الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(764) باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه
6096 -
عن ابن شهاب قال ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام قال ابن شهاب فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب كان قائد كعب من بنيه حين عمي قال سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال كعب بن مالك لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنه إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا واستقبل عدوا كثيرا فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد بذلك الديوان) قال كعب فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا وأقول في نفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى
أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك "ما فعل كعب بن مالك" قال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه فقال له
معاذ بن جبل بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كن أبا خيثمة" فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون فقال كعب بن مالك فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب وأقول بم أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي فلما قيل لي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا فأجمعت صدقه وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ثم قال "تعال" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي "ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك" قال قلت يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله والله ما
كان لي عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك" فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك قال فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي قال ثم قلت لهم هل لقي هذا معي من أحد قالوا نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك قال قلت من هما قالوا مرارة بن الربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة قال فمضيت حين ذكروهما لي قال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه قال فاجتنبنا الناس وقال تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت له يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمن أني أحب الله ورسوله قال فسكت فعدت فناشدته فسكت فعدت فناشدته فقال الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام
يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك قال فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا فقرأته فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك قال فقلت حين قرأتها وهذه أيضا من البلاء فتياممت بها التنور فسجرتها بها حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك قال فقلت أطلقها أم ماذا أفعل قال لا بل اعتزلها فلا تقربنها قال فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك قال فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر قال فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه قال "لا ولكن لا يقربنك" فقالت إنه والله ما به حركة إلى شيء والله مازال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا قال فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه قال فقلت لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب قال فلبثت بذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا قال ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفي على سلع يقول بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر قال فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج قال فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من
الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني فنزعت
له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة ويقولون لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام رجل من المهاجرين غيره قال فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور ويقول "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك" قال فقلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله فقال "لا بل من عند الله" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه كأن وجهه قطعة قمر قال وكنا نعرف ذلك قال فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أمسك بعض مالك فهو خير لك" قال فقلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر قال وقلت يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت قال فوالله ما علمت أن أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي قال فأنزل الله عز وجل {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم} حتى بلغ {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} قال كعب والله ما أنعم الله علي من نعمة
قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد وقال الله {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فاعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} قال كعب كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى فيه فبذلك قال الله عز وجل {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} وليس الذي ذكر الله مما خلفنا تخلفنا عن الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه
عن الزهري سواء.
6097 -
وفي رواية عن كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وساق الحديث وزاد فيه على يونس فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة ولم يذكر في حديث ابن أخي الزهري أبا خيثمة ولحوقه بالنبي صلى الله عليه وسلم.
6098 -
وفي رواية عن كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم يحدث أنه لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط غير غزوتين وساق الحديث وقال فيه وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بناس كثير يزيدون على عشرة آلاف ولا يجمعهم ديوان حافظ.
-[المعنى العام]-
أمثلة حية للتوبة وقبولها فقاتل المائة نفس قبلت توبته بدون جهد وبدون عمل صالح والمخلفون الثلاثة قبلت توبتهم بعد جهاد نفسي وعقوبة دنيوية قاسية وأيام مريرة
ذلك ليجمع المسلم بين الخوف والرجاء لا يطمع طمع اغترار بناء على قاتل المائة وإنما يخاف ويعمل ويندم ويعزم ويكفر عن ذنوبه بالحسنات
وهنا مثال حي آخر للقائد الحكيم نرى فيه الرسول الرءوف الرحيم الذي يعز عليه عنتنا ومشقتنا الحريص على يسرنا يحزم بوحي من ربه ويعاقب عقوبات نفسية مادية قاسية
ومثال حي آخر أن الفتنة والابتلاء قد تصيب من لم يذنب إيلاما للمذنب فقد جوزيت الزوجات بجريرة الأزواج
ومثال حي كبير في التزام الرعية بحكم الحاكم وتنفيذه بدقة ولو كان فيه ما فيه لآلام الأحبة والأقربين
ونكتفي بذلك اعتمادا على البيان والتوضيح الآتي في شرح الحديث
-[المباحث العربية]-
(غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك) أي أراد أن يغزو وهيأ الأمة للغزو وكانت في شهر رجب سنة تسع من الهجرة وتبوك مكان معروف في نصف الطريق بين المدينة ودمشق وتسمى غزوة العسرة
(وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام) ذكر ابن سعد أنه بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعا وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء وعند الطبراني "كانت نصارى العرب قد كتبت إلى هرقل إن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم فبعث رجلا من عظمائهم وجهز معه أربعين ألفا فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يكن للناس قوة"
وذكر البيهقي في الدلائل "أن اليهود قالوا يا أبا القاسم إن كنت صادقا فالحق بالشام فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء فغزا تبوك لا يريد إلا الشام فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها} [الإسراء 76]
(أن عبد الله بن كعب بن مالك كان قائد كعب من بنيه حين عمي) كعب بن مالك أنصاري خزرجي سلمي غلب عليه في الجاهلية أمر الشعر أسلم وشهد العقبة وكان أحد شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يردون الأذى عنه وغلب على شعره تخويف الكفار من قوة المسلمين ويقال إن دوسا أسلمت فرقا وخوفا من قول كعب بن مالك
قضينا من تهامة كل وتر
…
وخيبر ثم أغمدنا السيوفا
نخيرها ولو نطقت لقالت
…
قواطعهن دوسا أو ثقيفا
فقالت دوس انطلقوا إلى محمد وأسلموا وخذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين طلحة بن عبيد الله حين آخى بين المهاجرين والأنصار روى أنه قال يا رسول الله ماذا ترى في الشعر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه" وروى أنه قال
جاءت سخينة كي تغالب ربها
…
فليغلبن مغالب الغلاب
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا"
عمي في أواخر عمره وتوفي بالمدينة وسنه خمس وسبعون سنة سنة اثنتين وخمسين في عهد معاوية
(سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك)"حين تخلف" ليست ظرفا لسمعت ولا ليحدث وإنما هي حال من "حديثه" أي حديثه وقصته الواقعة وقت تخلفه
(لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني قد تخلفت في غزوة بدر) وسيعتذر عن تخلفه عن غزوة بدر ثم يحكي قصة تبوك واستخدم أسلوب اللف والنشر المشوش فقدم تبوك أولا لأهميتها ولأنها صاحبة المقام وقدم عذر بدر لأنها الأولى في الواقع ولطول كلامه عن تبوك وذكر هذه الجملة توطئة لتقدير جهاده وقبول اعتذاره وقد شهد الغزوات كلها كما قال عدا بدر وتبوك
(ولم يعاتب أحدا تخلف عنه) فاعل يعاتب ضمير رسول الله صلى الله عليه وسلم
(إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد) هذا اعتذاره عن تخلفه عن بدر وأنه لم يعاتب متخلف إذ لم تكن عزيمة فلا عتب عليه في تخلفه على أنه كان قد قدم منقبة قبلها تغطي ضياع فضل بدر عليه وهي
(ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها) العقبة معروفة في طرف منى وهي التي يضاف إليها جمرة العقبة وبايع الرسول صلى الله عليه وسلم أهل المدينة بيعتين في عامين الأول بايع فيها ستة نفر من الخزرج ثلاثة منهم من بني سلمة قبيلة كعب بن مالك ولم يكن فيهم كعب وبايع في البيعة الثانية ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين حضرها كعب رضي الله عنه وكلهم من الأنصار ومعنى قوله "حين تواثقنا على الإسلام" أي حين تبايعنا عليه وتعاهدنا ولم يذكر الإيواء الوارد في هذه البيعة تأدبا ومعنى قوله "وإن كانت بدر أذكر في الناس منها" أي وإن كانت بدر أشهر عند الناس بالفضل والذكر
(وكان من خبري حين تخلفت .... أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه
…
إلخ) أي لا عذر لي من حيث الصحة والمرض ولا من حيث القدرة المالية فقد كان شابا قويا لم يتجاوز الثالثة والثلاثين وكان يملك راحلتين كان من السهل أن يجاهد بواحدة ويحمل عددا من المسلمين على راحلة وقد عذر الله تعالى غير القادر صحيا أو ماليا فقال {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة 91 - 92] أي فلا عذر لي من هذه الناحية وهذه مصادقة حميدة مع النفس ومع الغير ثم زاد المسئولية وعدم العذر بأمور أخرى هي
الأولى أن زمنها كان شديد الحرارة فالجهاد فيها كبير الأجر لما فيها من المشقة
ثانيا أن ميدانها بعيد يحتاج سفرا طويلا
الثالث أن طريقها صحراء ومفازة مهلكة
الرابع أن عدوها كبير العدد والعِدد والشوكة
الخامس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخدم التورية بموعد ومكان هذه الغزوة كما كان يفعل بل جلا الأمر وصرح به للمسلمين ليأخذوا الأهبة
"جلا" بتخفيف اللام أي كشف وبين وأوضح
السادس أن كثرة المسلمين الخارجين تجعل من الصعب كشف المتخلف إذ لم يكن هناك ديوان يحصى من حضر ولا من غاب مما يسمح للمنافقين بالتقاعس ويوجب على المجاهد المخلص أن لا يتخلف لأنه يتعامل مع الله العليم الخبير قال كعب "والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل فقل بفتح الفاء والقاف وتشديد اللام أي فبعض من تسول له نفسه بالغياب يظن أن غيابه لا ينكشف قال القاضي عياض هكذا هو في جميع نسخ مسلم وصوابه "أن لا يظن" بزيادة "ألا" وفي رواية البخاري "فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفي له" وفي ملحق الرواية "وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بناس كثير يزيدون على عشرة آلاف ولا يجمعهم ديوان حافظ"
السابع أن موعد هذه الغزوة كان مناسبا إذ كانت الثمار قد طابت ويمكن حمل الأزواد منها "فأنا إليها أصعر" بضم العين أي أميل وفي مسند أحمد "وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاز وخفة الحاذ" أي وخفة الحال
(وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم
…
إلخ) بيان لسبب عدم خروجه معهم وأنه الكسل وعدم التوفيق ولا شيء سواه
(ولم أقض من جهازي شيئا) بفتح الجيم وكسرها أي أهبة سفري
(حتى أسرعوا وتفارط الغزو) أي حتى تقدم الغزاة فسبقوا وفاتوا
(يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق) أي متهما به مطعونا عليه في دينه وقيل معناه مستحقرا يقال أغمصت فلانا إذا استحقرته
(ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك) قال النووي في أكثر النسخ "تبوكا" بالنصب وكذا هو في نسخ البخاري وكأنه صرفها لإرادة الموضع دون البقعة
(فقال رجل من بني سلمة حبسه برداه والنظر في عطفيه) بنو سلمة قوم كعب
والعطف الجانب يتهمه الرجل بأن الذي حبسه إعجابه بنفسه وكبره ودافع عنه معاذ فقال بئس ما قلت ما علمنا عليه إلا خيرا
(فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا) بالياء المشددة المكسورة مع ضم الميم وفتح الباء أي لابسا البياض
(يزول به السراب) أي يتحرك به السراب وينهض من إسراعه وإقدامه
