصدر طرف الْبَصَر طرفا من بَاب ضرب تحرّك وَنظر وَهُوَ مفعول مقدم والعيون فَاعل مُؤخر والكواشح جمع كاشحة مؤنث الْكَاشِح وَهُوَ مُضْمر الْعَدَاوَة وكشح لَهُ بالعداوة عَادَاهُ ككاشحه وَإِنَّمَا نسبه إِلَى الْعُيُون لِأَن الْعَدَاوَة أول مَا تظهر من الْعين أَي صرت بعْدك ذليلا لَا أقدر أَن أرفع بَصرِي إِلَى أحد وَفِي نُسْخَة وسدد لي من التسديد وَهُوَ التَّقْوِيم أَي صوبت نحوي عُيُون الْأَعْدَاء نظرها وَهَذِه أحسن وَقَوله ذكرت الَّذِي إِلَخ ضمير مَوته رَاجع للَّذي وَهُوَ الْعَائِد وَالْبَاء مُتَعَلقَة بمات وَالْعَاقِب الَّذِي يخلف من كَانَ قبله فِي الْخَيْر وَضمير عاقبه رَاجع للندى يَقُول مَاتَ الندى مَعَ من يخلفه عِنْد موت يزِيد وَيصِح أَن يعود الضَّمِير ليزِيد وَإِذ مُتَعَلقَة بذكرت والصالح من الصّلاح والطالح من الطلاح وَهُوَ ضد الصّلاح والأرق السهر وتمطى امْتَدَّ وَطَالَ
وَضمير بِهِ رَاجع إِلَى مَا مضى والثني بِكَسْر الْمُثَلَّثَة وَسُكُون النُّون يُقَال ثني من اللَّيْل أَي
سَاعَة وَقيل وَقت وراجح أَي زَائِد ثقيل من رجح الْمِيزَان رجوحا مَال وَإِذا عاملها تمطى يشكو بِهَذَا الْبَيْت طول اللَّيْل وَقَوله أَمْسَى بدومة ثاويا دومة بِفَتْح الدَّال وَالْمِيم اسْم مَوضِع بَين الشَّام والموصل وَهُوَ من منَازِل جذيمة الأبرش كَانَ وَقع فِيهِ الطَّاعُون ذكره الأخطل فِي شعره كَذَا فِي المعجم لأبي عبيد الْبكْرِيّ وغاد فَاعل سقى واحده غادية وَهِي السحابة تنشأ غدْوَة والرائح مطر الْعشي وَهُوَ آخر النَّهَار وَقَوله من الدَّلْو كَانَ فِي الأَصْل صفة لما بعده فَلَمَّا قدم صَار حَالا وَإِنَّمَا خص السَّحَاب كَونه من الدَّلْو والجوزاء لِكَثْرَة مَاله فَإِن الدَّلْو وسط فصل الشتَاء فَإِن الشَّمْس تحل فِيهِ بالجدي والدلو والحوت والجوزاء آخر فصل الرّبيع وَالشَّمْس تحل فِيهِ بِالْحملِ والثور والجوزاء ونهشل بن حري بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ بِلَفْظ الْمَنْسُوب إِلَى الْحر أَو إِلَى الْحرَّة وَهُوَ ابْن ضَمرَة بن جَابر بن قطن بن نهشل بن دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة ابْن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَكَانَ اسْم ضَمرَة جد نهشل شقة بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْقَاف وَدخل على النُّعْمَان فَقَالَ لَهُ من أَنْت فَقَالَ أَنا شقة بن ضَمرَة قَالَ النُّعْمَان تسمع بالمعيدي لَا أَن ترَاهُ فَقَالَ أَبيت اللَّعْن إِنَّمَا الْمَرْء باصغريه بِقَلْبِه وَلسَانه إِن نطق نطق بِبَيَان وَإِن قَاتل قَاتل بجنان قَالَ أَنْت ضَمرَة بن ضَمرَة يُرِيد أَنَّك كأبيك كَذَا فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة وَكَانَ نهشل شَاعِرًا حسن الشّعْر وَهُوَ الْقَائِل