الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خطبة الكتاب
وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمَّد وسلم
الحمد لله الذي أنزل القرآن وهدى مَن أحب لاجتناء أزهاره، واقتباس أنواره، والأخذ بأوامره ونواهيه ووعده ووعيده وأخباره، واختار منهم خزنة لأسراره. وأرشدهم لإبراز رموزه، واستنباط كنوزه. ورفع مقام العلم وأهله، ووصل بسببه انقطاعهم بحبله، وأنعم عليهم سوابغ نعمه بفضله، وأكمل دينه وجمع مفترق شمله. وجعل الإسناد من الدين، وأبقاه متصلاً بينهم أبد الآبدين. حفظاً للدين من الشك والوهم، وصوناً له من التبديل والتغيير ومحو الرسم.
والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد صاحب الشريعة المطهرة، والسنة الواضحة النيرة، المخصوص بجوامع الكلم، وبدائع الحكم، ومكارم الأخلاق ومعالي الهمم. والتشريف والتكريم، والإجلال والتعظيم، والآيات والذكر الحكيم. وتلقي الوحي والتنزيل، من الروح الأمين جبريل. فبلغ ذلك ونهى وأمر، وأنذر وبشر، وضرب الأمثال وذكر. وعلى آله وأصحابه الذين عزروه ووقروه ووفوا بالعهود ونصروه، ونقلوا شرعه العزيز وآثروه. وعلى خلفائه الراشدين المرشدين أئمة الهدى، والتالين له في شرف ذلك المدى، والقائمين بأعباء أمره الموعود أنه يبقى أبداً، وعلى التابعين وتابعهيم نجوم الاهتداء، والسنة في الاقتداء، وسائر حملة الشريعة وحماة الدين القويم، عن الزيغ وتحريفاته، وهداة الخلق إلى الصراط المستقيم، بإيضاح كلياته وجزئياته، صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين بدوام نعم الله تعالى على خواصه وأهل طاعاته.
أما بعد فيقول راقم هاته الحروف، الواجل من اليوم المخوف، عبده محمَّد بن محمَّد مخلوف: قد اغتنى العلماء بالتاريخ قديماً وحديثاً، وسعوا في ذلك سعياً حَثيثاً. فألّفوا التآليف البارعة، في أغراض متفاوتة مفيدة نافعة. فمنهم مَن ألّف في الرواة والمحدثين، والفقهاء والمفسرين والمتكلمين، والأدباء والشعراء والنحاة
واللغويين، والعلماء والخلفاء والملوك والسلاطين، وأتى على تراجمهم من دون تمييز ولا تفريق، ومنهم مَن أتى على فريق دون فريق، وبيّن مراده، فيما أراده. وممن سلك هذا الطريق العالم الشهير الذكر، الجليل القدر، أبو الفضل القاضي عياض فألّف المدارك، في طبقات أعيان الأئمة الآخذين بمذهب مالك، وتبعه العلامة الحامل لواء المعارف والفنون، برهان الدين بن فرحون، فألّف الديباج، وذيله العالم العامل أبو العباس أحمد باباً بنيل الابتهاج، فرغ منه سنة خمس بعد المائة العاشرة، وجاء بعده إلى هذا العهد أئمة لهم في العلم منزلة ظاهرة، ومزايا فاخرة. ومعلوم أنه لم يزل في كل عصر من حملة هذا الدين بدر طالع، وزهر غصن يانع، وعلم ترنو إليه الأبصار وتشير إليه الأصابع، ولم نجد مَن تعرض لجمعهم بحال، ونسج فضائلهم على ذلك المنوال. وقد اختلج ما يأتي ذكره في صدري، وعالجه فكري، حتى صرت أقدّم رجلاً وأؤخر أخرى، وأجري شوطاً ثم أرجع القهقرى. فتوجهت إلى الله تعالى واستخرته، وسألته إبراز ما اختلج في صدري واستعنته. وبعد ذلك انشرح صدري لتأليف تذييل مفيد مبين، وتكميل مستحسن معين. جامع لكثير من أئمة السلف، المترجم لهم قبل الخمس سنين بعد الألف، مع كونه صلة، إلى علماء العصر وشيوخنا الجلة، به كثير من أعيان علماء الدين والملة، مرتب على طبقات متصلة بمَن ختم الله به النبوة والرسالة المنتخب من خير عنصر وأطيب سلالة، مقتصراً على ما هو أولى، والحمد لله على ما أولى، جائحاً للاختصار، تاركاً التطويل والإكثار، بعد التثبت والتحري فيه، حسبما وصلت القدرة إليه، ولم آل جهداً في تحرير اسم المترجم له وعمن أخذ فنون علمه، وما له في التآليف التي هي من محاسن نثره وبديع نظمه، مع ذكر محاسن الصفات، وإثبات المواليد والوفيات، ومكثت أعواماً كثيرة أبحث عن ذلك جهدي، وكلما عثرت على ترجمة عالم قيدتها في ورقات عندي. ولم أدع كتاباً وقفت عليه إلا وعيته نظراً، وتحققته معتبراً أو مختبراً، وترددت في تفهمه ورداً وصدراً، وعكفت عليه بسيطاً كان أو مختصراً. واقتطفت منه ما لا بد منه، ولا مندوحة للإعراض عنه. فاجتمع من ذلك أعلاق جمة، وتراجم كثير من الأئمة، وأنا في ذلك ألتمس مزيداً، ولا أسأم بحثاً وتقييداً، فحصل بذلك الغاية المطلوبة، والبغية المرغوبة. ومع ذلك بقي بعض تحريرات إلى هذا الأوان مطوية عني محجوبة، حيث لم أجد عندي ولديّ، ولا أرى من خلفي وبين يدي، كتباً في الغرض أراجعها في المشتبهات، وأقتطف منها تراجم مَن لم يقع العثور عليه من العلماء الثقات. ثم جمعت تلك الأعلاق ورتبتها، على نحو ما انشرح إليه صدري وهذبتها، مقتطفة من تآليف نفيسة مهمة، مشار لها
في آخر التتمة، سالكاً في ترتيب ذلك أقرب الطرق والمسالك، ذاكراً علماء كل طبقة على نسق من كل مملكة من المالك، مرتباً ذلك فريقاً بعد فريق، والله ولي الإعانة والتوفيق، مبتدئاً بنبي الرحمة، وينبوع كل فضيلة وحكمة، سيدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم، ثم بسادات من الصحابة الأعلام، ثم بأئمة من التابعين الكرام، ثم بأربعين حديثاً ثنائيات، مروية في الموطأ عن أولئك السادات، ثم بمالك إمام دار الهجرة طابه، خير مَن أمّ المطي رحابه، ثم بطبقات الأئمة الأعيان، طبقة بعد طبقة إلى هذا الزمان، والراوي إما أن يكون في الطبقة التي شيخه فيها، أو في الطبقة التي تليها، فارتباط الرواة في كل طبقتين، كارتباط القمرين النيرين.
