المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(711) باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب وخلق الإنسان خلقا لا يتمالك - فتح المنعم شرح صحيح مسلم - جـ ١٠

[موسى شاهين لاشين]

فهرس الكتاب

- ‌(689) باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها

- ‌(690) باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر والظن والتحسس والتجسس والتنافس والتناجش والهجر فوق ثلاثة أيام

- ‌(691) باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله

- ‌(692) باب النهي عن الشحناء

- ‌(693) باب فضل الحب في الله تعالى

- ‌(694) باب فضل عيادة المريض

- ‌(695) باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها

- ‌(696) باب تحريم الظلم

- ‌(697) باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما

- ‌(698) باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتوادهم

- ‌(699) باب النهي عن السباب

- ‌(700) باب استحباب العفو والتواضع

- ‌(701) باب تحريم الغيبة

- ‌(702) باب من ستر الله عليه في الدنيا فإن الله يستر عليه في الآخرة

- ‌(703) باب مدارة من يتقي فحشه

- ‌(704) باب فضل الرفق

- ‌(705) باب النهي عن لعن الدواب وغيرها

- ‌(706) باب من لعنه النبي صلى الله عليه وسلم أو سبه أو دعا عليه وليس أهلا لذلك كان له زكاة وأجر ورحمة

- ‌(707) باب ذم ذي الوجهين وتحريم فعله

- ‌(708) باب تحريم الكذب وبيان ما يباح منه

- ‌(709) باب تحريم النميمة

- ‌(710) باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله

- ‌(711) باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب وخلق الإنسان خلقا لا يتمالك

- ‌(712) باب النهي عن ضرب الوجه

- ‌(713) باب الوعيد الشديد لمن عذب الناس بغير حق

- ‌(714) باب أمر من مر بسلاح في مسجد أو سوق أو غيرهما من المواضع الجامعة للناس أن يمسك بنصالها والنهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم

- ‌(715) باب فضل إزالة الأذى عن الطريق

- ‌(716) باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان الذي لا يؤذي

- ‌(717) باب تحريم الكبر

- ‌(718) باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى وفضل الضعفاء والخاملين والنهي عن قول هلك الناس

- ‌(719) باب الوصية بالجار والإحسان إليه

- ‌(720) باب استحباب طلاقة الوجه

- ‌(721) باب استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام

- ‌(722) باب استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة قرناء السوء

- ‌(723) باب فضل الإحسان إلى البنات

- ‌(724) باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه

- ‌(725) باب إذا أحب الله عبدا أمر جبريل فأحبه وأحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض

- ‌(726) باب الأرواح جنود مجندة

- ‌(727) باب المرء مع من أحب

- ‌(728) باب إذا أثنى على الصالح فهي بشرى ولا تضره

- ‌كتاب القدر

- ‌(729) باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته

- ‌(730) باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام

- ‌(731) باب تصريف الله القلوب كيف شاء

- ‌(732) باب كل شيء بقدر

- ‌(733) باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره

- ‌(734) باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موتى أطفال الكفار، وأطفال المسلمين

- ‌(735) باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر

- ‌(736) باب الإيمان بالقدر والإذعان له

- ‌كتاب العلم

- ‌(737) باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه والنهي عن الاختلاف في القرآن

- ‌(738) باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان

- ‌(739) باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة

- ‌كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار

- ‌(740) باب الحث على ذكر الله تعالى

- ‌(741) باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها

- ‌(742) باب العزم في الدعاء ولا يقل إن شئت

- ‌(743) باب كراهة تمني الموت لضر نزل به

- ‌(744) باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه

- ‌(745) باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله وحسن الظن به

- ‌(746) باب كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا

- ‌(747) باب فضل مجالس الذكر

- ‌(748) باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار

- ‌(749) باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء

- ‌(750) باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر

- ‌(751) باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه والتوبة

- ‌(752) باب استحباب خفض الصوت بالذكر إلا في المواضع التي ورد الشرع برفعه فيها كالتلبية وغيرها واستحباب الإكثار من قول لا حول ولا قوة إلا بالله