(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن أبا خيثمة فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري) قال النووي قيل معناه أنت أبو خيثمة قال ثعلب والعرب تقول كن زيدا أي أنت زيد وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم شبه عليه ببعض الصفات فقالها بالعرافة وشدة الفطنة وقال القاضي عياض الأشبه عندي أن "كن" هنا للتحقيق والوجود أي لتوجد يا هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة قال صاحب التحرير تقديره اللهم اجعله أبا خيثمة
(وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون) قصتها أن النبي صلى الله عليه وسلم قام مقاما في الناس فأمرهم بالصدقة فقام عبد الرحمن بن عوف فقال يا رسول الله عندي ثمانية آلاف تركت منها أربعة لعيالي وجئت بأربعة أقدمها إلى الله تعالى فتكاثر المنافقون ما جاء به ونسبوه للرياء وجاء عاصم بن عدي الأنصاري فقال يا رسول الله عندي سبعون وسقا من تمر أقدمها إلى الله تعالى فتكاثر المنافقون ما جاء به ثم قام أبو خيثمة وقيل قام رجل من الأنصار اسمه الحبحاب وكنيته أبو عقيل والأول أولى وهو الذي في الصحيح فقال يا رسول الله مالي من مال غير أني آجرت نفسي البارحة من بني فلان على صاعين من تمر فتركت صاعا لعيالي وجئت بصاع أقربه إلى الله تعالى فلمزه المنافقون وتغامزوا عليه وقالوا جاء أهل الإبل بالإبل وجاء أهل الفضة بالفضة وجاء هذا بتمرات يحملها فأنزل الله تعالى {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات} [التوبة 79]
وقد روى الطبراني من حديث أبي حنيفة قال "تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت حائطا فرأيت عريشا قد رش بالماء ورأيت زوجتي فقلت ما هذا بإنصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في السموم والحرور وأنا في الظل والنعيم فقمت إلى ناضح لي وتمرات فخرجت فلما طلعت على العسكر فرآني الناس قال النبي صلى الله عليه وسلم كن أبا خيثمة فجئت فدعا لي"
يذكر كعب قصة أبي خيثمة في حديثه ليزيد نفسه تأنيبا مقارنا بين موقفه هو وتخلفه مع القدرة وموقف أبي خيثمة ومبادرته مع الجهد وعدم القدرة
(فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي) بفتح الباء وتشديد الثاء المكسورة وهو أشد الحزن
(فطفقت أتذكر الكذب وأقول بم أخرج من سخطه غدا
…
فلما قيل لي إن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل
…
فأجمعت صدقه) أي جزمت بذلك وعقدت عليه عزمي وقصدي وفي رواية "وعرفت أنه لا ينجيني منه إلا الصدق"
(حتى جئت فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ثم قال تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك) أي اشتريت راحلتك وأعددتها للخروج وفي رواية "فأعرض عني فقلت يا نبي الله لم تعرض عني فوالله ما نافقت ولا ارتبت ولا بدلت قال فما خلفك"
(ولقد أعطيت جدلا) أي فصاحة وقوة كلام بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إلي بما يقبل ولا يرد
(ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله والله ما كان لي عذر
…
) "تجد علي فيه" بكسر الجيم وتخفيف الدال أي تغضب وإني أرجو أن يعقبني الله خيرا وأن يثبتني عليه
(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك فقمت
…
فوالله مازالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع
…
فأكذب نفسي) أي أخذوا يلومونني أشد اللوم
(قالوا مرارة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي) قال النووي هكذا هو في جميع نسخ مسلم "العامري" وأنكره العلماء وقالوا هو غلط وصوابه "العمري" بفتح العين وإسكان الميم من بني عمرو بن عوف وأما قوله "مرارة بن ربيعة" فكذا وقع في نسخ مسلم وفي البخاري "ابن الربيع" قال ابن عبد البر يقال بالوجهين
قيل كان سبب تخلف ابن ربيعة أنه كان له حائط فزهى فقال في نفسه قد غزوت قبلها فلو أقمت عامي هذا فلما تذكر ذنبه قال اللهم إني أشهدك أني قد تصدقت به في سبيلك وقيل سبب تخلف هلال أنه كان له أهل تفرقوا ثم اجتمعوا فرغب في الإقامة معهم بعد فراق طويل فلما تذكر ذنبه قال اللهم لك علي أن لا أرجع إلى أهل ولا مال
