الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
براءته وصدقه، كما أفصح عنه قوله تعالى:{ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)} يذكِّر في تمادي المشركين في غيِّهم في حقِّ النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، مع رؤيتهم الآيات الدَّالة على صدقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما أفصح عنه قوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا
…
آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14)} [الصّافات].
ومن التَّشابه بين واقع يوُسُفَ ـ عليه السلام ـ وواقع النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أنَّ الله تعالى مكَّن للنَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأرض المدينة كما مكَّن ليُوسُفَ بأرض مصر:
تَلْقَى بكل بلادٍ إن حَلَلْتَ بها
…
أهلاً بأهلٍ وجيراناً بجيران
ومن التَّشابه أنَّ الله تعالى جمع بين النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأهل مكَّة بعد غربة وعناء، كما جمع بين يوُسُفَ ـ عليه السلام ـ وأهله بعد غربة وشتات، وعفو النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أهل مكَّة، يشبه عفو يُوسُفَ ـ عليه السلام ـ عن إخوته.
فإذا كان للنَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الأنبياء ما يثبِّت به فؤاده، أفلا يكون لنا في النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاصة وفي الأنبياء عامة ما نثبِّت به الأفئدة، ونطمئن به النُّفوس، ونصلح ما في الصُّدور؟!
من أوجه التَّناسُب بين سُورة يُوسُفَ وما قبلها وما بعدها
من أوجه الشَّبه والتَّناسق بين سُورَة يُوسُفَ وسُورة هود التي سبقتها، أنَّ سُورةَ هود ذُكِرتْ فيها قصَّة إبراهيم ـ عليه السلام ـ وقد بُشِّرَ فيها بإسحاق ومن ورائه يعقوب، فبعد أن ذكر الله تعالى قصَّة إبراهيم مع الملائكة، قال:{وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)} [هود] ونحن نعلم أنَّ سُورة يُوسُفَ تدور حول يعقوب وأبنائه الَّذين هم أحفاد إبراهيم ـ عليه السلام ـ.
ومن أوجه وضع سورة يُوسُفَ بعد سُورة هود أنَّ سورة هود تضَمَّنت على مجموعة من قَصَصِ الأنبياء ابتداءً بقصَّة نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم إبراهيم، ثم
لوط، ثم شعيب، ثم موسى وهارون، وبعد هذه السُّورة التي اشتملت على هذه القصص الحسنة المجملة كلِّها، جاءت سُورةُ يُوسُفَ تقصُّ علينا أحْسَنَ القَصَصِ المتَّصلة المفصَّلة؛ لتُثْبِت إعجاز القرآن في المُجْمَل والمُفَصَّل، والإيجاز والإطناب.
كما جَمَعَتْ بين السُّورتين سُنَّةُ الله تعالى في نجاة رسله والَّذين آمنوا برحمة الله وفضله، فممَّا ورد من ذلك في سورة هود، قوله تعالى:{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66)} [هود] وقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94)} [هود] وفي سورة يوسف، قال تعالى:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)} فسبحان منزل الكتاب، وناصر الأحباب!
ومن أوجه التَّناسب أنَّ سورة هود حدَّثتنا عن عداوة وحسد الأباعد للأنبياء، وسورة يُوسُفَ حدَّثتنا عن عداوة وحسد الأقارب لنبيِّ الله يُوسُفَ ـ عليه السلام ـ، وكلاهما تسلية للنَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ الَّذي لقي من عداوة الأقارب والأباعد ما يعلمه الله.
أمَّا سورة الرَّعد فوجه وضعها بعد سُورَةِ يُوسُفَ أنَّ سُورة يُوسُفَ خُتمت بالحديث بإجمال عن آيات الله في السّموات والأرض، قال تعالى:{وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)} [يوسف] ثمَّ جاءت سُورة الرَّعد، وافتتحت بالحديث عن هذه الآيات الكونيَّة بالتَّفصيل، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ
النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)} [الرَّعد].
وفي سورة يُوسُفَ الحديث بإجمال عن شرك النَّاس بالله، قال تعالى: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ
…
(40)} [يوسف] وقال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)} [يوسف].
وفي ختام سورة الرَّعد جاءَ تفصيلُ ذلك، قال تعالى:{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14)} [الرّعد] وقال تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)} [الرّعد] وقال تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)} [الرّعد].
وقد عدّ العلماء العديد من وجوه التَّناسق، ولا يوجد نَسَقٌ أبدع من نَسَقِ القرآن، فكلّ سورة كالآية في سياقها، لها ارتباط قي سبَاقِها ولحَاقها.