- ‌(753) باب في الدعوات والتعوذ

- ‌كتاب الرقاق

- ‌(754) باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء

- ‌(755) باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال

- ‌كتاب التوبة

- ‌(756) باب في الحض على التوبة والفرح بها وسقوط الذنوب بالاستغفار

- ‌(757) باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات والاشتغال بالدنيا

- ‌(758) باب سعة رحمة الله وأنها تغلب غضبه

- ‌(759) باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة

- ‌(760) باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش

- ‌(761) باب قوله تعالى {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود 114]

- ‌(762) باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله

- ‌(763) باب سعة رحمة الله تعالى على المؤمنين وفداء كل مسلم بكافر من النار

- ‌(764) باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه

- ‌(765) باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف وبراءة حرم النبي صلى الله عليه وسلم من الريبة

- ‌كتاب صفات المنافقين وأحكامهم

- ‌(766) باب صفات المنافقين وأحكامهم

- ‌كتاب صفة القيامة والجنة والنار

- ‌(767) باب من صفات القيامة

- ‌(768) باب ابتداء الخلق وخلق آدم عليه السلام

- ‌(769) باب صفة الأرض يوم القيامة ونزل أهل الجنة

- ‌(770) باب سؤال اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح وقوله تعالى {ويسألونك عن الروح}

- ‌(771) باب في مواقف للكفار والرد عليهم الذي قال لأوتين مالا وولدا - وإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى - الدخان - انشقاق القمر - ادعاء الند والولد

- ‌باب الدخان

- ‌باب انشقاق القمر

- ‌باب لا أحد أصبر على أذى من الله عز وجل

- ‌(772) باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبا

- ‌(773) باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل جزاء حسنات الكافر في الدنيا

- ‌(774) باب مثل المؤمن كالزرع ومثل المنافق والكافر كالأرزة

- ‌(775) باب مثل المؤمن مثل النخلة

- ‌(776) باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس وأن مع كل إنسان قرينا

- ‌(777) باب لن يدخل أحدا عمله الجنة

- ‌(778) باب الإكثار من الطاعة والاجتهاد في العبادة

- ‌(779) باب الاقتصاد في الموعظة

- ‌كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها

- ‌(780) باب صفة نعيمها وأهلها

- ‌(781) باب جهنم أعاذنا الله منها وصفتها وأهلها

- ‌(782) باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة

- ‌(783) باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار وعرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه

- ‌(784) باب إثبات الحساب

- ‌(785) باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت

- ‌كتاب الفتن وأشراط الساعة

- ‌(786) باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج والجيش الذي يخسف به وتواجه المسلمين بسيفيهما وبعض أشراط الساعة

- ‌(787) باب ذكر ابن صياد

- ‌(788) باب ذكر الدجال

- ‌(789) باب قصة الجساسة والدجال

- ‌(790) باب فضل العبادة في آخر الزمان

- ‌(791) باب قرب الساعة وما بين النفختين

- ‌كتاب الزهد

- ‌(792) باب هوان الدنيا والزهد فيها والتحذير من الاغترار بها

- ‌(793) باب النهي عن الدخول على أهل الحجر إلا من يدخل باكيا

- ‌(794) باب فضل الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم

- ‌(795) باب فضل بناء المساجد

- ‌(796) باب فضل الإنفاق على المسكين وابن السبيل

- ‌(797) باب تحريم الرياء

- ‌(798) باب حفظ اللسان

- ‌(799) باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله

- ‌(800) باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه

- ‌(801) باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب

- ‌(802) باب في أحاديث متفرقة

- ‌(803) باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط وخيف منه الفتنة على الممدوح

- ‌(804) باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم

- ‌(805) باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام

- ‌(806) باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر

- ‌(807) باب في حديث الهجرة ويقال له حديث الرحل

- ‌كتاب التفسير

- ‌(808) باب كتاب التفسير

الفصل: ‌(711) باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب وخلق الإنسان خلقا لا يتمالك

(711) باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب وخلق الإنسان خلقا لا يتمالك

5779 -

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما تعدون الرقوب فيكم" قال قلنا الذي لا يولد له قال "ليس ذاك بالرقوب ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا" قال "فما تعدون الصرعة فيكم" قال قلنا الذي لا يصرعه الرجال قال "ليس بذلك ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب".