(أيها الثلاثة) قال القاضي هو بالرفع وموضعه نصب على الاختصاص
(حتى تنكرت لي في نفسي الأرض) معناه تغير علي كل شيء حتى الأرض فإنها توحشت علي
(حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة) أي علوته وصعدت سوره
(أنشدك بالله) بفتح الهمزة وضم الشين أي أسألك الله وأصله من النشيد وهو الصوت
(إذا نبطي من نبط أهل الشام) النبط والأنباط والنبيط فلاحو العجم
(ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك)"المضيعة" بكسر الضاد وبإسكانها وفتح الياء لغتان أي في موضع يضيع فيه حقك وقوله "نواسك" بالجزم في جواب الأمر وفي نسخة "نواسيك" أي ونحن نواسيك
(فتياممت بها التنور فسجرتها) قال النووي هكذا هو في جميع نسخ بلادنا وهي لغة في تيممت ومعناهما قصدت ومعنى "سجرتها" أحرقتها وأنث الضمير لأنه أراد الصحيفة
(واستلبث الوحي) أي أبطأ وتأخر
(فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر) يستعمل هذا اللفظ في كناية الطلاق وهو هنا لم يرد به الطلاق وهي أم أولاده الثلاثة عبد الله وعبيد الله ومحمد
(وأنا رجل شاب) أقدر على خدمة نفسي ولست مثل هلال فعذره لا يصلح عذرا لي
(سمعت صوت صارخ أو في على سلع) أي صعده وارتفع عليه و"سلع" بفتح السين وإسكان اللام جبل معروف بالمدينة وفي رواية "وكنت قد ابتنيت خيمة في ظهر سلع فكنت أكون فيها نهارا"
(يا كعب بن مالك أبشر) في رواية عند أحمد "إذ سمعت رجلا على الثنية يقول كعبا كعبا حتى دنا مني فقال بشروا كعبا" وفي رواية الواقدي أن الذي أوفى على سلع كان أبا بكر الصديق فصاح قد تاب الله على كعب
(فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج) في رواية "فخر ساجدا يبكي فرحا بالتوبة"
(فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر) أي أعلمهم وفي رواية "فأنزل الله توبتنا على نبيه حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية بأمري فقال يا أم سلمة تيب على كعب قالت أفلا أرسل إليه فأبشره قال إذا يحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليلة حتى إذا صلى الفجر آذن بتوبة الله علينا"
(فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما) قيل الذي خرج على فرسه الزبير بن العوام
وكان الذي بشره فنزع له ثوبيه حمزة بن عمرو الأسلمي وأن الذي أعاره الثوبين الآخرين أبو قتادة وكان الذي بشر هلال بن أمية بتوبته سعيد بن زيد قال وخرجت إلى بني واقف فبشرته فسجد قال سعيد فما ظننته يرفع رأسه حتى تخرج نفسه يعني لما كان فيه من الجهد فقد قيل إنه امتنع من الطعام حتى كان يواصل الأيام صائما ولا يفتر من البكاء
(فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون لتهنئك توبة الله عليك) في رواية البخاري "ليهنك" بكسر النون وزعم ابن التين أنه بفتحها قيل وهو أصوب لأنه من الهناء
(حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام أحد من المهاجرين غيره قال فكان كعب لا ينساها لطلحة) في رواية البخاري "ولا أنساها لطلحة" قيل كان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بينه وبين طلحة وقيل إن الزبير هو الذي كان قد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين طلحة فطلحة أخو أخيه
(قال كعب فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور ويقول أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك) قال النووي معناه سوى يوم إسلامك إنما لم يستثنه لأنه معلوم لا بد منه اهـ قال الحافظ ابن حجر والأحسن أن يقال إن يوم توبته مكمل ليوم إسلامه فيوم إسلامه بداية سعادته ويوم توبته مكمل لها فهو خير جميع أيامه
(فقلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله فقال لا بل من عند الله) زاد في رواية "إنكم صدقتم الله فصدقكم"
(وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه كأن وجهه قطعة قمر) وفي رواية "كأن وجهه قطعة من القمر" قال الحافظ ابن حجر ويسأل عن السر في التقييد بالقطعة مع كثرة ما ورد في كلام البلغاء من تشبيه الوجه بالقمر من غير تقييد قيل للاحتراز من السواد الذي في القمر ورد بأن المراد تشبيهه بالقمر في تمامه من الضياء والاستنارة وقيل للإشارة إلى موضع الاستنارة وهو الجبين وفيه يظهر السرور كما قالت عائشة "مسرورا تبرق أسارير وجهه" فكأن التشبيه وقع على بعض الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر
(قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أن أخرج منه وأتصدق به
(قلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر) في رواية أبي داود "أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة قال لا قلت نصفه قال لا قلت فثلثه قال نعم" وفي رواية "يجزئ عنك الثلث"
(فوالله ما علمت أحدا من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث أحسن مما أبلاني الله به) البلاء والإبلاء يكون في الخير والشر لكن إذا أطلق كان للشر غالبا فإذا أريد الخير قيد كما قيده هنا فقال "أحسن مما أبلاني الله به"
(والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أكون كذبته فأهلك) قال النووي هكذا هو في جميع نسخ مسلم وكثير من روايات البخاري قال العلماء لفظة "لا" زائدة في قوله "ألا أكون" ومعناه أن أكون كذبته فأهلك كقوله تعالى {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف 12]
(يزيدون على عشرة آلاف) قال النووي هكذا وقع هنا ولم يبين قدر الزيادة وقال أبو زرعة الرازي كانوا سبعين ألفا وقال ابن إسحاق كانوا ثلاثين ألفا وهذا أشهر وجمع بينهما بعض الأئمة بأن أبا زرعة عد التابع والمتبوع وابن إسحاق عد المتبوع فقط
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-
1 -
التصريح بجهة الغزو إذا لم تقتض المصلحة ستره
2 -
وأن الإمام إذا استنفر الجيش عموما لزمهم النفير ولحق اللوم بكل فرد فرد أن لو تخلف قال السهيلي إنما اشتد غضب النبي صلى الله عليه وسلم على من تخلف وإن كان الجهاد فرض كفاية لكنه في حق الأنصار خاصة فرض عين لأنهم بايعوا على ذلك فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرة لأنها كالنكث لبيعتهم قال الحافظ ابن حجر وعند الشافعية وجه أن الجهاد كان فرض عين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ويؤيده قوله تعالى {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} [التوبة 120] وعلى هذا فيتوجه العتاب على من تخلف مطلقا
3 -
وفيه أن العاجز عن الخروج بنفسه أو بماله لا لوم عليه
4 -
وفيه ترك قتل المنافقين
5 -
وفيه عظم أمر المعصية وقد نبه الحسن البصري على ذلك إذ قال يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالا حراما ولا سفكوا دما حراما ولا أفسدوا في الأرض أصابهم ما أصابهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر
6 -
وفيه أن القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ الضعيف في الدين
7 -
وجواز إخبار المرء عن تقصيره وتفريطه وعن سبب ذلك وما آل إليه أمره تحذيرا ونصيحة لغيره
8 -
وجواز مدح المرء نفسه بما فيه من خير إذا أمن الفتنة
9 -
وفضيلة أهل بدر والعقبة
10 -
والحلف للتأكيد من غير استحلاف
11 -
وفيه أن المرء إذا لاحت له فرصة الطاعة فحقه أن يبادر إليها ولا يسوف بها لئلا يحرمها قال تعالى {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال 24]
12 -
وجواز تمني ما فات من الخير
13 -
وفي طعن الرجل في كعب وعدم رد الرسول صلى الله عليه وسلم عليه جواز الطعن فى الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن عن حمية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم
14 -
وجواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الراد وهم الطاعن أو غلطه قال النووي فيه دليل لرد غيبة المسلم الذي ليس بمتهتك في الباطل وهو من مهمات الآداب وحقوق الإسلام
15 -
وفيه أن المستحب للقادم أن يكون على وضوء
16 -
وأن يبدأ بالمسجد قبل بيته فيصلي
17 -
ومشروعية السلام على القادم وتلقيه
18 -
وفي معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم للمنافقين المتخلفين الحكم بالظاهر ووكول السرائر إلى الله تعالى
19 -
وفيه ترك السلام على من أذنب
20 -
وأن الإمام لا يهمل من تخلف عنه فى بعض الأمور بل يذكره ليراجع التوبة
21 -
وأن التبسم قد يكون عن غضب كما يكون عن تعجب ولا يختص بالسرور
22 -
وفيه معاتبة الكبير أصحابه ومن يعز عليه دون غيره
23 -
وفيه الحزم والإغلاظ فى اللوم للمصلحة
24 -
وفيه العمل بمفهوم اللقب إذا حفته قرينة لقوله صلى الله عليه وسلم لما حدثه كعب "أما هذا فقد صدق" فإنه يشعر بأن من سواه كذب لكن ليس على عمومه فى حق كل أحد سواه لأن صاحبيه قد صدقا كذلك ففيه إشارة إلى كذب من اعتذر لا من اعترف
25 -
وفيه تبرير حر المصيبة بالتأسي بالنظير لراحة كعب حين ذكر صاحباه
26 -
وفيه عظم مقدار الصدق في القول والفعل وحسن عاقبته
27 -
وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرهما به
28 -
وجواز هجر المسلم أكثر من ثلاثة أيام لمصلحة وسبب وفيه استحباب هجران أهل البدع والمعاصي الظاهرة وترك السلام عليهم ومقاطعتهم تحقيرا لهم وزجرا
29 -
وأن من عوقب بالهجر يعذر في التخلف عن صلاة الجماعة لأن مرارة وهلالا لم يخرجا من بيتيهما تلك المدة
30 -
وفيه سقوط وجوب رد السلام على المهجور إذ لو كان واجبا لم يقل كعب هل حرك شفتيه برد السلام
31 -
وفيه جواز دخول المرء دار جاره وصديقه بغير إذنه ومن غير الباب إذا علم رضاه وإذا لم يكن هناك كشف حرمة
32 -
وفيه أن قول الله ورسوله أعلم ليس بخطاب ولا كلام مع المهجور ولا يحنث به من حلف أن لا يكلم الآخر إذا لم ينوبه مكالمته وإنما قال أبو قتادة ذلك لما ألح عليه كعب وأن السلام كلام وأن من حلف لا يكلم إنسانا فسلم عليه أو رد عليه السلام حنث
33 -
وفيه مبالغة الصحابة في اتباع الأوامر واجتناب النواهي فقد جعل الناس يشيرون إلى كعب لرسول ملك غسان ولا يتكلمون وكان بمقدورهم أن يقولوا هذا هو ولا يكون هذا تكليما له
34 -
وفيه أن مسارقة النظر في الصلاة لا يقدح في صحتها
35 -
وإيثار طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم على مودة القريب
36 -
وجواز ترك وطء الزوجة مدة
37 -
وخدمة المرأة زوجها
38 -
وفي إرسال كعب زوجته إلى أهلها الاحتياط لمجانبة ما يخشى الوقوع فيه وأن عبارة الحقي بأهلك ليس صريحا في الطلاق
39 -
وفي تحريق كعب لرسالة ملك غسان جواز تحريق ما فيه اسم الله للمصلحة إذ كان في الورقة "لم يجعلك الله بدار هوان"
40 -
وفيه دليل للشافعي وموافقيه في استحباب سجود الشكر بكل نعمة ظاهرة حصلت أو نقمة ظاهرة اندفعت قاله النووي وفيه نظر إذ ما حصل كان من أعظم النعم
41 -
وفيه استحباب إجازة البشير بخلعة
42 -
وجواز العارية وإعارة الثوب للبسه
43 -
وفي استقبال طلحة لكعب استحباب مصافحة القادم والقيام له إكراما والهرولة إلى لقائه بشاشة وفرحا
44 -
وفيه استحباب الصدقة شكرا للنعم المتجددة لا سيما ما عظم منها
45 -
ومن قوله عن الثوبين "والله ما أملك غيرهما" في حين أنه كان يملك راحلتين وبيتا وسهم خيبر دليل على تخصيص اليمين بالنية قال النووي وهو مذهبنا فإذا حلف لا مال له ونوى نوعا لم يحنث بنوع آخر من المال أو حلف لا يأكل ونوى تمرا لم يحنث بالخبز
46 -
واستحباب بكاء المسلم على نفسه إذا وقعت منه معصية
47 -
واستحباب التبشير بالخير
48 -
واستحباب تهنئة من رزقه الله خيرا ظاهرا أو صرف عنه شرا ظاهرا
49 -
واستحباب سرور الإمام وكبير القوم بما يسر أصحابه وأتباعه
50 -
واستحباب اجتماع الناس عند الإمام في الأمور المهمة
51 -
وأنه يستحب لمن تاب بسبب من الخير أن يحافظ على ذلك السبب كما فعل كعب في الصدق
والله أعلم.