الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تعيير، ولا تأنيب، ولا لوم، ولا انتقام، ولا ثأْر، ولا حِسَاب؛ لأنَّ النُّفوس الكِبَار فَوْقَ الأحقادِ والأضْغَان.
فما أنْ سَمِعَ مقالهم واعتذارَهم حتَّى أَقَالَ ذَنْبَهم وعثراتهم، {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ}
…
: غَفَرَ، وَصَفَحَ، وعفا، أي لا عتب عليكم، ولا تعيير، ولا تذكير، قد سامحتكم، وعفوت عنكم.
ثمَّ توَّج العَفْوَ بالدُّعاء بالمغفرة لهم، فقال:{يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)} مُتَعرِّضِاً لرحمته تعالى له ولهم، ويلاحظ أنَّه دعا لهم بالمغفرة ولم يطلبوها منه، بينما سيأتي لهم أن يطلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم، فيكون جوابه: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي
…
(98)} وهذا على كلِّ حال مشعر بعفوه عنهم.
وكَرَمُ يُوسُفَ البَالغ بالعفو أصبح مضربَ الأمثال، فعبارته الكريمة:{لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ} مثلٌ رائعٌ في السَّماحة والعَفْو وكرم الإخاء، فهو عَفْوٌ عند المقدرة لا لوم فيه ولا عتاب، وتنازل عن الحقِّ لا شَحْنَاءَ فيه ولا ضَغْناء.
فيا لله ما أجملَ هذا العفْوَ! وما أعزَّ صاحبه!
فإذا عزَّ أخوك فَهُنْ، واترك الخلاف، فإنَّ ذلك يُذْهِبُ الحَفِيْظَة، ويَرتُقُ الخَرْقَ، أنشد الأصمعي:
إذا ما امرؤ سَاءَتْكَ منه خَلِيقَةٌ
…
ففي الصَّفْح طيٌّ للذُّنُوب جميلُ
وإنِّي لأعطي المالَ مَنْ ليس سَائِلاً
…
حِفَاظاً وإخوانُ الحِفَاظِ قَليلُ
العَفْو والصَّفْح
من قول إخوة يُوسُفَ: {وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91)} ، ومن قول يُوسُفَ:
{لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} نفهم أنَّ الاعترافَ بالخطأ سبيلُ الظَّفر بالعفو، وأنَّ الإِقرار بالخطأ والرُّجوع إلى الصَّواب فضيلةٌ، وأنَّ الصَّفْح والإِغْماض عن عِتَاب القريب إذا أسَاءَ خُلقٌ كريمٌ، وأنَّ طلب الزَّلَّات واقتفاء العثرات يُذْهِبُ المودَّات، وأنَّ على المسيء أن يعترف بإساءَته، ويطلب الصَّفْحَ ممَّن أَسَاءَ له، وحينها يُسْتَحبُّ للمُسَاء إليه أن يصفح عن المسيء وَيُصْفِي الودَّ له، فإنَّ المقدرة تُذْهِبُ الحفيظة.
وأنَّه ينبغي أن نكون أصحابَ عفوٍ وغفران، فنعفو عن إخواننا ونغفر زلَّاتهم؛ لِنَنَالَ مغفرة الله تعالى القائل في محكم تنزيله:{وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)} [النَّور].
وعلينا الدُّعاء بالمغفرة لمن أخطأ علينا، وهذا نفهمه من دُعَاء يُوسُفَ لإخوته:{قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} .
وهذا النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ الّذي كان خلقه القرآن الكريم، يعفو يوم الفتح عن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب ابن عمّه وأخيه من الرّضاعة، وكان من أشدِّ النَّاس إيذاء له في مكَّة، فقد أشَارَ عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ على ابن عمِّه أبي سفيان بوسيلة يترضَّى بها رسُولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال له: ائْتِهِ من قِبَلِ وجْهِهِ، فَقُل له ما قال إِخوةُ يُوسُفَ ليُوسُفَ:{تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91)} فإنه لا يَرْضَى أنْ يكونَ أحدٌ أحْسَنَ منه جَواباً، فَفَعَلَ ذلك أبو سُفيان، فقال له رسُولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:{لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)} ، فأنشَده أبو سُفيان معتذراً:
لَعَمْرُكَ إنِّي حين أَحْمِلُ رَايةً
…
لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحمَّد