الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث
351/ 3/ 67 - وعنها: أن أفلح -أخا أبي القعيس- استأذن عليَّ، بعدما أنزل الحجاب، فقلت: والله لا آذن له، حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله وإن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، فقال:"ائذني له، فإنه عمك تربت يمينك"(1).
قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب.
وفي لفظ: استأذن عليَّ أفلح فلم آذن له، فقال: أتحتجبين مني وأنا عمك؟ فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي، قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صدق أفلح، ائذني له
(1) البخاري (5239)، ومسلم (1445)، والترمذي (1148)، وأبو داود (2057)، وابن ماجه (1948، 1949)، ومالك (2/ 601، 602)، والنسائي (6/ 103)، وفي الكبرى له (3/ 302، 303)، والدارقطني (4/ 177، 178)، وأبو يعلى (4501)، والبيهقي (7/ 452)، والحميدي (229)، والدارمي (2/ 156)، وعبد الرزاق (13938، 13940، 13941)، وأحمد (6/ 33، 36، 37، 38، 177، 271، 20)، والبغوي (9/ 73).
تربت يمينك"، أي افتقرت والعرب تدعو على الرجل ولا تريد وقوع الأمر به.
الكلام عليه من وجوه:
ولم يتكلم عليه الشيخ تقي الدين في شرحه وإنما أورده فقط، وهذا اللفظ الأخير خرَّجه البخاري في باب الشهادة على الأنساب والرضاع.
الأول: أفلح: بالفاء وكنيته أبو الجعد الأشعري، واسمه وائل بن أفلح كما قاله الدارقطني وأبو عمر. وقال صاحب "التنقيب" على "المهذب": اسمه وائل بن حجر، كذا رأيته فيه، وهو أخو أبي القعيس بقاف مضمومة ثم عين مهملة مفتوحة ثم مثناة تحت ثم سين مهملة [وقيل اسمه الجعد] (1) أيضًا حكاه أبو عمر قال: وأفلح بن أبي القعيس، ويقال أخو أبي القعيس لا أعلم له خبرًا ولا ذكرًا إلا في حديث عائشة في الرضاع، وقد اختلف فيه فقيل: أبو القعيس، وقيل: أخو أبي القعيس.
قلت: وفي رواية لمسلم أفلح بن قعيس قال: وأصحها ثانيها، ونص في "استيعابه" على أنهما من الصحابة أعني: أفلح، وأخا أبي القعيس.
الثاني (2): قولها: "استأذن عليّ بعدما أنزل الحجاب" إلى آخره، نص في أن سؤالها كان وهو حي، ووقع في الصحيحين (3)
(1) ن هـ ساقطة.
(2)
ن هـ ساقطة.
(3)
انظر تخريج الحديث.
عنها: "أنه لو كان فلان حيًّا لعمها من الرضاعة دخل عليّ"، فقيل: إنهما عمّان، أحدهما: أخو أبيها أبي بكر، من الرضاع، أرضعتهم امرأة واحدة؛ والثاني: أخو أبيها أبي القعيس من الرضاعة. وقيل: هما واحد، و [غلطه](1) النووي (2) لما أسلفناه من كون عمها حيًّا في الأولى، وأنه استأذن عليها؛ وميتًا في الثانية، قاله تبعًا للقاضي عياض، والأشبه الأول، أي فكان سؤالها مرتين في وقتين، إما لأنها نسيت القصة الأولى [فاستجدت](3) سؤالًا آخر، وإما لأنها جوَّزت تبدل الحكم فسألت مرة أخرى أو لأنه يحتمل أن أحدهما كان عمًا من أحد الأبوين والآخر منهما أو عمًا أدنى، ونحو ذلك من الاختلاف، فخافت أن تكون الإِباحة مختصة بصاحب الوصف المسؤول عنه أولًا.
الثالث: [وقع](4) في رواية الباجي (5) أن أبا القعيس أخو عائشة، وهو وهم، والصواب ما سلف من كونه أبًا لها [وقال ابن الأثير في "معرفة الصحابة" (6) هو عمها. وقيل: أبوها. ثم ذكر سنده عنها قالت: جاءني أبو القعيس، فلم أذن له، قال ليدخل عليك، الحديث. وفي آخره وكان أبو القعيس أخا ظئر عائشة] (7). وادعى
(1) في هـ (وغلطهما).
(2)
شرح مسلم (10/ 20).
(3)
في الأصل (فاتخذت) وما أثبت من هـ.
(4)
هـ ساقطة.
(5)
المنتقى (4/ 149).
(6)
أُسد الغابة (5/ 277).
(7)
زيادة من ن هـ.
بعض الشرّاح أن ظاهر أول الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة أن أفلح وأبا القعيس عمَّين لعائشة، وظاهر آخره يخالفه من أن أفلح عمها بخلاف أبي القعيس، فإنه أبوها، وما ذكره في الأول ليس كما قال بل هو موافق للآخر فتأمَّله.
الرابع: نزل الحجاب آخر سنة خمس من الهجرة.
الخامس: قد فسر المصنف معنى: "تربت يمينك"، وحكى ابن العربي في "الأحوذي" أقوالًا في معناها:
أحدها: استغنت وهو ضعيف، لأن المعروف ترب إذا افتقر، وأترب إذا استغنى. وذكر بعضهم وجهًا، وهو أن الغنى تراب، لأنه وجميع الدنيا إلى التراب.
ثانيها: ضعف عقلك، أي لقولك هذا للدعاء عليها.
ثالثها: تربت من العلم.
رابعها: تربت يمينك إن لم تفعلي قال: وهذا أصحها.
