الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الثَّباتُ على المبادِئ
وعلاوة على ما سبق نرى يعقوب ـ عليه السلام ـ في حادثتي يُوسُف وأخيه، قال لأولاده نفس الجملة الشَّريفة:{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} لا شكوى فيه ولا تبرُّم، ولعمري لو كان غيره مكانه لملأ طِبَاقَ الأرض صُراخاً وعَويلاً، ولنظم شعراً يُمزِّقُ الأفئِدةَ ويفتِّت الأكبادَ، ولكنْ هي أخلاق الأنبياء أصحاب المبادئ الثَّابتة والخِلال الحميدة، ولا عجب؛ فالأنبياء كانوا يتعايشون بالدِّين، وما أشدَّ حاجتنا إلى أن نتعايش بالدِّين والمروءة والأخلاق، لا بالجهل والسَّفاهة والانحطاط!
آية كأنَّها ثوبٌ سابغ على يعقوب ـ عليه السلام
- ـ
كانت حياةُ يعقوب ـ عليه السلام ـ مفْعَمةً بألوان الكروب والابتلاءات النَّادرة المثال في تاريخ البشر؛ فإنَّه ـ عليه السلام ـ كان يخاف على يُوسُفَ من كيد إخوته وقد كادوه، ثمَّ وقع هو وأسرته في شيءٍ من الجُوع ونقص من الأموال
والثَّمرات في أعوام الجدب والقحط، ونقص من أولاده، ومع هذا فقد صبر صبراً جميلاً، وصدق الله تعالى القائل في محكم كتابه:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)} [البقرة].
عَبَراتٌ على يُوسُفَ
كَرِه يَعْقُوبُ ـ عليه السلام ـ ما أخبره به أولاده، فَأَعْرَضَ {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} في مَعْزلٍ، وقد قهره الأسَفُ والشَّوقُ والتَّلهُّفُ، وأعياه الحزنُ، وشفَّه الوجدُ، ولَذَعَ قلْبَه الفراق، {وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ} أي يا حسرتي وحزني وحرقتي على يُوسُفَ! ففرَّج ـ عليه السلام ـ عن نفسه بهذه الكلمة البديعة التي لم ينطق سواها، وبين لفظتي الأسف ويوسف تجانس بديع، يسمَّى جناس الاشتقاق، وهو يُضْفِي على النَّص حسناً صوتيّاً من حيث الإيقاع اللَّفظي، ويكسِبُ النَّص عنصر المفاجأة، وثراء
المعنى، فهو يثير السَّامع لمعرفة معنى اللَّفظين المتقاربين في النُّطق المختلفين في المعنى.
وإنَّما أَسِفَ يَعْقُوبُ على يُوسُفَ، مع أنَّ المقام يستدعي أن يتأسَّف على أخيه؛ لأنَّ الحزن الجديد يُذَكِّر بالحزن القديم، كما قيل:"وإنَّ الأسى يبعث الأسى"، والشجا يُحيي الشَّجا، زد على ذلك أنَّ ليُوسُفَ في قلب يعقوب هوىً لاعِجاً.
ولا زال يعقوب ـ عليه السلام ـ يكْظم حُزْنَهُ وألمه، ويتجلَّدُ حتَّى ابيضَّت عيناه من الحُزْن، قال تعالى:{وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)} فقد بصره من شدَّة الحزن والحُرْقة واللَّوعة، وقيل: ضَعُفَ بَصَرُه حتَّى كاد لا يرى.
وما لَبِثَ ـ عليه السلام ـ مدَّة إلَّا وجاءَه أولاده، {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} وهي كلمة نصح وإشفاق عليه، يمازجها اللَّوم والتَّعجُّب، أي: والله لا تزال تذكرُ يُوسُفَ وتتفجَّعُ عليه، ولا تنفكُّ تضْرِبُ على هذا الوتر الحزين، {حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا} مشفياً على الهلاك مرضاً، وحتّى يذيبك الهمُّ {أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85)} بالموت أسىً وحسرةً؛ فإنَّ ذلك عاقبة الأسف والحُزْن.
{قَالَ} يعقوب ـ عليه السلام ـ ردّاً عليهم: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي
(1)
} همِّي العظيم {وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} تعالى وحدَه، أي: لا أشكو إليكُم أو لغيرِكم مِن الخَلق، إنَّما أشكو إلى الخالق داعياً له وملتجئاً إليه، وما عليَّ إنْ أنا بثثتُ همِّي لخالقي؟! إنَّ الشكوى إليه تعالى من جنى الإِيمان:
لا تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً
…
وسَلِ الَّذي أَبوابُهُ لا تُحْجَبُ
اللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤالَهُ
…
وبُنَيُّ آدَمَ حينَ يُسأَلُ يَغْضَبُ
ويختمُ يعقوبُ ـ عليه السلام ـ جوابَه لأولاده بقوله: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا
(1)
البثُّ: أصعب الهمِّ الَّذي لا يُصبَرُ عليه حتَّى يُبَثَّ ويُنشَر إلى الغير.