الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ: «كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنَا التَّشَهُّد التَّحِيَّات الطَّيِّبَات الزاكيات (لله)
» إِلَى آخِره وَفِيه «أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله» ثمَّ قَالَ: فِي إِسْنَاده مُوسَى بن عُبَيْدَة وخارجة (يَعْنِي) ابْن مُصعب وهما ضعيفان، وَرَوَاهُ قَاسم بن أصبغ أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح من حَدِيث محَارب بن دثار، عَن (عبد الله) بن عمر «كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنَا التَّشَهُّد كَمَا يعلم الْمكتب السُّورَة من الْقُرْآن» .
الحَدِيث الرَّابِع عشر بعد الْمِائَة
عَن جَابر بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنَا التَّشَهُّد كَمَا يعلمنَا السُّورَة من الْقُرْآن: بِسم الله وَبِاللَّهِ، التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، أسأَل الله الْجنَّة وَأَعُوذ بِاللَّه من النَّار» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» وَنَصّ غير وَاحِد من الْحفاظ عَلَى ضعفه. قَالَ النَّسَائِيّ: لَا نعلم أحدا تَابع أَيمن - يَعْنِي ابْن نابل بِالْبَاء الْمُوَحدَة - رَاوِيه، عَن (أبي)
الزبير، عَن جَابر عَلَى هَذَا الحَدِيث (وَخَالفهُ اللَّيْث بن سعد فِي إِسْنَاده) وأيمن عندنَا لَا بَأْس بِهِ، والْحَدِيث خطأ - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق - وَقَالَ حَمْزَة بن مُحَمَّد الْحَافِظ: قَوْله عَن جَابر خطأ، وَالصَّوَاب أَبُو (الزبير) ، عَن سعيد بن جُبَير وَطَاوُس، عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: وَلَا أعلم أحدا قَالَ فِي التَّشَهُّد (باسم الله وَبِاللَّهِ) إِلَّا أَيمن بن نابل، عَن أبي الزبير.
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: رَوَى (أَيمن) بن نابل الْمَكِّيّ هَذَا الحَدِيث، عَن أبي الزبير، عَن جَابر، وَهُوَ غير مَحْفُوظ، قَالَ: وَسَأَلت البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: هُوَ خطأ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: أَيمن لَيْسَ بِالْقَوِيّ. زَاد فِي «علله» : وَحَدِيث ابْن عَبَّاس أشبه بِالصَّوَابِ من حَدِيث جَابر. وَضَعفه أَيْضا الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» وَقَالَ عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» : أحسن حَدِيث أبي الزبير، عَن جَابر مَا ذكر فِيهِ سَمَاعه مِنْهُ وَلم يذكر السماع فِي هَذَا فِيمَا أعلم. وَقَالَ صَاحب «الْمُهَذّب» : ذكر التَّسْمِيَة غير صَحِيح عِنْد أَصْحَاب الحَدِيث وَكَذَا نَقله الْبَغَوِيّ عَنْهُم. وَخَالف الْحَاكِم فاستدرك هَذَا الحَدِيث وَقَالَ: إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ، قَالَ: وأيمن
بن نابل ثِقَة قد احْتج بِهِ البُخَارِيّ. ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ فِي أَيمن (بن) نابل: إِنَّه ثِقَة. قَالَ: فَأَما صِحَّته عَلَى شَرط مُسلم فَحَدَّثنَاهُ أَبُو عَلّي الْحَافِظ، ثَنَا عبد الله بن (قَحْطَبَةَ) ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى، نَا الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان، نَا أبي، عَن أبي الزبير، عَن جَابر، عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَذكره. قَالَ الْحَاكِم: سَمِعت أَبَا عَلّي الْحَافِظ (يوثق ابْن قَحْطَبَةَ) إِلَّا أَنه أَخطَأ فِيهِ فَإِنَّهُ عِنْد الْمُعْتَمِر، عَن أَيمن بن نابل كَمَا تقدم ذكرنَا لَهُ، انْتَهَى كَلَام الْحَاكِم. وَأنكر النَّوَوِيّ عَلَيْهِ تَصْحِيحه فَقَالَ فِي «شرح الْمُهَذّب» وَغَيره: تَصْحِيح الْحَاكِم لهَذَا الحَدِيث مَرْدُود لَا يقبل مِنْهُ، فَإِن الَّذين ضَعَّفُوهُ أجل مِنْهُ وأتقن.
قلت: تَضْعِيف من هُوَ أجل مِنْهُ وأتقن لَا يصلح أَن يكون ردًّا عَلَى الْحَاكِم، فَإِن الْحَاكِم ادَّعَى أَنه عَلَى شَرط البُخَارِيّ فِي أَيمن بن نابل، وَهُوَ كَذَلِك فقد أخرج لَهُ و (قد) وَثَّقَهُ (الثَّوْريّ) وَابْن معِين وَغَيرهمَا وَلكنه تفرد بِهَذَا الحَدِيث فَهَذَا (هُوَ) الَّذِي يتَوَقَّف فِي صِحَّته لأَجله.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، خَالف النَّاس وَلَو لم يكن إِلَّا حَدِيث
التَّشَهُّد. وَقَالَ (ابْن) الْمَدِينِيّ: ثِقَة وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة: فِيهِ ضعف. وَقَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَن أَحَادِيثه لَا بَأْس بهَا.
قلت: لَكِن يعْتَرض عَلَى الْحَاكِم من وَجه آخر فإنَّ التِّرْمِذِيّ سَأَلَ البُخَارِيّ عَنهُ فَقَالَ: إِنَّه خطأ. فَكيف يكون عَلَى شَرطه؟ ! . قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى «بِسم الله خير الْأَسْمَاء» .
قلت: هَذَا اللَّفْظ لم أره فِي حَدِيث جَابر، نعم هُوَ فِي حَدِيث (ابْن) الزبير كَمَا ستعلمه، وَسلف من حَدِيث عمر قَرِيبا.
فصل: قد تلخص من أول مَا شرع الرَّافِعِيّ فِي ذكر التَّشَهُّد إِلَى هُنَا خمس تشهدات أَحدهَا: تشهد ابْن عَبَّاس. ثَانِيهَا: تشهد ابْن مَسْعُود. ثَالِثهَا: تشهد عمر. رَابِعهَا: تشهد (ابْنه) . خَامِسهَا: تشهد جَابر. وَبَقِي مِنْهَا ثَمَانِي تشهدات أُخَر أَحدهَا: تشهد أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. ثَانِيهَا: تشهد عَائِشَة. ثَالِثهَا: تشهد (سَمُرَة بن) جُنْدُب. رَابِعهَا: تشهد عَلّي بن أبي طَالب. خَامِسهَا: تشهد عبد الله بن الزبير. سادسها: تشهد مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. سابعها: تشهد (سلمَان) . ثامنها: تشهد أبي حميد السَّاعِدِيّ رضي الله عنهم، فلنذكرها لتكمل الْفَائِدَة باستحضارها فِي مَوضِع وَاحِد فَإِنَّهُ من النفائس فَنَقُول:
أما تشهد أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم من حَدِيث حطَّان بن عبد الله الرقاشِي قَالَ: «صليت مَعَ أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ صَلَاة، فَلَمَّا كَانَ عِنْد الْقعدَة قَالَ رجل من الْقَوْم: أقرَّت الصَّلَاة (بِالْبرِّ) وَالزَّكَاة. فَلَمَّا قَضَى (أَبُو مُوسَى) الصَّلَاة (وَسلم) انْصَرف فَقَالَ: أَيّكُم الْقَائِل كلمة كَذَا وَكَذَا؟ فأرم الْقَوْم، ثمَّ ذكر أَبُو مُوسَى صفة صَلَاة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى أَن قَالَ: وَإِذا كَانَ عِنْد الْقعدَة فَلْيَكُن من [أول] قَول أحدكُم: التَّحِيَّات الطَّيِّبَات الصَّلَوَات لله، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله» .
وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَبَعض نسخ مُسلم «وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله» .
(وَفِي رِوَايَة للنسائي: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، و (أشهد) أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله) وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي «أكبر معاجمه» تنكير السَّلَام فيهمَا.