خامسها: أنه حث على العلم كقولهم إلخ ثكلتك أمك، ولا يريد أن يثكل.
سادسها: أصابها التراب.
سابعها: خابت.
ثامنها: ثربت بمثلثة في أوله، وهو تصحيف.
تاسعها: أنه دعاء خفيف. ثم إن دعاءه صلى الله عليه وسلم مغاير لدعائنا فإنه قد سأل الله تعالى أن يجعل كل من دعا عليه بشيء وليس أهلًا أن
يكون له زكاة ورحمة، كما صح في الحديث (1).
السادس في أحكامه:
الأول: ثبوت حرمة الرضاع بين الرضيع وبين الرجل المنسوب إليه اللبن، وقد سلف ما فيه في الحديث قبله.
الثاني: أن من ادعى رضاعًا وصدقه الرضيع ثبت حكم الرضاع بينهما ولا يحتاج إلى إقامة بيّنة، فإن أفلح ادعاه وصدقته عائشة واذن له الشارع بمجرد ذلك.
الثالث: قال القاضي: قيل فيه دلالة على أن قليل الرضاع يحرم إذ لم يقع سؤال عن عدد بل اكتفى بأنه عم من الرضاعة.
قلت: لعله عليه الصلاة والسلام لم يستفصلها لأنها راوية لحديث: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن، بخمس معلومات"(2) الحديث في "صحيح مسلم"، وهذا
(1) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وفيه:"يا أم سليم أما تعلمين شرطي على ربي؟ إني اشترطت على ربي، فقلت: إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورًا وزكاة وقربة يقربه بها يوم القيامة"، وكان صلى الله عليه وسلم رحيمًا. أخرجه مسلم (2603).
وجاء من حديث أبي هريرة عند البخاري (6361)، ومسلم (2601)، وأحمد في المسند (2/ 449، 488، 493، 496)، وأيضًا من حديثه عند أحمد (2/ 316)، والبغوي (1239).
(2)
مسلم (1452)، والنسائي (6/ 100)، وأبو داود (2062)، والترمذي (3/ 456)، ومالك (2/ 608)، والدارمي (2/ 157)، والبيهقي (7/ 454) ،والبغوي في شرح السنّة (9/ 81).
مذهبها، وإن كان جمهور العلماء على أن التحريم يثبت برضعة واحدة.
الرابع: [أن](1) من شك في حكم من أحكام الشرع توقف عن العمل به حتى يراجع العلماء فيه.
الخامس: أن العالم إذا سئل عن مسئلة قال فيها بعض أصحابه ما هو الصواب أن يصدقه ويقر قوله.
السادس: جواز قول: تربت يمينك لا بقصد الدعاء.
السابع: وجوب احتجاب المرأة من الرجال الأجانب [وأنه](2) كان مباحًا أول الإِسلام.
الثامن: استئذان الرجال المحارم على محارمهم وأن المرأة لا تأذن لأحد في الدخول عليها إلا بإذن الزوج، أو بأن يكون محرمًا لها.
التاسع: أن من اشتبه عليه شيء ينبغي أن يطالب خصمه ببيانه والدليل عليه ليظهر له وينظر فيه.
العاشر: جواز التسمية بأفلح، والنهي الثابت (3)
(1) في هـ ساقطة.
(2)
في هـ (وإن).
(3)
قال ابن القيم -رحمنا الله وإياه- في "التحفة"(116، 118) في بيان الأسماء المكروهة: (وفي سنن أبي داود من حديث جابر بن عبد الله قال: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهى أن يسمى بـ: يعلى، وبركة، وأفلح، ويسار، ونافع، وبنحو ذلك، ثم رأيته سكت بعد عنها فلم يقل شيئًا، ثم قبض ولم ينه عن ذلك، ثم أراد عمر أن ينهى عن ذلك ثم تركه.
وقال أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا محمَّد بن عبيد، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عشت إن شاء الله =
فيه للكراهة لا للتحريم.
الحادي عشر: ابتدار المستفتي المفتي بالتعليل قبل سماع الفتوى.
وفي قوله عليه الصلاة والسلام: "تربت" تنبيه لها على ذلك، فإن من حقها أن تسأل عن الحكم [فقط](1).
= أنهى أمتي أن يسموا نافعًا، وأفلح، وبركة"، قال الأعمش: "لا أدري أذكر نافعًا أم لا".
وفي سنن ابن ماجه ، من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عشت إن شاء الله لأنهين أمتي أن يسموا: رباحًا، ونجيحًا، وأفلح، ويسارًا".
قلت: وفي معنى هذا: مبارك، ومفلح، وخير، وسرور، ونعمة، وما أشبه ذلك فإن المعنى الذي كره له النبي التسمية بتلك الأربع موجود فيها، فإنه يقال: أعندك خير؟ أعندك سرور؟ أعندك نعمة؟ فيقول: لا، فتشمئز القلوب من ذلك، وتتطير به، وتدخل في باب المنطق المكروه.
وفي الحديث: أنه كره أن يقال: خرج من عند برة، مع أن فيه معنى آخر يقتضي النهي، وهو تزكية النفس بأنه مبارك، ومفلح، وقد لا يكون كذلك، كما روى أبو داود في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يسمى برة. وقال:"لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم".
وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن زينب كان اسمها: برة فقيل: تزكي نفسها. فسماها النبي صلى الله عليه وسلم: زينب). اهـ.
انظر أيضًا تهذيب السنن (7/ 256)، ومعالم السنن للخطابي (4/ 128).
(1)
في هـ ساقطة.