الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5- ذكر الخلاف في الاستشهاد بالحديث على اللغة والنحو وكذلك بكلام الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم:
قال الشيخ عبد القادر البغدادي في خزانة الأدب، على شواهد شرح الكافية: "قال الأندلسي في شرح بديعية رفيقه ابن جابر: علوم الأدب ستة وهي: الصرف والنحو واللغة والمعاني والبيان والبديع؛ والثلاثة الأول لا يستشهد عليها إلا بكلام العرب، دون الثلاثة الأخيرة فإنه يستشهد فيها بكلام غيرهم من المولدين لأنها راجعة إلى المعاني، ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم، ولذلك قبل من أهل هذا الفن الاستشهاد بكلام البحتري وأبي تمام وأبي الطيب وهلم جرا، قال وأقول الكلام الذي يستشهد به نوعان شعر وغيره فقائل الأول العلماء على طبقات أربع:
الطبقة الأولى: الشعراء الجاهليون، وهم قبل الإسلام كامرئ القيس والأعشى، والثانية: المخضرمون وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام كلبيد وحسان، والثالثة: المتقدمون ويقال لهم الإسلاميون وهم الذين كانوا في صدر الإسلام كجرير والفرزدق، والرابعة المولدون ويقال لهم المحدثون وهم من بعدهم إلى زماننا كبشار بن برد وأبي نواس.
فالطبقتان الأوليان يستشهد بشعرهما إجماعًا وأما الثالثة فالصحيح صحة الاستشهاد -لعل الصواب عدم صحة الاستشهاد- بكلامها وقد كان أبو عمرو بن العلاء، وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن البصري وعبد الله بن شبرمة يلحنون الفرزدق والكميت وذا الرمة وأضرابهم وكانوا يعدونهم من المولدين لأنهم كانوا في عصرهم، وأما الرابعة فالصحيح أنه لا يحتج بكلامها مطلقا، وقيل يحتج بكلام من يوثق به منهم واختاره الزمخشري وتبعه الشارح المحقق "أي الرضي" فإنه استشهد بشعر أبي تمام في عدة مواضع من هذا الشرح، واستشهد الزمخشري أيضًا في تفسير أوائل البقرة من الكشاف ببيت من شعره، وقال: وهو وإن كان محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة فهو عن علماء العربية فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه.
وأما قائل الثاني "أي غير الشعر" فهو إما ربنا تبارك وتعالى، فكلامه عز اسمه أفصح كلام وأبلغه، وإما أحد الطبقات الثلاث الأولى من طبقات الشعر التي قدمناها.
وأما الاستدلال بحديث النبي صلى الله عليه وسلم فقد جوزه ابن مالك ومنعه ابن الضائع وأبو حيان وسندهما أمران: أحدهما: أن الأحاديث لم تنقل كما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما رويت بالمعنى. وثانيهما: أن أئمة النحو المتقدمين من المصرين لم يحتجوا بشيء منه، ورد الأول على تقدير تسليمه بأن النقل بالمعنى إنما كان في الصدر الأول قبل تدوينه في الكتب، وقبل فساد اللغة، وغايته تبديل لف بلفظ يصح الاحتجاج به، ورد الثاني: بأنه لا يلزم من عدم استدلالهم بالحديث عدم صحة الاستدلال به.
"والصواب جواز الاحتجاج بالحديث للنحوي في ضبط ألفاظه، ويلحق به ما رُوي عن الصحابة وأهل البيت".
وقال السيوطي في "الاقتراح": "وأما كلامه صلى الله عليه وسلم فيستدل منه بما ثبت أنه قاله على اللفظ المروي، وذلك نادر جدًّا، إنما يوجد في الأحاديث القصار، على قلة أيضًا، فإن غالب الأحاديث مروي بالمعنى، وقد تداولتها الأعاجم والمولوون قبل تدوينها، وفرووها بما أدت إليه عباراتهم، فزادوا ونقصوا، وقدموا وأخروا، وبدلوا ألفاظًا بألفاظ، ولهذا ترى الحديث الواحد في القصة الواحدة مرويًّا على أوجه شتى بعبارات مختلفة".
وقال أبو حيان في شرح التسهيل: "قد أكثر المصنف من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب، وما رأيت أحدًا من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض المتأخرين الأذكياء فقال: إنما ذكر العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما كان كذلك لأمرين أحدهما أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى، وقد قال سفيان الثوري: إن قلت لكم إني أحدثكم كأسمعت فلا تصدقوني إنما هو المعنى والأمر الثاني أنه وقع اللحن كثيرًا فيما رُوي من الحديث لأن كثيرًا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع ويتعلمون لسان العرب
بصناعة النحو، فوقع اللحن في كلامهم وروايتهم، وهم لا يعلمون، ودخل في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب" انتهى باختصار.
قال بعضهم: ويلحق بذلك ما رُوي من خطب الإمام علي التي جمعها السيد الرضي في كتاب: "نهج البلاغة"؛ وهذه أيضًا لم يثبت أنها لفظ الإمام، فقد جاء في خطبة جامع الكتاب ما نصه:"وربما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظ المردد والمعنى المكرر والعذر في ذلك أن روايات كلامه تختلف اختلافا شديدًا فربما اتفق الكلام المختار في رواية فنقل على وجهه ثم وجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعا غير وضعه الأول إما بزيادة مختارة أو بلفظ عبارة لتقتضى الحال أن يعاد، واستظهارًا للاختيار وغيره على عقائل الكلام" انتهى بحروفه.
بل جاء في ترجمة ابن خلكان للشريف المرتضى أخي الشريف الرضي ما نصه: "وقد اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضي؟ وقد قيل: إنه ليس من كلام علي، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه والله أعلم".