وَأما تشهد عَائِشَة فَرَوَاهُ الْحسن بن سُفْيَان فِي «مُسْنده» وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق قَالَ:
وَفِي هَذِه الرِّوَايَة فَائِدَة حَسَنَة وَهِي أَن تشهد سيدنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِلَفْظ تشهدنا. وَرَوَاهُ مَالك فِي (موطئِهِ) عَن [عبد الرَّحْمَن] بن الْقَاسِم، عَن (أَبِيه)، عَن عَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عليه وسلم «أَنَّهَا كَانَت تَقول إِذا تشهدت: التَّحِيَّات الطَّيِّبَات الصَّلَوَات الزاكيات لله، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين، السَّلَام عَلَيْكُم» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْقَاسِم أَيْضا عَن عَائِشَة رضي الله عنها أَنَّهَا كَانَت تَقول فِي التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة فِي وَسطهَا وَفِي آخرهَا قولا وَاحِدًا:«باسم الله التَّحِيَّات الصَّلَوَات لله الزاكيات لله، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين» ، فِي إِسْنَاده ابْن إِسْحَاق وَصرح بِالتَّحْدِيثِ، لَكِن قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة عَن عَائِشَة لَيْسَ فِيهَا ذكر التَّسْمِيَة إِلَّا مَا تفرد بِهِ ابْن إِسْحَاق.
قَالَ: وَرَوَى ثَابت بن زُهَيْر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر. وَهِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة كِلَاهُمَا عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي التَّسْمِيَة قبل التَّحِيَّة، وثابت بن زُهَيْر مُنكر الحَدِيث ضَعِيف. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن عَائِشَة مَرْفُوعا وَالصَّوَاب وَقفه عَلَيْهَا.
وَأما (تشهد) سَمُرَة بن جُنْدُب رضي الله عنه فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث جَعْفَر بن سعد بن (سَمُرَة بن) جُنْدُب (قَالَ: حَدثنِي خُبيب بن سُلَيْمَان، عَن أَبِيه سُلَيْمَان [بن] سَمُرَة، عَن سَمُرَة بن جُنْدُب)«أما بعد أمرنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا كَانَ فِي وسط الصَّلَاة أَو حِين انْقِضَائِهَا فابدءوا قبل التَّسْلِيم فَقولُوا: التَّحِيَّات الطَّيِّبَات والصلوات وَالْملك لله، ثمَّ سلمُوا عَلَى (الْيَمين ثمَّ) سلمُوا عَلَى قارئكم وَعَلَى أَنفسكُم» .
قَالَ أَبُو دَاوُد: سُلَيْمَان كُوفِي الأَصْل كَانَ بِدِمَشْق. قَالَ عبد الْحق: وَهَذَا الْإِسْنَاد لَيْسَ بِمَشْهُور.
قلت: وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب زَكَاة التِّجَارَة - إِن شَاءَ الله وَقدره.
وَأما تشهد عَلّي بن أبي طَالب، رضي الله عنه، فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أَوسط
معاجمه» و (أكبرها) والسياق للْأولِ عَن إِبْرَاهِيم - يَعْنِي الوكيعي - ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ، نَا عَمْرو بن هَاشم أَبُو مَالك [الْجَنبي] عَن عبد الله بن عَطاء قَالَ: حَدثنِي الْبَهْزِي قَالَ: (سَأَلت الْحُسَيْن بن عَلّي عَن تشهد عَلّي، فَقَالَ: (هُوَ) تشهد النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقلت: حَدثنِي بتشهد عَلّي عَن تشهد النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات والغاديات والرائحات والزاكيات والناعمات السابغات الطاهرات لله» .
قَالَ الطَّبَرَانِيّ: لم يروه عَن عبد الله بن عَطاء إِلَّا عَمْرو.
قلت: قَالَ أَحْمد: صَدُوق. وَلينه غَيره.
وَأما تشهد عبد الله بن الزبير فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي «الْأَكْبَر» و «الْأَوْسَط» أَيْضا من حَدِيث ابْن لَهِيعَة، (نَا الْحَارِث بن يزِيد) قَالَ: سَمِعت أَبَا الْورْد يَقُول: سَمِعت عبد الله بن الزبير يَقُول: «إِنَّ تشهد النَّبِي
(: باسم الله وَبِاللَّهِ خير الْأَسْمَاء التَّحِيَّات لله الطَّيِّبَات الصَّلَوَات، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ بِالْحَقِّ بشيرًا وَنَذِيرا، وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا (وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور) ، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين، اللَّهُمَّ اغْفِر لي واهدني. هَذَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين) .
قَالَ الطَّبَرَانِيّ: لَا يرْوَى هَذَا الحَدِيث عَن عبد الله بن الزبير إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد، تفرد بِهِ ابْن لَهِيعَة.