5780 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".

5781 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ليس الشديد بالصرعة" قالوا فالشديد أيم هو يا رسول الله قال "الذي يملك نفسه عند الغضب".

5782 -

عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فقال الرجل وهل ترى بي من جنون قال ابن العلاء فقال وهل ترى ولم يذكر الرجل.

ص: 95

5783 -

عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال أتدري ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا قال "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فقال له الرجل أمجنونا تراني.

5784 -

عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك".

-[المعنى العام]-

الغضب انفعال طبيعي في جبلة الإنسان وخلقته وكل ما يملكه الإنسان بشأنه أن يجتنب أسبابه وأن يتفادى إثارته كما يملك الإنسان القوي الحد من ثورته والتهدئة من فورانه والتوقف عن الاستجابة لحرارته وتحريك الجوارح واللسان في تياره واندفاعه وكلما ملك الإنسان نفسه عند الغضب كان أقوى الناس لأن أعدى عدو للإنسان نفسه وشيطانه فإذا غلبها فقد غلب أقوى أعدائه ومن هنا كانت وصية الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له أوصني يا رسول الله قال لا تغضب فردد السائل مرارا فردد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله لا تغضب.

ولو تدبر العاقل ساعة غضبه ولو نظر إلى نفسه في المرآة لسخر من نفسه واستصغرها وتقزز من منظره ولتحول غضبه على من أثاره إلى غضبه على نفسه من قبح صورته وتحول خلقته يرى دمه ينقبض وينبسط فيصفر لونه ويحمر وتحمر عيناه وتنتفخ عروق رقبته ويرتعد ويرتعش ثم ينفلت زمام الحكمة في تصرفاته فينطلق لسانه بالشتم والسب وتمتد يده محاولة إلحاق الأذى بالخصم ويأتي أفعالا يستحي هو منها عندما يهدأ ويعجب من نفسه كيف أتاها ويندم أن فعلها وقد يهرب منه خصمه فلا يفرغ فيه شحنته فيفرغها في نفسه يضرب رأسه في الحائط أو يمزق ثوبه أو يلطم خده أو يكسر آنية أو يضرب من ليس له دخل في غضبه وقد يقع صريعا أو مغمى عليه وقد يتخلف عن ذلك كله حقد وبغضاء وعداوة وشهوة انتقام تستمر تدفعه طيلة حياته وعلاج

ص: 96

الغضب ذكر الله وتغيير الوضع إن كان واقفا جلس وإن كان جالسا قام وترك مكان الغضب والشيطان علاجه في استحضار قوله تعالى {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا} الله وأوامره {فإذا هم مبصرون} [الأعراف 201] وقوله تعالى {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} [فصلت 34 - 36]

-[المباحث العربية]-

(ما تعدون الرقوب فيكم) بفتح الراء وتخفيف القاف وهو الذي لا يعيش له ولد يقال رقبه بفتح القاف يرقبه بضمها رقبا بسكونها مع فتح الراء ورقوبا بفتح الراء ورقابة أي انتظره وفي القرآن الكريم {إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي} [طه 94] وأطلق الرقوب على الذي لا يعيش له ولد أو الذي لا يولد له ولد لما أنه ينتظر الوفاة لولده أو الذي يأمل وينتظر الولد

(قلنا الذي لا يولد له) الموصول خبر مبتدأ محذوف أي الرقوب الذي لا يولد له

(قال ليس ذاك بالرقوب) النفي ليس مطلقا حتى لا يوصف من لا يولد له بالرقوب وإنما هو نفي الكمال والاستحقاق لإثبات الكمال والاستحقاق لغيره

(ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا) أي لم يمت له ولد لأنه الذي ينفعه نفعا حقيقيا

(قال فما تعدون الصرعة فيكم) بضم الصاد وفتح الراء والهاء للمبالغة في الصفة وهو الذي يصرع الناس كثيرا بقوته أي الغلاب في المصارعة والصرعة بضم الصاد وسكون الراء من يصرعه الناس كثيرا وكل ما جاء بهذا الوزن بفتح العين وسكونها فهو كذلك كهمزة ولمزة وحفظة وخدعة وضحكة يقال صرعه يصرعه صرعا طرحه على الأرض فهو مصروع وصريع قال ابن التين ضبطناه بفتح الراء وقرأه بعضهم بسكونها وليس بشيء لأنه عكس المطلوب ولذا جاء في الجواب

(قلنا الذي لا يصرعه الرجال) أي ويصرع هو الرجال

(قال ليس بذاك) أي ليس الغلاب في المصارعة الذي يصرع الرجال

(ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب) أي الجدير بهذا الوصف الذي يصرع نفسه الأمارة بالسوء ويصرع شيطانه المهيج للغضب قال النووي معنى الحديث إنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون وهو المصاب بموت أولاده وليس هو كذلك شرعا بل هو من لم يمت أحد من أولاده في

ص: 97

حياته فيحتسبه فيكتب له ثواب مصيبته به وثواب صبره عليه ويكون له فرطا وسلفا وكذلك تعتقدون أن الصرعة الممدوح القوي الذي لا يصرعه الرجال بل يصرعهم وليس هو كذلك شرعا بل هو من يملك نفسه عند الغضب فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قل من يقدر على التخلق بخلقه بخلاف الأول اهـ

(ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) وعند أحمد "الصرعة كل الصرعة كررها ثلاثا الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه فيصرع غضبه".

وفي الرواية الثالثة "قال ليس الشديد بالصرعة قالوا فالشديد أيم هو يا رسول الله""أيم" أصلها "أي ما" و"ما" بمعنى شيء مضاف لأي حذف ألفها والمعنى أي شيء هو

(استب رجلان) قال الحافظ ابن حجر لم أعرف أسماءهما اهـ أي جريا على عادتهم في الستر على المسيئين

(فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه) جمع ودج بفتح الواو والدال ووداج بكسر الواو وهو عرق في العنق وهو الذي يقطعه الذابح فلا تبقى مع قطعه الحياة وللإنسان ودجان فالجمع على القول بأنه ما فوق الواحد وفي رواية للبخاري "فغضب أحدهما فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير" وإنما كان هذا الوصف لأحدهما مع أن السب كان من الرجلين إما لأن الآخر كان أطول بالا أو كان أكثر إساءة وسبا والظاهر الأول لما سيأتي من رد الأحمق على النصيحة

(إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم") هذا من قبيل إطلاق الكلمة على الكلام وفي رواية "لو قال أعوذ بالله من الشيطان لذهب عنه الذي يجد" وفي رواية "إني لأعلم كلمة لو يقولها هذا الغضبان لذهب عنه الغضب اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم" وكان هذا عرضا من الرسول صلى الله عليه وسلم ليقوم أحد الحاضرين من الصحابة بتبليغه

(فقال الرجل وهل ترى بي من جنون) معطوف على محذوف مطوي في هذه الرواية ذكر في الرواية الخامسة ولفظها "فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال أتدري ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا أي الساعة منذ قليل قال إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وفي رواية "فقالوا له" والذي خاطبه واحد منهم وهو معاذ بن جبل كما بينته رواية أبي داود وأسند القول لهم لموافقتهم إياه ولفظ أبي داود "فجعل معاذ يأمره فأبى وضحك وجعل يزداد غضبا" وفي رواية للبخاري "فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي صلى الله عليه وسلم وقال تعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وليس في الخبر أنه أمرهم أن يأمروه بذلك لكن استفادوا ذلك من طريق عموم الأمر بالنصيحة للمسلمين

و"جنون" مفعول به مجرور بحرف الجر الزائد و"ترى" بفتح التاء بصرية وفي الرواية

ص: 98

الخامسة "أمجنونا تراني" والاستفهام إنكاري بمعنى النفي وفي رواية للبخاري "أترى بي بأس" بضم التاء بمعنى أظن وبرفع "بأس" مبتدأ مؤخر والجار والمجرور خبر مقدم والجملة مفعول "ترى" وفي بعض الروايات "بأسا" بالنصب وهو أوجه زاد في الرواية هذه "أمجنون أنا اذهب" خطاب من الرجل للرجل الذي أمره بالتعوذ أي امض في شغلك قال النووي هذا كلام من لم يتفقه في دين الله تعالى ولم يتهذب بأنوار الشريعة المكرمة وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالمجنون ولم يعلم أن الغضب من نزغات الشيطان ولهذا يخرج به الإنسان عن اعتدال حاله ويتكلم بالباطل ويفعل المذموم ويورث الحقد والبغض وغير ذلك من القبائح المترتبة على الغضب قيل كان من المنافقين وقيل كان من جفاة الأعراب اهـ وقال بعضهم أخلق به أن يكون كافرا

(لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه) وعند الترمذي والنسائي والبزار وصححه ابن حبان "إن الله خلق آدم من تراب فجعله طينا ثم تركه حتى إذا كان حمأ مسنونا أي منتنا خلقه وصوره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار أي يابسا لم تصبه نار يسمع صوته عند النقر فإذا طبخ في النار صار فخارا كان إبليس يمر به فيقول لقد خلقت لأمر عظيم ثم نفخ الله فيه من روحه

"

(فجعل إبليس يطيف به) بضم الياء قال أهل اللغة طاف بالشيء يطوف طوفا وطوافا وأطافه به أي جعله يطوف كأن نفسه كانت تدفعه للطواف

(فلما رآه أجوف) الجوف من كل شيء الباطن والفراغ الذي يقبل أن يشغل ويملأ وعند البخاري "خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا" وعند أحمد "كان طول آدم ستين ذراعا في سبعة أذرع عرضا" ولنا أن نتخيل فراغ البطن والصدر لهذا الطول والعرض

(عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك) أي لا يملك نفسه ولا يحبسها عن الشهوات وقيل لا يمنع دفع الوسواس عنه وقيل لا يملك نفسه عند الغضب والمراد جنس بني آدم

وكان إبليس من أعلم الملائكة دارسا لحكمة الخلق وارتباط الأسباب بالمسببات فلما رأى في جسم آدم فراغا يمكن أن يملأه وبأن يجري فيه مجرى الدم وبأن يثير شهوة البطن والفرج وبأن ينفخ في الفراغات فيهيج الغرائز والانفعالات رأي أنه سيغويه وهو وذريته سيغوون ذرية آدم وأن إتيان إبليس وجنوده إلى بني آدم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم سيمكن الوسواس الخناس من السيطرة عليهم ولا تجد أكثرهم شاكرين وكان أكبر ميدان لهذا الإغواء ميدان الغضب الذي يفقد الإنسان السيطرة على نفسه

-[فقه الحديث]-

-[يؤخذ من الأحاديث فوق ما سبق]-

1 -

من الرواية الأولى فضل موت الأولاد والصبر عليهم

ص: 99

2 -

ويتضمن الدلالة على مذهب من يقول بتفضيل التزوج لأنه وسيلة الأولاد النافعين عاشوا أو ماتوا قال النووي وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحابنا

3 -

وفيها فضيلة كظم الغيظ

4 -

وإمساك النفس عند الغضب عن الانتصار والمخاصمة والمخادعة

5 -

ومن الترغيب في قول "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" في الرواية الرابعة والخامسة أن الغضب في غير الله تعالى من نزغ الشيطان

6 -

وأنه ينبغي لصاحب الغضب أن يستعيذ فيقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

7 -

وأن الاستعاذة سبب لزوال الغضب

8 -

وفي الأحاديث عظم مفسدة الغضب وما ينشأ عنه

9 -

وفي الرواية الأولى أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو لأنه صلى الله عليه وسلم جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة

والله أعلم.

ص: 100