الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفريدة السابعة من خصائص هذه الأمة أنه لم تزل طائفة منهم ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم
في البخاري باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق وهم أهل العلم" حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسماعيل عن قيس عن المغيرة [عن] شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" حدثنا إسماعيل حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أخبرني حميد قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يخطب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم ويعطي الله ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله". وفي مسلم مرفوعاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرني على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك".
هاته الأحاديث تعرض لشرحها كثير من العلماء مضافة ومستقلة، وإليك ما قاله الحافظ في شرحه فتح الباري قوله وهم: أهل العلم من كلام المصنف وأخرج الترمذي حديث الباب ثم قال: سمعت البخاري يقول: هم أصحاب الحديث وذكر في كتاب خلق أفعال العباد حديث أبي سعيد في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] هم الطائفة المذكورة في حديث "لا تزال طائفة من أمتي" وقال: وجاء نحوه عن أبي هريرة ومعاوية وجابر وسلمة بن نفيل وقرة [بن ياسر].
وأخرج الحاكم في علوم الحديث بسند صحيح عن الإِمام أحمد إن لم يكونوا أهل
الحديث فلا أدري من هم. ومن طريق يزيد بن هارون مثله. وقال الكرماني يؤخذ
من الاستقامة المذكورة في حديث معاوية أن من جملة الاستقامة أن يكون التفقه لأنه
الأصل وبهذا ترتبط الأخبار المذكورة.
وحديث معاوية اشتمل على ثلاثة أحكام:
أحدها: فضل التفقه في الدين.
وثانيها: أن المعطي في الحقيقة هو الله.
وثالثها: أن بعض أهل هذه الأمة يبقى على الحق أبداً والمراد بأمر الله هنا الريح التي تقبض روح كل من في قلبه شيء من الإيمان وتبقي شرار الناس فعليهم تقوم الساعة ويفقهه أي يفهمه وهي ساكنة الهاء لأنها جواب الشرط يقال: فقه بالضم إذا صار الفقه له سجية وفقه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم وفقه بالكسر إذا فهم ونكر خيراً ليشمل القليل والكثير والتنكير للتعظيم لأن المقام يقتضيه ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين أي يتعلم قواعد الإِسلام وما يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم وفي الحديث أن التفقه لا يكون بالاكتساب فقط بل لمن يفتح الله عليه به وأن من يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجوداً حتى يأتي أمر الله وقد جزم البخاري بأن المراد بهم أهل العلم بالآثار وقال أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. وقال القاضي عياض: أراد أحمد أهل السنة وظاهرون أي على من خالفهم أي غالبون وقوله: ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله في رواية عمير بن هانئ لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله وزاد قال عمير قال مالك بن يخامر قال معاذ وهم بالشام وفي رواية يزيد بن الأصم ولا تزال عصابة من المسلمين ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة. قال صاحب المشارق في قوله: لا يزال أهل الغرب يعني الرواية التي في بعض طرق مسلم وهي بفتح الغين المعجمة وسكون الراء، ذكر يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني قال: المراد بالغرب الدلو أي العرب بفتح المهملتين لأنهم أصحابها لا يسقي بها أحد غيرهم لكن في حديث معاذ وهم أهل الشام فالظاهر أن المراد بالغرب البلد لأن الشام غربي الحجاز، كذا قال؛ وليس بواضح، ووقع
في بعض طرق الحديث المغرب بفتح الميم وسكون المعجمة وهذا يرد تأويل الغرب بالعرب لكن يحتمل أن يكون بعض رواته نقله بالمعنى الذي فهمه أن المراد الإقليم لا صفة بعض أهله، وقيل المراد بالغرب أهل القوة والاجتهاد يقال في لسانه غريب بفتح ثم سكون أي حدة ووقع في حديث أبي أمامة عند أحمد أنهم ببيت المقدس وللطبراني من حديث النهدي نحوه، وفي حديث أبي هريرة في الأوسط للطبراني "يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم من خذلهم ظاهرين إلى يوم القيامة". ويمكن الجمع بين الأخبار بأن المراد يكونون ببيت المقدس وهي شامية ويسقون بالدلو، وتكون لهم قوة في جهاد العدو وحده وجدّ النووي في الحديث الإجماع حجة، ثم قال: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد وأن يكونوا في بعض منه دون البعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولاً فأولاً إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة فإذا انقوضوا جاء أمر الله اهـ. مع زيادة يسيرة ونظير ما نبه عليه ما حمل عليه بعض الأئمة حديث أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لهما دينها أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة وهو ظاهر فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يدعى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها؛ ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما مَن جاء بعده فالشافعي وإن كان متصفاً بالصفات الجميلة، إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل فعلى هذا كل مَن كان متصفاً بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد سواء تعدد أم لا اهـ فتح في كتابي العلم والاعتصام.