وَأما تشهد مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان رضي الله عنه فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث رَاشد بن سعد المقرائي، عَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، رضي الله عنه، «أَنه كَانَ يعلم النَّاس التَّشَهُّد وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر، عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم: التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله» .
وَرَاشِد هَذَا وَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم وَابْن سعد وَقَالَ أَحْمد: لَا بَأْس بِهِ. وشذ ابْن حزم فَقَالَ: ضَعِيف. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: يعْتَبر بِهِ، لَا بَأْس بِهِ. وَفِي إِسْنَاده أَيْضا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وَهُوَ ضَعِيف فِي غير
الشاميين، وحريز بن عُثْمَان شَامي ثِقَة لكنه ناصبي مبغض.
وَأما تشهد (سلمَان) فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» أَيْضا من حَدِيث أبي رَاشد قَالَ: سَأَلت (سلمَان) الْفَارِسِي، عَن التَّشَهُّد فَقَالَ:«أعلمكُم كَمَا (علمنيهن) رَسُول الله صلى الله عليه وسلم التَّشَهُّد حرفا حرفا. التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات لله، السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله [وَحده لَا شريك لَهُ] وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله» . فِي إِسْنَاده عمر بن يزِيد الْأَزْدِيّ، قَالَ ابْن عدي: مُنكر الحَدِيث.
وَأما تشهد أبي حميد السَّاعِدِيّ فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» أَيْضا من حَدِيث الْعَبَّاس بن سهل عَنهُ، عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم « (أَنه) كَانَ يتَشَهَّد: التَّحِيَّات لله الصَّلَوَات الطَّيِّبَات الزاكيات لله، السَّلَام علينا وَعَلَى عباد الله الصَّالِحين، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله» . فِيهِ الْوَاقِدِيّ وحالته مَعْلُومَة.
إِذا عرفت هَذِه التشهدات وتقررت لديك بقيت متطلعًا إِلَى (الْأَرْجَح) مِنْهَا ولتعلم أَن أَشدّهَا صِحَة بِاتِّفَاق الْحفاظ حَدِيث ابْن مَسْعُود لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الْأَئِمَّة السِّتَّة اتَّفقُوا عَلَى إِخْرَاجه فِي كتبهمْ، بِخِلَاف تشهد ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ مَعْدُود من مُفْرَدَات مُسلم و (إِن)
أخرجه أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة أَيْضا.
(ثَانِيهمَا) أَنه أصح حَدِيث فِي الْبَاب قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» : حَدِيث ابْن مَسْعُود رُوِيَ عَنهُ من غير وَجه وَهُوَ أصح حَدِيث رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي التَّشَهُّد، وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَمن بعدهمْ من التَّابِعين، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَأحمد وَإِسْحَاق، قَالَ التِّرْمِذِيّ: ثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى، أَنا عبد الله بن الْمُبَارك، عَن معمر، عَن خصيف قَالَ:«رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَام فَقلت: يَا رَسُول الله، إِن النَّاس قد اخْتلفُوا فِي التَّشَهُّد فَقَالَ: عَلَيْك بتشهد ابْن مَسْعُود» زَاد ابْن مَنْدَه فِي «مستخرجه» «فَإذْ فرغت من التَّشَهُّد فسل الله الْجنَّة، وتعوذ بِهِ من النَّار» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «نعم السّنة سنة ابْن مَسْعُود» وَذكر ابْن عبد الْبر بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَحْمد بن عَمْرو بن عبد الْخَالِق الْبَزَّار الْحَافِظ أَنه سُئِلَ عَن أصح حَدِيث فِي التَّشَهُّد فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي وَالله حَدِيث ابْن مَسْعُود، رُوِيَ عَنهُ من نَيف وَعشْرين طَرِيقا. ثمَّ عَددهمْ قَالَ: وَلَا أعلم (أَنه) يرْوَى عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي التَّشَهُّد أثبت من حَدِيث عبد الله، وَلَا أصح أَسَانِيد، وَلَا أشهر رجَالًا، وَلَا أَشد تضافرًا بِكَثْرَة الْأَسَانِيد وَاخْتِلَاف طرقها، وَإِلَيْهِ أذهب وَرُبمَا زِدْت.
قَالَ ابْن عبد الْبر: كَانَ أَحْمد بن خَالِد بالأندلس يختاره، ويميل إِلَيْهِ ويتشهد بِهِ، وَذكر ابْن مَنْدَه فِي «مستخرجه» طرق حَدِيث ابْن مَسْعُود
فِي نَحْو ورقتين، ثمَّ نقل عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى الذهلي أَنه قَالَ: إِنَّه (من) أصح مَا رُوِيَ فِي التَّشَهُّد وَبِه نَأْخُذ، وَنقل عَن مُسلم بن الْحجَّاج أَنه قَالَ: إِنَّمَا اجْتمع النَّاس عَلَى تشهد ابْن مَسْعُود؛ لِأَن أَصْحَابه لَا يُخَالف بَعضهم بَعْضًا، وَغَيره قد (اخْتَلَّ) أَصْحَابه.
قلت: وَمَا رُجح (بِهِ) تشهد ابْن مَسْعُود أَيْضا أَن فِيهِ زِيَادَة وَاو الْعَطف، وَهِي تَقْتَضِي الْمُغَايرَة بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ؛ فَيكون كل جملَة ثَنَاء مستقلًّا بِخِلَاف إِسْقَاطهَا، فَإِن مَا عدا اللَّفْظ الأول يكون صفة للْأولِ وَالْأول أبلغ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» بِإِسْنَادِهِ، عَن ابْن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه قَالَ: مَا سَمِعت فِي التَّشَهُّد أحسن من حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَذَلِكَ أَنه رَفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم.
قلت: وَكَذَلِكَ غَيره مِمَّا عَرفته فَلَا يَصح هَذَا أَن يكون مرجحًا، وَاخْتَارَ الشَّافِعِي رحمه الله تشهد ابْن عَبَّاس لأوجه:
أَحدهَا: لِأَن فِيهِ زِيَادَة و «المباركات» وَلِأَنَّهَا مُوَافقَة لقَوْل الله تَعَالَى: (تَحِيَّة من عِنْد الله مباركة طيبَة)(قَالَه) أَصْحَابنَا. قَالَ الشَّافِعِي: وَهُوَ أَكثر وَأحمد لفظا من غَيره. وَفِي «صَحِيح أبي عوَانَة» بِسَنَدِهِ إِلَى الشَّافِعِي أَنه قَالَ: حَدِيث ابْن عَبَّاس أَجود مَا رُوِيَ
عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم.
ثَانِيهَا: لِأَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم علمه ابْن عَبَّاس وأقرانه من أَحْدَاث الصَّحَابَة فَيكون مُتَأَخِّرًا عَن تشهد ابْن مَسْعُود [وَأَضْرَابه] قَالَه الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» قَالَ: (وَهَذَا) بِلَا شكّ.
ثَالِثهَا: قَالَه الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : الَّذِي عِنْدِي أَنه إِنَّمَا اخْتَارَهُ الشَّافِعِي؛ لِأَن إِسْنَاده إِسْنَاد حجازي، وَإسْنَاد حَدِيث عبد الله إِسْنَاد كُوفِي، وَمهما وجد أَئِمَّتنَا المتقدمون من أهل الْمَدِينَة للْحَدِيث طَرِيقا بالحجاز فَلَا يحتجون بِحَدِيث يكون مخرجه من الْكُوفَة. قَالَ: و (مِمَّا) يشْهد لهَذَا قَول الشَّافِعِي ليونس بن عبد الْأَعْلَى: إِذا وجدت أهل الْمَدِينَة عَلَى شَيْء فَلَا يدخلن قَلْبك شكّ أَنه حق، ثمَّ ذكر الْبَيْهَقِيّ شَوَاهِد لما ذكره. وَوَقع فِي «الشفا» للْقَاضِي عِيَاض أَن الشَّافِعِي اخْتَار تشهد ابْن مَسْعُود وَهُوَ سبق قلم، وَاخْتَارَ مَالك رحمه الله تشهد عمر بن الْخطاب (لتعليم) عمر إِيَّاه عَلَى الْمِنْبَر بِحَضْرَة الصَّحَابَة وَلم يُنكر، وَمثل هَذَا لَا يكون إِلَّا بتوقيف وَهُوَ (بِيَقِين) بعد (تَعْلِيم ابْن عَبَّاس فَتَأَخر التَّعْلِيم)، وَزِيَادَة «المباركات» يقابلها عِنْد مَالك زِيَادَة «الزاكيات» لَكِن للشَّافِعِيّ أَن يَقُول: نَحن تمسكنا بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوع