الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
48-
الكلام على الحديث الموضوع وفيه مباحث:
1-
ماهية الموضوع:
"هو الكذب المختلق المصنوع" أي كذب الراوي في الحديث النبوي بأن يروي عنه ما لم يقله، متعمدًا لذلك.
2-
حكم روايتة:
اتفقوا على أنه تحرم روايته مع العلم بوضعه، سواء كان في الأحكام أو القصص والترغيب ونحوها، إلا مبينا وضعه؛ لحديث مسلم عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: $"من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين" ورواه الإمام أحمد وابن ماجه رُوي الكذابين على صيغة التثنية، والكاذبين بالجمع.
3-
معرفة الوضع والحامل عليه:
ذكر المحدثون أمورًا كليه، يعرف بها كون الحديث موضوعا؛ منها: اشتماله على مجازفات في الوعد والوعيد، ومنها: سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه، مثل ما يروى في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ومنها مناقضته لما جاءت به السنة الصريحة،
ومنها أن يكون باطلا في نفسه، فيدل بطلانه على وضعه، ومنها: أن لا يشبه كلام الأنبياء، بل لا يشبه كلام الصحابة، ومنها أن يشتمل على تواريخ الأيام المستقبلة، ومنها: أن يكون بكلام الأطباء أشبه، ومنها أن تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه، ومنها: مخالفته لصريح القرآن، ومنها: أحاديث صلوات الأيام والليالي، ومنها اقترانه بقرائن يعلم بها أنه باطل.
وقد استقصى المصنفون في الموضوعات إيراد الأمثلة المتوافرة لكل ما ذكر فليرجع إليها وسيأتي نوع تفصيل لها قريبًا.
قال الحافظ في شرح النخبة1: "الحكم بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب" لا بالقطع؛ إذ قد يصدق الكذوب، لكن لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك، وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تاما، وذهنه ثاقبًا وفهمه قويا، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة وقد يعرف الوضع بإقرار واضعه".
ثم قال: "ومن القرائن التي يدرك بها الوضع، ما يؤخذ من حال الراوي، كما وقع للمأمون بن أحمد، أنه ذكر بحضرته الخلاف في كون الحسن سمع من أبي هريرة أولا فساق في الحال إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: سمع الحسن من أبي هريرة وكما وقع لغياث بن إبراهيم حيث دخل على المهدي فوجده يلعب بالحمام فساق في الحال إسنادًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سمع الحسن من أبي هريرة، وكما وقع لغياث بن إبراهيم حيث دخل على المهدي فوجده يلعب بالحمام فساق في الحال إسنادًا إلى النبي أنه قال: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر 2 -أو جناح- " فزاد في الحديث: "أو جناح" فعرف المهدي أنه كذب لأجله فأمر بذبح الحمام. ومنها: ما يؤخذ من حال المروي، كأن مناقضًا لنص القرآن، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي أو صريح العقل حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل ثم المروي تارة يخترعه الواضع، وتارة يأخذ كلام غيره كبعض السلف الصالح أو قدماء الحكماء أو الإسرائيليات أو يأخذ حديثا ضعيف الإسناد فيركب له إسنادًا صحيحًا ليروج والحامل للواضع على الوضع إما عدم
1 ص19.
2 أخرجه أصحاب السنن وأحمد في المسند من حديث أبي هريرة، ولم يذكر فيه ابن ماجه "أو نصل".
الدين، كالزنادقة، أو غلبة الجهل كبعض المتعبدين، أو فرط العصبية، كبعض المقلدين، أو اتباع هوى بعض الرؤساء، أو الإعراب لقصد الاشتهار، وكل ذلك حرام بإجماع من يعتد به. إلا أن بعض الكرامية وبعض المتصوفة، نقل عنهم إباحة الوضع في الترغيب والترهيب، وهو خطأ من فاعله نشأ عن جهل لأن الترغيب والترهيب من جملة الأحكام الشرعية. واتفقوا على أن تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر وبالغ أبو محمد الجويني فكفر من تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم". ا. هـ.
وقال حجة الإسلام الغزالي في الإحياء1: "وقد ظن ظانون، أنه يجوز وضع الأحاديث في فضائل الأعمال، وفي التشديد في المعاصي، وزعموا أن القصد منه صحيح، وهو خطأ محض؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليَّ متعمدًا، فليتبوأ مقعدة من النار" وهذا لا يترك إلا لضرورة، ولا ضرورة إذ في الصدق مندوحة عن الكذب ففيما، ورد من الآيات، والأخبار كفاية عن غيرها، وقول القائل إن ذلك قد تكرر على الأسماع، وسقط وقعه، وما هو جديد فوقعه أعظم فهذا هوس إذ ليس هذا من الأعراض التي تقاوم محذور الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الله تعالى ويؤدي فتح بابه إلى أمور تشوش الشريعة فلا يقاوم خير هذا شره أصلا، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الكبائر التي لا يقاومها شيء نسأل الله العفو عنه وعن جميع المسلمين". ا. هـ.
ورأيت لبعض فضلاء العصر مقالة غراء في هذا الموضوع، لا بأس بإيرادها تعزيزًا للمقام، قال رعاه الله: "الحديث الموضوع، هو المختلق المصنوع المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زورًا وبهتانًا، وهو أشد خطرًا على الدين، وأنكى ضررًا بالمسلمين، من تعصب أهل المشرقين والمغربين؛ لأنه يطرف الملة الحنيفية عن صراطها المستقيم، ويقذف بها في غياهب الضلالات حتى ينكر الرجل أخاه والولد أباه وتطير الأمة شعاعًا وتتفرق بدادًا بدادًا لالتباس الفضيلة وأفول شمس الهداية وانشعاب الأهواء وتباين الآراء.
1 ص168، ج3، القاهرة 1279هـ.
وإن تفرق المسلمين إلى شيعة ورافضة وخوارج ونصيرية إلخ
…
لهو أثر قبيح من آثار الوضع في الدين. ولقد قام الحفاظ الثقات، وكادوا يزهقون الروح بضبطهم الحديث حفظًا وكتابة تلقينا، ومازوا الخبيث من الطيب، وقشعوا سحب اللبس فتلألأ نور اليقين".
