الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تقديم
أ. د. محمود السَّرطاوي
الحَمْدُ لله الهادي إلى سَواء السَّبيل، يُؤتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ، ولا يَنْسى من فَضْلِهِ أحَداً، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مُعَلِّم النَّاس الخير، وقُدْوَتِهم في الدَّعوة والإصلاح، رسُولِ الإنسانيَّة محمَّدٍ بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى الآل والصَّحب الأخيار الأطهار الأبرار، وعلى مَنْ تَبِعَهُم وَسَارَ على منهجهم إلى يومِ الدِّين، وبعد:
فإنَّ العِلْمَ ـ كما يقولون ـ رَحِمٌ بين أَهْلِهِ، وقَلِيلٌ هم أولئكَ النَّفر الَّذين يتمسَّكون بهذا القول منهجاً وسُلُوكاً.
لم يكُن الأستاذ أحمد أحَدَ طلَّابي، وهم كُثُرٌ وفيهم الخير الكثير، لكنَّه دَلَفَ إليَّ ذات يوم بمخطوطة كتابه لأضع لها مُقدّمة، فقَرَأْتُ المخطوطة لأرى إنْ كانت المنهجيَّة سليمة والأهدافُ واضحةً، وإذا بي أَقِفُ على كلامٍ لرَجُلٍ طَلْقِ العِبَارة، له بَاعٌ في الأدب واللُّغة، قادر على صَيْدِ اللآلِئ، غوَّاص إلى المعاني، يُعبِّرُ عنها ببيان تَطْرَبُ له الآذان، وتستجِيبُ له الأفئدة، وتستهويه النُّفوس.
وتعتمد دراسته على منهجيَّة علميَّة بعيدة عن الهوى، يَرِدُ فيها الموارِدَ الصَّعْبَةِ الَّتي زلَّت فيها أقلامُ أقوام ساروا ورَاءَ الهوى؛ فلم تصفُ كتبهم من الأقذاء والأكدار، لكنَّ صاحِبَنا ـ بفضل من الله تعالى عليه ـ يَشْرَبُ منها ماءً عذباً، ويفيضُ بما منحه اللهُ تعالى على الآخرين.
والكتابُ الَّذي بين يدي القارِئ ضمَّنه الكاتب فوائد وفرائد عديدة، حيث تحدَّثَ عن منهج الدُّعاةِ، وما ينبغي أن يتَّصِفَ الدَّاعية به من العِلْمِ والحِلْمِ والصَّبر والأناةِ
…
وتحدَّثَ عمَّا يلاقيه الدَّاعية من المِحَن، وما يناله من الأذى، وهذا ليس غريباً، فالله تعالى يقول:{وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)} [لقمان].
ويُضيفُ الكاتبُ إلى هذا جُمْلَةً من المعاني والمبادئ المستنبطة من قصَّة يُوسُفَ
ـ عليه السلام ـ، منها مبدأ الشُّورى، ومبدأ العدل، وأُسُسُ التَّقاضي، فعزيز مِصْر يخطِّئ زوجته، ويحكم بما أمْلَتْه العدالة وأصول التَّقاضي على زوجته، فيقول: {إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ
…
(28)} [يوسف].
وقد ضمَّن الكَاتِبُ بين دفَّتي كتابه من اللّطائف القرآنيَّة، واللَّمسات البيانيَّة ما لا يتَّسع المقام لذكرها، وحسبي أن أشَرتُ لبعضِها.
وقد انشَرحَ صدري على معنى قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ
…
(24)} [يوسف] حيثُ وضَّح ببيان اللُّغة نفي ما توهَّمه بعضهم ممَّا لا يليق بالأنبياء من أنَّ يُوسُفَ ـ عليه السلام ـ همَّ بالوقوع في الجريمة لولا أن رأى برهان ربِّه.
لقد وَقَفَ الكاتبُ وقْفَةَ تأمِّلٍ بعد ذكره المحن الَّتي مرَّ بها يُوسُفُ ـ عليه السلام ـ، ومرَّ بمثلها وأكثر منها سيِّدُ الأنام محمَّد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما يؤولُ إليه أمرُ الصَّابرين الصَّادقين من الفوز والنَّجاح، وتحقيق الأهداف، جميلٌ هذا الرَّبط بين قصَّة يُوسُفَ ـ عليه السلام ـ ومناسبة نزولها، وبديع ذلك البيان لمكانة سُورة يُوسُفَ بين أخواتها في القرآن.
أسألُ اللهَ تعالى أن ينفعَ به، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأبرَّه وأوفاه، وأن يتغمَّدني اللهُ تعالى بعفوه ومغفرته وكرمه والمسلمين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين.
أ. د. محمود علي السَّرطاوي
أستاذ الفقه المقارن
نائب رئيس جامعة العلوم الإسلاميَّة العالميَّة
1/محرَّم/1431 هـ
18/ 12/2009 م