ورتبته على مقدمة فيها سبع فرائد اشتملت على كثير من الجواهر الثمينة والفوائد. ومقصد به سبع وعشرون طبقة ترتيبها على نحو ما أشرت إليه، وعولت في تهذيبها عليه. وختمته بخاتمة قيمة في تاريخ فنون السنة، وأسأله التوفيق لما أمر به وسنّه. وتتمة في طبقات أمراء إفريقية، هي في الحقيقة خلاصة نقية، اشتملت على فوائد تاريخية، وتنبيهات لها أهمية. غاية في التحرير، والتقرير والتحبير، جديرة بالاعتبار، عند ذوي الأنظار، وعلى خلاصة الأدوار والأطوار، التي حصلت لدول إفريقية وما لها من الآثار. وخاتمة في خصوص الكلام على المنستير، وهو مسقط رأس العبد الفقير، ومنبت غرسه، ومجمع أهله وأنسه. ثم لخصت المقصد في صورة شجرة، بعبارات وجيزة محررة، أغصانها بالدر يانعة، وثمراتها طيبة نافعة، وأنوارها ساطعة لامعة، روضها كله زهر، وسلكها كله درر، شجرة تقتبس أنوارها، وتجتنى ثمارها وأزهارها، لم تزل من البركة والسمو في النماء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، طابت أصلاً، وزكت فرعاً وفصلاً، وسميته (شجرة النور الزكية، في طبقات المالكية) والباعث على تلخيصه على نحو ما ذكرناه، والنمط الذي اخترناه، هو التوصل بسهولة للأسانيد عند المطالعة، وليكون المطالع على يقين بعد المراجعة. فجاء تأليفاً جامعاً لما انتشر، وموضوعاً بارعاً ناظماً لما انتثر، على أسلوب غريب، ومنزع عجيب، راق مجتلاه ومجتناه، في الحسن والإحسان لفظه ومعناه، وعلم الشريعة كما هو معلوم على طبقات، ولأصحابه فيما بينهم درجات، والمترجم لهم هم سادات السادات، سباقو غايات، وأساطين روايات، وأئمة في العلوم والمعارف، والرقائق والمواعظ واللطائف، فمنهم الخلفاء، والملوك والأمراء. ومنهم قضاة العدل، والقراء والمحدثون المشهود لهم بالعلم والعمل والفضل، ومنهم الفقهاء المعتكفون على مطالعة المسائل، واعمال النظر لتحريرها بأكمل الوسائل، والتقاط المسائل من الدلائل. فمنهم مَن أصَّل وفرَّع، ومنهم مَن
جمع وصنف فأبدع. ومنهم مَن هذّب فحرّر وأجاد، وحقق المباحث فوق ما يراد. وأذاق حلاوة الشريعة لذوي الألباب، وفتح للحرج المدفوع أحسن باب. بسياسة شرعية، أساسها المصلحة المرعية. وما ذكرناه عنوان، عما لهم من المزية وعلو الشأن. ولا نسبة بينه وبين ما يجهل، وأقل من معشار ما عنه يغفل. فبحار المدارك مسجورة، وغايات الإحسان عن الإنسان مهجورة، مع قلة البضاعة، والتطفل على هذه الصناعة، فالحمد لله الذي يسّر هذا القدر، مع تكدر منهج الصدر، وشواغل القضاء عائقة، وأحوال عن مثل هذا متضائقة، ورحم الله القائل:
طبعت على كدر وأنت تريدها
…
صفواً من الأسواء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها .... متطلب في الماء جذوة نار
ورحم الله القائل:
من رام في الدنيا حياة خلية
…
من الهم والأكدار رام محالا
وهاتيك دعوى قد تركت دليلها
…
على كل أبناء الزمان محالا
وقد قيل: مَن صنف قد استهدف. وعليه فالمرجو ممن وقف عليه وسرح ألحاظه، أن يسامح نسيجه ولا ينتقد ألفاظه، وأن يصلح ما يجد من الخلل. وأسأل الله التوفيق لإخلاص النية في القول والعمل، وأن يجعله من شوائب الرياء سالماً، وينفع به نفعاً عميماً دائماً، وخير أعمال لا تدرس ولا تبلى، وينفع صاحبها يوم تحشر السرائر وتبلى. هذا وقد قال بعض العلماء: إن قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" يدخل فيه الانتفاع بالتأليف لأنه مظنة عدم انقطاع الانتفاع وقد قيل: طوبى لمَن عرف المصير، وشمر زمانه القصير، في اكتساب منفعة تبقى بعده شهاباً، وتخليد محمدة تورثه ثناءً وثواباً. فالذكر الجميل كلما تخلد استدعى الرحمة وطلبها، واستدنى الراحة وجلبها. وإلى جناب الله الرفيع أستند، وعليه في كل أموري أعتمد. وبعزته ألوذ، وبه أستعين ومن كل أفاك وحسود أعوذ. اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وعمل لا يرفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، وصلّى الله على سيدنا محمَّد خاتم النبيين وإمام المرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين والحمد لله رب العالمين.