ثم قال: "ورب سائل يقول: إني ساغ للمسلمين أن يضعوا في دينهم ما ليس منه؟ فالجواب أن أسباب الوضع كثيرة؛ منها: غفلة المحدث؛ أو اختلاط عقله في آخر حياته؛ أو التكبر عن الرجوع إلى الصواب بعد استبانة الخطأ لسهو مثلًا. ومنهم قوم وضعوا الأحاديث لا يقصدون إلا الترغيب والترهيب، ابتغاء وجه الله فيما يزعمون؛ وآخرون وضعوها انتصارًا لمذهبهم؛ ومنهم طائفة أهمتهم أنفسهم، فاختلقوا ما شاءوا للتقرب من السلاطين والأمراء، أو لاستمالة الأغنياء إلى الإعطاء. ومن هذا الصنف القصاص الذين انتحلوا وظيفة الوعظ والتذكير في المساجد والمجامع وأخذوا يهدمون من أركان هذا الدين لفلس يقتنونه أو حطام خبيث يلتهمونه".
قال: ولقد شاهدت منهم في المسجد الحسيني رجلًا بيده رقاع صغيرة، فيها دعاء يقول: إنه دعاء موسى، وإن من قرأه أو حمله تسقط عنه الصلوات المفروضة، والزحام حوله شبيه بزحام الحشر، حتى لا تكاد ترى إلا عمائم وطرابيش وبرانس وخمرًا، وأيديا ممتدة بفلوس أو دراهم، وهو في بهرة حلقهم، كأنه أبو زيد السروجي يوزع الرقاع، ويجمع المتاع، ويخلب الأسماع، حتى كاد يبيح للمتصدقين والمتصدقات، كل ما دخل تحت الحرمة، وشمله اسم النهي، هذا، وقد بلغني أن بعضهم نبه شيخ الجامع الأزهر والسادات إلى إزالة هذا المنكر من مسجد سبط الرسول، فأجاب بأن: هذا تجسس، والله يقول:{وَلا تَجَسَّسُوا} 1 ولا أدري هذا صح عنه، من الذي أخطأ؟ أهو أم عمر بن الخطاب الذي كان يطرد القصاصين أمثال هؤلاء من المساجد، مع أنهم لم يكونوا بهذه المثابة من التغرير والتضليل؟
1 سورة الحجرات، آية:12.
ولنرجع إلى الوضاع، فمنهم زنادقة قصدوا إفساد الشريعة والتلاعب بالدين، {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} 1 فعملوا على لبس الحق بالباطل، وخلط السم بالترياق، وهيئت لهم الفرص في الأزمان الغابرة مجالًا فسيحًا لهذا البهتان، حتى شحنوا الأذهان وسودوا الدفاتر وأفعموا الكتب بمفتريات:{مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان} 2. وقد سرى هذا الداء في كتب التفسير والسير والتاريخ، وتلقتها العامة عن سلامة صدر، إما لشهرة المعزو إليه، أو لاستبعاد كذبه على الرسول صلى الله عليه وسلم فخبطوا وحادوا عن الجادة: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} 3.
ثم قال: "ولست أعجب من العامة وصنعهم هذا، ولكن العجب العجاب، من أهل العلم الذين يرون هذا المنكر رأي العين صباحًا ومساء، ويتأولون له كأنما أعمال هؤلاء السوقة وحي سماوي متشابه، يجب تأويله في رأي العلماء المتأخرين اللهم ألهمنا السداد، ووفقنا إلى سبيل الرشاد!
"والداهية الدهياء، أن الناس الآن، أخذت تروي الأحاديث من غير إجازة ولا تلقين، وحول العلماء وجهتهم إلى فروع الفقه، وآلات التفسير والتوحيد وانصرفوا عن الحديث إلا ما كان منه قراءة على سيل التبرك! فراجت سوق الأراجيف المعزوة للدين، واختلط الباطل بالحق فمهدوا بهذا للطاغين على الدين سبلا كان عذراء، وخططا كانت وعثاء فلا تكاد ترى حمارًا أو حوذيًّا أو خادما أو طاهيا أو أكارًا أو قصارًا أو كناسًا أو رشاشا إلا وهو يستشهد في كل عمل من أعماله بالحديث، سواء صح معناه ولفظه أم لم يصح. فإذا جلست في مرتاض أو ناد أو سوق أو حانوت أو محفل عرس أو مأتم سمعت من خلطهم وخبطهم في الدين ما تخرج لأجله النفوس من العيون وتمشي له القلوب في الصدور وربما كان في مجلسهم عالم فيسأل عند اختلافهم فلا يجيب إلا: "بأظن كذا! "؛ "ويمكن أن يكون كذا" والورع يقول: "لا أدري! " أو: "حتى أراجع
1 سورة التوبة، آية:33.
2 سورة يوسف، آية:40.
3 سورة الكهف، آية، 15.
الصحاح! " وقد يكون الحديث مشهورًا بين كل الطبقات، وهو موضوع! فيظن أنه صحيح لشهرته، خصوصا على ألسنة بعض المشايخ فيفتي بأنه صحيح وهناك الطامة الكبرى!.
ثم قال: "الغرض إحياء السنة، وإماتة البدعة. ودرء المطاعن الأجنبية بشيء ليس من ديننا، وذلك بالوقوف على طائفة من الأحاديث الموضوعة التي يستدل بها الناس على عقيدة أو حكم أو فضيلة أو النهي عن رذيلة ليتميز الخبيث من الطيب، ويبتعد حملة القرآن وخطباء المنابر ووعاظ المساجد من رواة الأكاذيب المضادة للشرع والعقل باسم الدين وهم لا يشعرون، وفي مقدمة ذلك الأحاديث المشهورة على ألسنة العامة، والخاصة في احتجاجهم، وأمرهم ونهيهم فإن ضررها عظيم، وخطبها جسيم وذلك كحديث: "حب الوطن من الإيمان" الذي لا يفهم منه بعد التأويل والتحليل إلا الحث على تفرق الجامعة الإسلامية التي ننشد الإيمان" الذي لا يفهم منه بعد التأويل والتحليل إلا الحث على تفرق الجامعة الإسلامية التي ننشد ضالتها الآن فإنه يقضي بتفضيل مسلمي مصر مثلا على من سواهم وإن من في الشام يفضل إخوته هناك على غيرهم وهكذا وهو الانحلال بعينه والتفرق المنهي عنه والله يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة} 1، ولم يقيد الأخوة بمكان ويقول:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة} 2، وأقل ما فيه تفويت فضيلة الإيثار ومن ذلك:"شاوروهن وخالفوهن" إلى غير ذلك.
ومما هو جدير بالعناية قصص المولد النبوي الذي اشتمل كثير من الخيال الشعري، والأحاديث التي وضعها المطرون الغلاة كحديث:"لولاك ما خلقت الأفلاك" وقولهم: "إن الميم من اسمه الشريف تدل على كذا والدال على كذا" إلى آخر تصرفات الخيال ووصفهم الرسول -صلى الله ععليه وسلم- بضروب من الغزل لا تليق إلا بمتخذات أخدان، مما يحل مقام النبوة عنه، وتنفر طبيعة الجلال منه؛ وكروايتهم من المعجزات ما ليس له أصل، كحديث الضب، وأن الورد من عرقه إلى آخر ما ينسبونه للمناوي، ولا أظنه إلا مصطنعا باسم الشيخ رحمه الله ورضي عنه" انتهى ملخصا.
1 سورة الحجرات، الآية:10.
2 سورة الحشر، الآية:9.
4-
مقالة في الأحاديث الموضوعة في فضيلة رجب:
نبه بعض الفضلاء ذلك في مقالة نشرها في مجلة نصحًا لخطباء المنابر المغفلين، وللوعاظ والقصاص البله فقال ما نصه:"كم اختلق الكذابون على النبي صلى الله عليه وسلم وكم وضعوا الأباطيل والمناكير، وركبوا الأسانيد الملفقة، وأسهبوا وأطنبوا، وبالغوا في التحذير والترهيب، وشددوا، وسهلوا على حسب ما تسول لهم أنفسهم، ولم يخشوا خالقا يعلم سرهم وعلانيتهم، فيجازيهم بمقاعد في النار يتبوءونها جزاء افترائهم واختلاقهم وتجرئهم على وضع الأحاديث التي: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان} وقد قال الحافظ سهل بن السري: "قد وضع أحمد بن عبد الله الجوربياري، ومحمد بن عكاشة الكرماني، ومحمد بن تميم الفريابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرة آلاف حديث. وقال حماد بن زيد:"وضعت الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث". وقال بعضهم: "سمعت ابن مهدي يقول لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث، من قرأ كذا فله كذا ومن صام كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغب الناس فيها!! " وقيل لأبي عصمة بن أبي مريم المروزي: "من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة، سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة!! " ومما يوجب الأسف أن يرى الإنسان تلك الموضوعات، والمناكير، والأباطيل قد انتشرت في الكتب انتشارًا زائدًا، ورواها الخلف عن السلف وشحنت بها كتب الوعظ، والإرشاد ودواوين الخطباء حتى إنك لا تطالع ديوانًا من الدواوين المتداولة بين خطبائنا إلا وترى فيه من فظائع الأكاذيب على نبينا عليه الصلاة والسلام ما يستوجب العجب وما ذاك إلا لذهاب علماء الحديث ودخولهم في خبر كان وعدم اعتناء أهل عصرنا به.
ومن افظع هذه الأباطيل، الأحاديث التي تروى في فضيلة رجب وصيامه، فأغلب الدواوين نراها مشحونة بها. ونحن نأتي بتلك الأباطيل التي اختلقها الوضاعون، ليحذرها
العموم، ويعرفها خطباء المنابر والوعاظ والقصاص، فيجتنبوها ولا ينسبوها إليه عليه الصلاة والسلام؛ حذرًا من الوقوع في الإثم، وفرارًا من الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم فنقول:
حديث: "فضل رجب على الشهور، كفضل القرآن على سائر الكلام؛ وفضل شهر شعبان على الشهور، كفضلى على سائر الأنبياء؛ وفضل شهر رمضان، كفضل الله على سائر العباد" موضوع قاله الحافظ ابن حجر؛ ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة.
وقولهم: "أكثروا من الاستغفار في رجب، فإن لله في كل ساعة منه عتقاء من النار؛ وإن لله مدائن لا يدخلها إلا من صام رجب" موضوع وفي إسناده: "الإصبغ بن نباتة" ليس بشيء قاله السيوطي في اللآلئ المصنوعة.
وقولهم: "رجب شهر الله وشعبان شهري
…
إلخ" أورده الصاغاني في الموضوعات.
ومنها: "فضيلة ليلة أول جمعة من رجب، والصلاة الموضوعة فيها المسماة بليلة الرغائب".
وقولهم: "في رجب يوم وليلة، من صام ذلك اليوم، وقام تلك الليلة، كان له من الأجر كمن صام مائة سنة، وقام سنة وهي لثلاث بقين من رجب في ذلك اليوم بعث الله محمدًا نبيًّا" موضوع قاله السيوطي في النكت البديعات.
وقولهم: "من صام يومًا من رجب، وقام ليلة من لياليه بعثه الله آمنا يوم القيامة ومر على الصراط، وهو يهلل أو يكبر" موضوع وفي إسناده: "إسماعيل بن يحيى" كذاب.
وقولهم: "من أحيى ليلة من رجب، وصام يومًا منه أطعمه الله من ثمار الجنة، وكساه من حلل الجنة، وسقاه من الرحيق المختوم" موضوع، وفي إسناده:"حصين بن مخارق" كان يضع الحديث قاله السيوطي في اللآلئ المصنوعة.
وقولهم رجب من الأشهر الحرم وأيامه مكتوبة على أبواب السماء السادسة؛ فإذا صام الرجل منه يومًا وجرد صومه بتقوى الله، نطق الباب، ونطق اليوم وقال:"يا رب! اغفر له! " وإذا لم يتم صومه بتقوى الله لم يستغفرا له، وقالا:"خدعتك نفسك" موضوع وفي إسناده: "إسماعيل بن يحيى" كذاب قاله السيوطي.
وقولهم: "رجب شهر الله الأصم المنبتر الذي أفرده تعالى لنفسه، فمن صام منه يومًا إيمانًا واحتسابًا، استوجب رضوان الله الأكبر.. إلخ" موضوع وفي إسناده "عصام بن طليق" قال ابن معين ليس بشيء، وأبو هارون العبدي متروك.
وقولهم خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل رجب بجمعه فقال: "أيها الناس! إنه قد أظلكم شهر عظيم، شهر رجب، شهر الله الأصم تضاعف فيه الحسنات وتستجاب الدعوات، وتفرج فيه الكربات، لا ترد للمؤمن فيه دعوة؛ فمن اكتسب فيه خيرًا ضوعف له فيه أضعافًا مضاعفة فعليكم بقيام ليله وصيام نهاره
…
إلخ" موضوع ذكره السيوطي.
