الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الخامس
359/ 5/ 68 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لما فتح الله [تعالى] (1) على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة، قتلت هذيل رجلًا من بني ليث بقتيل كان لهم في الجاهلية. فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله [تعالى](2) قد حبس عن مكة الفيل، وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد [كان](3) قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة [من](4) نهار وإنها ساعتي هذه [حرام](5) لا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها ، ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد. ومن قُتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن [يفدي](6)، فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاهٍ فقال: يا رسول الله، اكتبوا لي. فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: اكتبوا لأبي شاهٍ. ثم قام العباس فقال: يا رسول الله، إلَّا الإِذخر، فإنا نجعله في بيوتنا
(1) زيادة من متن حاشية إحكام الأحكام.
(2)
في المرجع السابق عز وجل وما أُثبت زيادة من ن هـ.
(3)
ساقطة من المرجع السابق.
(4)
زيادة من ن هـ ومن متن حاشية إحكام الأحكام.
(5)
زيادة من المرجع السابق.
(6)
في المرجع السابق (يدي).
وقبورنا، فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: إلا الإِذخر" (1).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه، وقد سلف التعريف بأبي هريرة في أوائل الكتاب وبالعباس في الزكاة.
وأبو شاه لا يُعرف اسمه، وإنما هو معروف بكنيته، وهو بالهاء درجًا ووقفًا، ولا يُعرف اسمه. وعن ابن دحية أنه بالياء منصوبة. وقال النووي (2): هو بهاء في آخره تكون هاء في الدرج كما تكون في الوقف. قال: وهذا لا خلاف فيه ولا يغتر بكثرة من يصحفه ممن لا يأخذ العلم على وجهه، ومن مظانه. ومثله شاه الكرماني الصوفي الزاهد: هو بالهاء وقفًا ودرجًا.
[فائدة: روى ابن إسحاق (3) أن خراش بن أمية من خزاعة قتل ابن الأدلع الهذلي وهو مشرك بقتيل قُتل في الجاهلية يُقال له أحمر، فقال عليه الصلاة والسلام:"يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل"(4)
(1) البخاري (2434)، ومسلم (1355)، وأحمد (2/ 238)، والترمذي (1405)، وأبو داود (2017)، والنسائي في الكبرى (5855)، والدارقطني (3/ 96، 97)، والدارمي (2/ 265)، والبيهقي في السنن (5/ 177، 178)، (8/ 52، 53)، وابن أبي شيبة (8/ 434 - 537).
(2)
شرح مسلم (9/ 129).
(3)
المغازي للواقدي (843، 844) وفي البداية والفتح (الأثوغ).
(4)
المغازي للواقدي (843)، معاني الآثار (3/ 327) البداية والنهاية (4/ 305) وذكره في الفتح الباري (12/ 206).
وذكر الحديث، ففي هذا بيان المبهم الواقع في الحديث فاستفده] (1).
الثاني: هذيل بفتح الذال المعجمة: قبيلة كبيرة، والنسب إليها هذلي بضم الهاء وفتح الذال، وهي هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وأكثر أهل وادي نخلة بقرب مكة على ستة فراسخ من هذيل.
وبنو ليث: هم بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة.
الثالث: في ألفاظه ومعانيه،
فقوله: "حبس عن مكة الفيل" هو بالفاء ثم مثناة تحت، وشذَّ بعض الرواة فقال:"الفيل أو القتل" بالقاف ثم مثناة فوق. وجزم القرطبي في "شرحه"(2) بالأول.
و"حبسه": حبس أهله الذي جاؤوا للقتال في الحرم، وذلك أن أبرهة الأشرم الحبشي قصد خراب الكعبة، فلما وصل إلى ذي المجاز -سوق العرب قريب من مكة- عيا فيله، وجهزه إلى مكة، فلما استقبل الفيل مكة رزم، أبي: أقام وثبت، فاحتالوا عليه بكل حيلة فلم يقدروا عليه، فاستقبلوا به جهة مكة فامتنع فلم يزالوا به هكذا حتى رماهم الله بالحجارة التي أرسل الطير بها على ما هو مذكور في السير والتفاسير.
و"عام الفيل": هو عام وُلد نبينا عليه الصلاة والسلام، وقال مقاتل: كان قبل مولده بأربعين سنة. وقال الكلبي بثلاث وعشرين، والأكثرون على الأول.
(1) زيادة من ن هـ.
(2)
المفهم (3/ 475).
وقوله: "ولا يعضد شجرها"، أي لا يقطع بالمعضد، وقد سلف ذلك في باب حرمة مكة، وكذا سلف فيه الكلام على "لا يختلا خلاها"، وعلى:"لا يعضد شوكها"، وعلى:"إلا لمنشد"، و"الإِذخر"، فراجعه منه. وكذا سلف هناك تاريخ فتح مكة أيضًا.
[ومعنى](1)[يدي](2): تؤخذ ديته.
وقوله: "اكتبوا لي" أراه خطبة النبي - صلي الله عليه وسلم - يوم الفتح بمكة. قاله الأوزاعي: كما حكاه عنه الوليد بن مسلم في الصحيح.
الرابع: في أحكامه سوى ما سلف في باب محرمات الإِحرام، فإنه تقدم هناك معظم ما يتعلق بالحديث من الألفاظ والمعاني والأحكام:
الأول: تذكير الناس في المجامع والفتوح بما من الله تعالى به، وفي "صحيح مسلم" أنه خطب به على راحلته.
الثاني: أن مكة فُتحت عنوة، فإن التسليط الذي وقع لرسول الله والمؤمنين مقابل بالحبس الذي وقع للفيل، وهو الحبس عن القتال، وقد سلف هناك ما فيه.
الثالث: حرمة مكة زادها الله شرفًا، وقد سلف هناك الخلاف في القتال فيها.
الرابع: أن ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وأن
(1) في ن هـ ساقط.
(2)
انظر ت 6 ص 89.
له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء، وبه قال سعيد بن المسيب وابن سيرين والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال مالك: ليس له إلا القتل أو العفو وليس له الدية إلا برضا الجاني، وهو خلاف نص الحديث.
الخامس: أن القاتل عمدًا يجب عليه أحد الأمرين من القصاص أو الدية، وهو أحد قولي الشافعي وأصحَّهما عنده: أنَّ الواجب القصاص أو الدية بدل عند سقوطه، وهو مشهور مذهب مالك أيضًا، وعلى القولين [للولي](1) العفو على الدية ولا يحتاج إلى رضا الجاني، ولو مات أو سقط الطرف المستحق وجبت الدية، وبه قال أحمد.
وعن أبي حنيفة ومالك: أنه لا يعدل إلى المال إلَّا برضا الجاني، وأنه لو مات الجاني سقطت الدية، وهو قول قديم للشافعي.
ووقع في شرح الشيخ تقي الدين (2) ترجيح هذا القول، فإنه لما حكى القولين المذكورين أولًا وعزاهما إلى الشافعي قال: ومن فوائد هذا الخلاف أن من قال: الواجب القصاص قال: ليس للولي حق أخذ الدية بغير رضي القاتل، [قال: وقيل على هذا للولي حق إسقاط القصاص، وأخذ الدية بغير رضا القاتل] (3).
(1) زيادة من هـ.
(2)
إحكام الأحكام مع الحاشية (4/ 323).
(3)
في ن هـ ساقطة. ومثبتة في المرجع السابق.
قال: وثمرة هذا القول على هذا تظهر في عفو الولي، وموت القاتل، فعلى قول التخيير يأخذ المال في الموت لا في العفو، وعلى قول التعيين يأخذ المال بالعفو عن الدية لا في الموت.
وهذا الحديث ظاهر الدلالة لمن قال: الواجب أحد الأمرين، وللقائل الآخر، أوله بأنه المراد إن شاء أخذ الدية برضى الجاني، إلا أنه لم يذكر الرضى لثبوته عادة، وقيل: إنه كقوله عليه الصلاة والسلام فيما ذكر: "خذ سلمك أو رأس مالك" يعني: رأس مالك برضا المسلم إليه لثبوته عادة، لأن السلم بيع بأبخس الأثمان، فالظاهر أنه يرضى بأخذ رأس المال. قال: وهذا الحديث المستشهد به يحتاج إلى إثباته. وتبعه في ذلك ابن العطار، وزاد فجزم به، ثم قال: وأنه إذا عفى عن القصاص وقلنا على التخيير يسقط القصاص وتثبت الدية، وإن قلنا على قول التعيين لم يجب قصاص ولا دية، وتبع فيه النووي، فإنه ذكره كذلك في "شرحه لمسلم"(1) وليُتأمَّل مع ما ذكره الشيخ تقي الدين.
سادسها: الإِذن في كتابة العلم غير القرآن، وقد ثبت في الصحيح حديث علي رضي الله عنه:"ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة"(2)، وحديث أبي هريرة: "كان عبد الله بن عمرو يكتب
(1) شرح مسلم (9/ 129) مع بعض التصرف.
(2)
مسلم (1978)، والنسائي (7/ 232)، والبغوي (2788)، والبخاري في الأدب المفرد (17)، وأحمد (1/ 118، 152)، عبد الله في زوائد المسند (1/ 108)، والبيهقي (6/ 99).
ولا أكتب (1)" (2)، وجاءت أحاديث في النهي عن كتابة غير القرآن عمل بها بعض السلف، منها حديث: "لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن، ومن كتب عليَّ شيئًا غير القرآن فليمحه" (3). رواه مسلم وأكثرهم على جوازها. ثم وقع بعد ذلك إجماع الأمة على استحبابها، وأجابوا عن النهى بجوابين:
أحدهما: أنها منسوخة لأن النهي كان خوفًا من اختلاط غير القرآن به، فلما اشتهر وأمنت مفسدة الاختلاط وقع الإِذن فيها.
ثانيهما: أنه نهي تنزيه لمن يثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة، فأما من [لم](4) يثق بحفظه، فإنها مستحبة في حقه، والإِذن محمول عليه، وقد عد تدوين العلم وكتابته من البدع الواجبة، وادعى القرافي الإِجماع عليه وعلله بأن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب إجماعًا ولا يتوصل إليه إلا بالكتب لسوء الحفظ وقلة الضبط، وما لا يتوصل إلى الواجب الآن فهو واجب (5).
(1) البخاري (113).
(2)
في ن هـ زيادة: (وحديث يا رسول الله أَكتب عنك ما تقول في الرضا والغضب، فقال: أُكتب فإني لا أقول إلَّا حقًا).
(3)
أحمد (3/ 12)، ومسلم (3004)، والنسائي في الكبرى (8008).
(4)
زيادة من ن هـ.
(5)
انظر: الفتح (1/ 208).