وقولهم: "من صام من رجب يومًا تطوعًا، أطفأ صومه ذلك اليوم غضب الله، وأغلق عنه أبواب النار
…
الخ" موضوع؛ ذكره السيوطي وقال: إسناده ظلمات بعضها فوق بعض". انتهت المقالة.
ثم اعترض بعض الناس على من نشرها في مجلته وقال: "إن كانت هذه الأحاديث موضوعة كما قال الكاتب، فما الغرض منها إلا الترغيب في العبادة التي يثاب فاعلها على كل حال! وحينئذ يكون بيان كيفية وضعها وتكذيب واضعيها تثبيطًا غير محمود عن عبادة الله".
فأجاب ناشرها بقوله: "إن نشر مثل هذه الرسالة كان واجبًا؛ ومن أفضل ضروب العبادة إعلام المسلمين بأن هذا الحديث موضوع، إن كان كذلك، وصحيح إن كان سنده صحيحًا سواء كان مغزى الحديث مما ندبت إليه الشريعة بوجه عام أو مما نهت عنه وكاتب الرسالة لم يحكم بوضع حديث من عندياته، وإنما ذكر أقوال أئمة الحديث والحفاظ حتى ذكر قول الحافظ السيوطي في سند حديث من تلك الأحاديث أنه ظلمات بعضها فوق بعض مبالغة في إنكار سند الحديث، وعدم الاعتداد به. وهناك غرض لأئمة الحديث، في بيان صحته وضعفه، أسمى من غرض الترغيب في العبادة والصيام والقيام: ألا وهو غرض تحرير الشريفة الغراء، وصونها عن الدخيل فيها، خيرًا كان أو شرًّا؛ لأنه إذا تطرق للحديث الكذب فيه بنية حسنة، تطرقه كذلك نبيه سيئة وانهار بناء الشريعة المحمدية
بكثرة ما يتخللها من الأجنبي عنها، وأي شر أعظم مما يطرأ على الشريعة الغراء لو أرخى العنان لوضاع الأحاديث، يضعون كيف شاءوا دون أن يميز الصدق من الكذب في رواياتهم، ثم من هو الذي يقبل من المعترضين أن يكتب باسمه الكتاب ما شاءوا من أفكار وأقوال ولو كانت حسنة مقبولة في حد ذاتها؟ بل من يصدق أن يقوم أحد من الناس ويفتري على وزير أو مدير قرارًا أو منشورا يصدره بإمضائه، ولا يعد عابثا بالنظام، متوجبًا التأديب أو على الأقل التكذيب؟ أو من يتصور أنه يلفق صورة أمر عال، مهما كان موضعه وينشره كأنه صادر من السلطان ولا يعاقب على فعله هذا فأي مسلم بعد هذا يسوغ أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول:"من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" لذلك نحن نشرنا رسالة الفاضل الذي أسند كل ما قال فيها للسلف الصالح من أئمة الحديث وحفاظه شاكرين همته، مثنين عليه بما هو أهله معتبرين عمله هذا من خير أعمال العبادة التي يتقرب بها إلى الله في مثل شهر رجب المبارك، مؤملين أن يحذو الفضلاء الباحثون حذوه، ولا خوف من ذلك على الناس أن تثبط هممهم عن عبادة الله، فإن الله عز وجل، قد أتم شريعته قبل أن يأخذ رسوله إلى الرفيق الأعلى، فهي لا ينقصها شيء يحتاج وضاعو الحديث المفترون على الله وعلى رسوله أن يتموه وعلى القراء أن يفقهوا مقاصد الكتاب في هذا الباب والله الموفق والمعين.
ثم أجاب ناشرها أيضًا بقوله في محاورة ثانية: "لم يقصد كاتب الرسالة في بيان الأحاديث الموضوعة التي سردها تثبيط همم الناس عن العبادة، وإنما أراد بيان عدم صحة تلك الأحاديث التي اعتاد بعض الخطباء العناية بذكرها عند دخول مثل شهر رجب المبارك، ويحسبونها من أصول الدين، وليست منه في شيء تلك الأحاديث التي أسندت للنبي صلى الله عليه وسلم وقال أئمة الحديث السالفون وحفاظه المحققون إنها موضوعة مفتراة عليه. فقد قال كاتب الرسالة: "ونحن نأتي بتلك الأباطيل التي اختلقها الوضاعون ليحذرها العموم، ويعرف خطباء المنابر والوعاظ، والقصاص فيجتنبوها، ولا ينسبوها إليه عليه الصلاة والسلام حذرًا من الوقوع في الإثم وفرارًا من الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم
…
إلخ"
وهذا صريح في أنه إنما ينصح الخطباء والوعاظ، ليعدلوا عن ارتكاب الكذب في إرشاد العامة، إلى ما هو الصدق فيه، والخير كله مع الصادقين.
ثم قال: "وقد بلغ حد التهافت على بيان أسرار الشريعة الغراء، عند بعض خطباء الجمع على المنابر، أن جعلوا للفظه "ر ج ب" حروفا مقطعة، مدلولات أخرى. فالراء لمعنى والجيم لآخر، والباء لغيرهما مع أن هذه الحروف ذاتها موجودة في كل كلمة ثلاثية تركبت منها كجرب، وبرج ورجب أسماء مسميات أخرى، وهلم جرا. بل لا ينكر عاقل أن الدخيل في الأحاديث، قد كان منه ما أضر بالجامعة الإسلامية وجوهر الدين الحنيفي، ضررًا بليغًا، لو قيس بما نتجته الأحاديث الموضوعة لمثل الترغيب في العبادة من الحسنات، لرجح عليها رجحانا مبينًا فكيف لا يكون سد هذا الباب مهمًا، وكيف لا يكون في الأمة، وعاظ ومرشدون يبيتون الصدق من الكذب، والغث من السمين في كل وقت وليس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقت مخصوص، وأشد ما يطلب ذلك في الظروف التي يكون فيها الأمر والنهي أبلغ تأثيرًا في النفوس ولهذا اختار صاحب رسالة الأحاديث الموضوعة أن يبين ما يختص منها بشهر رجب في الوقت الذي يصدع الخطباء فيه بمواعظهم له، والله يوفق الجميع لما فيه الخير، والصواب وهو الهادي إلى سبيل الرشاد".
وأقول: رأيت لشيخ الإسلام ابن تيميه قدس سره في كتابه: "اقتضاء الصراط المستقيم" تطرقًا لهذا المبحث الجليل، قال قدس سره:"شهر رجب، أحد الأشهر الحرم". وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل شهر رجب قال1: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان" ولم يثبت عن النبي في فضل رجب حديث آخر، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب والحديث إذا لم يعلم أنه كذب فروايته في الفضائل أمر قريب أما إذا علم كذبه فلا يجوز روايته إلا مع بيان حاله لقوله -صلى الله عليه وسلم2: "من روى عني حديثًا
1 رواه ابن أحمد والبيهقي عن أنس. ورواه ابن ماجه عنه أيضًا.
2 رواه مسلم وأحمد وابن ماجه عن سمرة.
وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". نعم، رُوي عن بعض السلف في تفضيل العشر الأول من رجب بعض الأثر ورُوي غير ذلك فاتخاذه موسما بحيث يفرد بالصوم مكروه عند الإمام أحمد وغيره، كما روي عن عمر بن الخطاب وأبي بكرة وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم وروى ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم رجب، وهل الإفراد المكروه أن يصومه كله، أو أن يقرن به شهر آخر؟ فيه للأصحاب وجهان والله أعلم". ا. هـ.
5-
فتوى الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله في خطيب لا يبين مخرجي الأحاديث:
في فتاواه الحديثية1 ما نصه: "وسئل رضي الله عنه في خطيب يرقى المنبر في كل جمعة، ويروي أحاديث كثيرة، ولم يبين مخرجيها، ولا رواتها فما الذي يجب عليه؟ فأجاب بقوله: ما ذكره من الأحاديث في خطبه من غير أن يبين رواتها، أو من ذكرها، فجائز بشرط أن يكون من أهل المعرفة في الحديث أو بنقلها من مؤلفه كذلك؛ وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث، أو في خطب ليس مؤلفها كذلك فلا يحل ذلك! ومن فعله عزر عليه التعزير الشديد. وهذا حال أكثر الخطباء فإنهم بمجرد رؤيتهم خطبة فيها أحاديث حفظوها، وخطبوا بها من غير أن يعرفوا أن لتلك الأحاديث أصلًا أم لا فيجب على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك، ويجب على حكام بلد هذا الخطيب منعه من ذلك إن ارتكبه". ثم قال: "فعلى هذا الخطيب أن يبين مستنده في روايته فإن كان مستندًا صحيحًا فلا اعتراض عليه والإساغ الاعتراض عليه بل وجاز لولي الأمر -أيد الله به الدين وقمع بعدله المعاندين- أن يعزله من وظيفة الخطابة زجرًا له عن أن يتجرأ على هذه المرتبة السنية بغير حق" انتهى ملخصا.
1 ص32، القاهرة، المطبعة الميمينة 1307هـ.
6-
ما جاء في نهج البلاغة من وجوه اختلاف الخبر وأحاديث البدع:
سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عما في أيدي الناس من أحاديث البدع واختلاف الخبر فقال1: "إن في أيدي الناس حقًّا وباطلًا وصدقًا وكذبًا، وناسخًا، وممسوخًا وعامًّا، وخاصًّا ومحكمًا، ومتشابها وحفظًا ووهمًا، ولقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده حتى قام خطيبًا فقال: "من كذب عليَّ متعمدًا، فليتبوا مقعده من النار" وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس:
رجل منافق مظهر للإيمان، متصنع بالإسلام، لا يتأثم ولا يتحرج، يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمدا فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه، ولم يصدقوا قوله ولكنهم قالوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى وسمع منه، ولقف عنه فيأخذون بقوله وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك ووصفهم بما وصفهم به لك ثم بقوا بعده عليه وعلى آله السلام فتقربوا إلى الأئمة فولوهم الأعمال، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا وإلا من عصم الله فهو أحد الأربعة.
ورجل سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يحفظه على وجهه، فوهم فيه ولم يعرف كذبا، فهو في يديه، ويرويه ويعمل به ويقول:"أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم" فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوا منه ولو علم أنه كذلك لرفضه.
ورجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا يأمر به، ثم نهى عنه وهو لا يعلم؛ أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ فلو علم أنه منسوخ لرفضه ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه
وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله مبغض للكذب خوفًا من الله وتعظيمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهم بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به على سمعه لم يزد فيه ولم ينقص منه فحفظ الناسخ فعمل به وحفظ المنسوخ فجنب عنه وعرف الخاص والعام،
1 نهج البلاغة: ص233، بيروت، المطبعة الأديبة، 1307هـ.
فوضع كل شيء موضعه، وعرف المتشابه ومحكمه وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام له وجهان فكلام خاص وكلام عام فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله به، ولا عنى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به، وما خرج من أجله وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يسأله ويستفهمه حتى إن كانوا ليحبون أن يجيء الأعرابي الطارئ فيسأله عليه السلام حتى يسمعوا وكان لا يمر بي من ذلك شيء إلا سألت عنه. وحفظته فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم". ا. هـ.
7-
بيان ضرر الموضوعات على غير المحدثين وأن الدواء لمعرفتها الرسوخ في الحديث:
قال الإمام أبو عبد الله محمد بن المرتضى اليماني في كتابه: "إيثار الحق"1 في خلال البحث عن كون معظم ابتداع المبتدعين من أهل الإسلام راجعًا إلى هذين الأمرين الواضح بطلانهما وهما: الزيادة في الدين والنقص منه، ما نصه: "من أنواع الزيادة في الدين، الكذب فيه عمدًا، وهذا الفن يضر من لم يكن من أئمة الحديث والسير والتواريخ، ولا يتوقف على نقدهم فيه بحيث لا يفرق بين ما يتواتر عند أهل التحقيق، وبين ما يزوره غيرهم وليس له دواء إلا إتقان هذا الفن، والرسوخ فيه وعدم المعارضة لأهله بمجرد الدعاوي الفارغة، وهو علم صعب يحتاج إلى طول المدة، ومعرفة علوم الحديث، وعدم العجلة بالدعوى، وإن كان جليًّا في معناه فإن الرسوخ فيه بعيد عن حصول العلم الضروري بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحوال السلف بحيث يعلم دينهم بالضروة. مثل ما يعلم مذهب المعتزلة والأشعرية كذلك يطول البحث في علم الكلام ويعلم ما يختلفون فيه وما لا يختلفون فيه، وما يمكن القدح فيه من المنقولات المشهورة، وما لا يمكن من غير تقليد ولا أقل من معرفة مثل علوم الحديث للحاكم في ذلك وهذا عندي هو الفائدة
1 ص128.
العظمي في الرسوخ في علم الحديث، وليس الفائدة العظمي فيه معرفة أحاديث الأحكام، في فروع الحلال والحرام، كما يظن ذلك من يقتصر على قراءة بعض المختصرات في ذلك، ويكتفي به في هذا العلم الجليل. ولأمر ما كان أئمة الحديث الراسخون أركان الإيمان في الثبوت عند الفتن والامتحان". ا. هـ.
وقال العارف الشعراني قدس سره في العهود الكبرى: "أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نتهور في رواية الحديث بل نتثبت في كل حديث نرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرويه عنه إلا إن كان لنا به رواية صحيحة" ثم قال قدس سره: "واعلم يا أخي أن أكثر من يقع في خيانة هذا العهد المتصوفة الذين لا قدم لهم في الطريق فربما رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس من كلامه لعدم ذوقهم، وعدم فرقانهم بين كلام النبوة، وكلام غيرها، وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه الله يقول إنما قال بعض المحدثين: أكذب الناس الصالحون لغلبة سلامة بواطنهم فيظنون بالناس الخير، وأنهم لا يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرادهم بالصالحين المتعبدون الذي لا غوص لهم في علم البلاغة، فلا يفرقون بين كلام النبوة، وغيره بخلاف العارفين فإنهم لا يخفى عليهم ذلك". ا. هـ.
8-
هل يمكن معرفة الموضوع بضابط من غير نظر في سنده؟
سئل الإمام شمس الدين ابن قيم الجوزية: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن يُنظر في سنده؟ فقال: "هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعرف ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، وخلطت بلحمه، ودمه وصار له فيها ملكة، واختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهديه فيما يأمير به وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه ويحبه ويكرهه ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط له عليه الصلاة والسلام بين أصحابه الكرام فمثل هذا يعرف من أحواله وهديه وكلامه وأقواله وأفعاله وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز ما لا يعرفه غيره، وهذا شأن كل متبوع
مع تابعه، فإن للأخص به، الحريص على تتبع أقواله وأفعاله، من العلم بها، والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح، ليس كمن لا يكون كذلك. وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم، يعرفون من أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم وأساليبهم ومشاربهم ما لا يعرفه غيرهم". ثم أورد جملة مما روي في ذلك "انظر الموضوعات لملا علي القاري".
وقال ابن دقيق العيد: "كثيرًا ما يحكمون بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى المروي، وألفاظ الحديث. وحاصلة يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم هيئة نفسانية وملكة قوية عرفوا بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبوة وما لا يجوز".
وقد روى الخطيب عن الربيع بن خيثم التابعي الجليل قال: "إن للحديث ضوءًا كضوء النهار يعرف وظلمة كظلمة الليل تنكر".
ونحوه قول ابن الجوزي: "الحديث المنكر يقشعر منه جلد طالب العلم، وينفر منه قلبه" يعني الممارس لألفاظ الشارع الخبير بها وبرونقها وبهجتها.
9-
بيان أن للقلب السليم إشرافا على معرفة الموضوع:
قال أبو الحسن علي بن عروة الحنبلي في "الكواكب":
فصل: القلب إذا كان نقيًّا نظيفًا زاكيًا، كان له تمييز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والهدي والضلال، ولا سيما إذا كان قد حصل له إضاءة وذوق من النور النبوي، فإنه حينئذ تظهر له خبايا الأمور، ودسائس الأشياء والصحيح من السقيم ولو ركب على متن ألفاظ موضوعة على الرسول إسناد صحيح، أو على متن صحيح إسناد ضعيف لميز ذلك وعرفه، وذاق طعمه وميز بين غثه وسمينه وصحيحة وسقيمه فإن ألفاظ الرسول لا تحفى على عاقل ذاقها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"اتقوا فراسه المؤمن فإنه ينظر بنور الله". رواه الترمذي من حديث أبي سعيد وقال جماعة من السلف في قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِين} 1 أي للمتفرسين، وقال معاذ بن جبل
1 سورة الحجر، الآية:75.
"إن للحق منارًا كمنار الطريق". وإذا كان الكفار لما سمعوا القرآن في حال كفرهم قالوا: "إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوه، وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمورق وإن له لثمرة، وإن له في القلوب لصولة ليست بصوله مبطل! " فما الظن بالمؤمن التقي النقي، الذي له عقل تام عند ورود الشبهات، وبصر نافذ عند ورود الشهوات؟ قال بعض السلف:"إن العبد ليهم بالكذب فأعرف مراده قبل أن يتمم" وقد قال تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} 1 وقد كان عمر بن الخطاب له حظ من ذلك كقصته2 مع سواد بن قارب وغيره. فإن القلب الصافي له شعور بالزيغ والانحراف في الأفعال والأعمال. فإذا سمع الحديث عرف مخرجه من أين، وإن لم يتكلم فيه الحفاظ وأهل النقد. فمن كانت أعماله خالصة لله موافقة للسنة ميز بين الأشياء، كذبها وصدقها، بشواهد تظهر له على صفحات الوجوه وفلتات الألسنة. قال شاه الكرماني:"من عمر باطنة بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة، وغض بصره عن المحارم، وعود نفسه أكل الحلال لم تخطئ له فراسة فالله سبحانه هو الذي يخلق الرعب والظلمة في قلوب الكافرين، والنور والرهان في قلوب المتقين، ولهذا ذكر الله آية النور عقيب غض النظر، وكف النفس عن المحارم. وكذلك إذا كان العبد صدوق اللسان، كان أقوى له وأتم على معرفة الأكاذيب والموضوعات فإن الجزاء من جنس العمل، فيثيب الله الصدوق ويجد للكذب مضاضة ومرارة ينبو عنها سمعه ولا يقبلها عقله". ولما قدم وفد هوازن على النبي صلى الله عليه وسلم مسلمين وسألوه أن يرد عليهم سبيهم ومالهم قال لهم: "أحب الحديث إلى أصدقه" 3 ولهذا كان كعب بن مالك، بعد أن عمي، إذا تلكم الرجل بين يديه بالكذب يقول له:"اسكت، إني لأجد من فيك رائحة الكذب! " إذا سمع حديثا مكذوبا، عرف كذبه وذلك أنه أجمع الصدق لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم من غزوة تبوك وأنزل الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} 4 فإن الله سبحانه يلهم الصادق الذكي معرفة الصدق
1 سورة محمد، الآية:30.
2 راجع القصة في الإصابة ج2 ص96.
3 أخرجه البخاري من حديث مروان والمسور بن مخرمة.
4 سورة التوبة، الآية:120.
من الكذب كما في الحديث: "الصدق طمأنينة، والكذب ريبة" وقال لوابصة: "استفت قلبك" 1 وقد ترك النبي أمته على البيضاء ليلها كنهارها، وهذا من أدل الأشياء على ما قلنا. وإنما يُؤتى الإنسان ويدخل الزيف عليه والباطل من نقص متابعته للرسول، بخلاف المؤمن المحسن المتبع له في أقواله وأفعاله فإن أقوال الرسول عليها جلالة ولها ناموس، ولقد رأيت رجلا إذا سمع حديثا مرويا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان ليس مما قاله يرده ويقول:"هذا موضوع أو ضعيف أو غريب" من غير أن يسمع في ذلك بشيء فيكشف عنه، فإذا هو كما قال وكان قل أن يخطئ في هذا الباب فإذا قيل له من أين لك هذا؟ يقول كلام الرسول عليه جلالة وفيه فحولة ليست لغيره من الناس وكذلك كلام أصحابه وكنت أكشف عما يقول فأجده غالبًا كما قال، وكان من أتبع الناس للسنة وأقلاهم للبدع والأهواء وكذلك كان يقع هذا كثيرًا، فإن الدين هو فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه، فمن تلبس في باطنه بالإخلاص والصدق، وفي ظاهره بالشرع لانت له الأشياء ووضحت على ما هي عليه عكس حال أهل الضلال والبدع الذين يتكلمون بالكذب والتحريف، فيدخلون في دين الله ما ليس منه وانظر ألفاظ القرآن لما كانت محفوظة منقولة بالتواتر لم يطمع مبطل ولا غيره في إبطال شيء منه ولا في زيادة شيء بخلاف الحديث فإن المحرفين والوضاعين تصرفوا فيه بالزيادة والنقصان والكذب والوضع في متونه وأسانيده، ولكن أقام الله به من ينفي عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ويحميه من وضع الوضاعين فبينوا ما أدخل أهل الكذب والوضع فيه وأهل التحريف في معانيه كمن صنف في الصحيح كالبخاري ومسلم وابن خزيمة وكذلك أهل المساند كمسند أحمد ونحوه وكمالك وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم من تكلم على الحديث، وكذلك الذين تكلموا على الرجال وأسانيدها:
1 هذه جملة من حديث أخرجه الإمامان أحمد والدارمي في مسنديهما. قال الحافظ ابن رجب: "وقد رُوي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة، وبعض طرقه جيدة".
كيحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى القطان وشعبة وسفيان وابن معين وابن المدايني وابن مهدي وغيرهم فهؤلاء وأمثالهم أهل الذب عن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عكس حال من صنف كتبًا فيها من الموضوعات شيء كثير، وهو لا يميز ولا يعرف الموضوع والمكذوب من غيره فيجيء الغر الجاهل فيرى حديثًا في كتاب مصنف فيغتر به وينقله وهؤلاء كثير أيضًا مثل مصنف كتاب:"وسيلة المتعبدين" الذي صنفه الشيخ عمر الموصلي ومثل: "تنقلات الأنوار" للبكري الذي وضع فيه من الكذب ما لا يخفى على من له أدنى مسكة عقل، بل قد أنكر العلماء على أهل التصوف كثيرًا مما ذكروه في كتبهم من الأحاديث التي يعلمون أنها من الموضوعات، ومن تفاسير آيات يعلمون أنها مخالفة مع أنهم قوم أحبوا الأعمال، وكذلك أهل التفسير يضعون في تفاسيرهم أحاديث مكذوبة، وكذلك كثير من الفقهاء يستدلون في كتبهم على المسائل بأحاديث ضعيفة أو مكذوبة، ومن لم يميز يقع في غلط عظيم فالله المستعان، وقد فرق الله بين الحق والباطل بأهل النور والإيمان والنقد العارفين بالنقل والذائقين كلام الرسول بالعقل، وقد صنفوا في ذلك كتبًا في الجرح والتعديل فهذا العلم مسلم لهم ولهم فيه معارف وطرق يختصون بها. وقد قال الإمام أحمد:"ثلاثة علوم ليس لها أصل: المغازي والملاحم والتفسير" ومعنى ذلك أن الغالب عليها أنها مرسلة وكذلك: "قصص الأنبياء" للثعلبي فيها ما فيها. والمقصود أن الصادق تمر به أحاديث يقطع قلبه بأنها موضوعة أو ضعيفة.
قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية: "القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعي" قال: "فمتي ما وقع عنده وحصل في قلبه ما يظن معه أن هذا الأمر أو هذا الكلام أرضى الله ورسوله كان ترجيحًا بدليل شرعي، والذين أنكروا كون الإلهام ليس طريقا إلى الحقائق مطلقا أخطئوا؛ فإذا اجتهد العبد في طاعة الله وتقواه، كان ترجيحه لما رجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة فإلهام هذا دليل في حقه، وهو أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة والموهومة والظواهر والاستصحابات الكثيرة التي يحتج بها
كثير من الخائضين في المذاهب والخلاف وأصول الفقه. وقد قال عمر بن الخطاب: "اقربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة" وحديث مكحول المرفوع: "ما أخلص عبد العبادة لله تعالى أربعين يومًا إلا أجرى الله الحكمة على قلبه، وأنطق بها لسانه"1 وقال أبو سليمان الداراني: "إن القلوب إذا أجمعت على التقوى جالت في الملكوت، ورجعت إلى صاحبها بطرف الفوائد من غير أن يؤدي إليها عالم علما" وقد قال النبي: "الصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء" 2 ومن معه نور وبرهان وضياء كيف لا يعرف حقائق الأشياء من فحوى كلام أصحابها، ولا سيما الأحاديث النبوية فإنه يعرف ذلك معرفة تامة لأنه قاصد العمل فتتساعد في حقه هذه الأشياء مع الاقتداء ومحبة الله ورسوله حتى إن المحب يعرف من فحوى كلام محبوبه مراده تلويحًا لا تصريحًا:
والعين تعرف من عيني محدثها
…
إن كان من حزبها أو من أعاديها
وقد قيل:
إنارة العقل مكسوف بطوع هوى
…
وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا
وفي الحديث الصحيح: "لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها" 3 ومن كان توفيق الله له كذلك، فكيف لا يكون ذا بصيرة نافذة ونفس فعالة، وإذا كان الإثم والبر في صدور الخلق له تردد وجولان فكيف حال من الله سمعه وبصره، وهو في قلبه. وقد قال ابن مسعود:"الإثم حزاز القلوب" وقد قدمنا أن: "الكذب ريبة والصدق طمأنينة" فالحديث الصدق تطمئن إليه النفس ويطمئن إليه القلب وأيضًا فإن الله فطر عبادة على الحق فإذا لم تستحل
1 روى في الجامع الصغير من حديث أبي أيوب بلفظ: "من أخلص لله أربعين يومًا، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"، وعزاه لأبي نعيم في الحلية وقال شارحه العزيزي:"إسناده ضعيف".
2 أخرجه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري.
3 قال الحافظ إن رجب: "هذا الحديث تفرد بإخراجه البخاري دون بقية أصحاب الكتب".
الفطرة، شاهدت الأشياء على ما هي عليه فأنكرت منكرها، وعرفت معروفها. قال عمر:"الحق أبلج لا يخفى على فطن" فإذا كانت الفطرة مستقيمة على الحقيقة منورة بنور القرآن تجلت لها الأشياء على ما هي عليه في تلك المرايا، وانقشعت عنها ظلمات الجهالات فرأت الأمور عيانًا مع غيبها عن غيرها، وفي السنن والمسند، وغيره عن النواس بن سمعان عن النبي قال:"ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع يدعو على رأس الصراط، وداع يدعو من فوق فالصراط المستقيم هو الإسلام، والستور المرخاة حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله فإذا أراد العبد أن يفتح بابًا من تلك الأبواب ناداه المنادى يا عبد الله لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه؛ والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط، واعظ الله في قلب كل مؤمن" فقد بين هذا الحديث العظيم الذي من عرفه انتفع به انتفاعًا بالغًا إن ساعده التوفيق، واستغنى به عن علوم كثيرة أن في قلب كل مؤمن واعظًا والوعظ هو الأمر والنهى والترغيب والترهيب، وإذا كان القلب معمورًا بالتقوى انجلت له الأمور وانكشفت بخلاف القلب الخراب المظلم قال حذيفة بن اليمان:"إن في قلب المؤمن سراجًا يزهر" وفي الحديث الصحيح: "إن الدجال مكتوب بين عينيه: "كافر" يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ" 1 فدل على أن المؤمن يتبين له ما لا يتبين، ولا سيما في الفتن وينكشف له حال الكذاب الوضاع على الله ورسوله. فإن الدجال أكذب خلق الله مع أن الله يجري على يديه أمورًا هائلة، ومخاريق مزلزلة؛ حتى إن من رآه افتتن به؛ فيكشفها الله للمؤمن حتى يعتقد كذبها وبطلانها. وكلما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور له، وعرف حقائقها من بواطلها، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف. وذلك مثل السراج القوي والسراج الضعيف في البيت المظلم ولهذا قال بعض السلف في
1 أحاديث الدجال كثيرة، ثابتة في الصحيحين وغيرهما بألفاظ مختلفة.
قوله1: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} قال: "هو المؤمن ينطق بالحكمة المطابقة للحق، وإن لم يسمع فيها بالأثر، فإذا سمع فيها بالأثر، كان نورًا على نور" فالإيمان الذي في قلب المؤمن يطابق نور القرآن فالإلهام القلبي تارة يكون من جنس القول والعلم، والظن أن هذا القول كذب وأن هذا العمل باطل وهذا أرجح من هذا وأصوب، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي فيهم أحد فعمر"2. والمحدث هو الملهم المخاطب في سره، وما قال عمر لشيء إني لأظنه كذا وكذا إلا كان كما ظنه وكانوا يرون أن السكينة تنطق على قلبه ولسانه أيضًا، فإذا كانت الأمور الكونية تنكشف للعبد المؤمن لقوة إيمانه يقينًا وظنًّا فالأمور الدينية كشفها له أيسر بطريق الأولى فإنه إلى كشفها أحوج فالمؤمن تقع في قلبه أدلة على الأشياء لا يمكنه التعبير عنها في الغالب فإن كل أحد لا يمكنه إبانه المعاني القائمة بقلبه فإذا تكلم الكاذب بين يدي الصادق عرف كذبه من فحوى كلامه فتدخل عليه نخوة الحياء الإيماني فتمنعه البيان، ولكن هو في نفسه قد أخذ حذره منه، وربما لوح أو صرح به خوفًا من الله وشفقة على خلق الله فيحذرون من روايته أو العمل به، وكثير من أهل الإيمان والكشف يلقي الله في قلبه أن هذا الطعام حرام، وأن هذا الرجل كافر، أو فاسق، أو ديوث، أو لوطي، أو خمار، أو مغن، أو كاذب من غير دليل ظاهر بل بما يلقي الله في قلبه، وكذلك بالعكس يلقي في قلبه حجة لشخص، وأنه من أولياء الله تعالى وأن هذا الرجل صالح وهذا الطعام حلال، وهذا القول صدق فهذا وأمثاله لا يجوز أن يستبعد في حق أولياء الله المؤمنين المتقين، وقصة الخضر مع موسى هي من هذا الباب، وأن الخضر علم هذه الأحوال المغيبة بما أطلعه الله عليه، وهذا باب واسع يطول بسطه وقد نبهنا فيه على نكت شريفة تطلعك على ما وراءها. والمقصود: أن الحديث الموضوع يعرف كونه موضوعًا إما بإقرار واضعه أو بركاكة لفظه أو غير ذلك. وقد أشرنا فيما
1 سورة النور الآية: 35.
2 أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة.
كتبنا فيما تقدم أن أهل الإيمان والتقوى والصدق والإخلاص لهم اطلاعات وكشف وفراسات وإلهامات يلقيها الله في قلوبهم يعرفون بها صدق الصادق وكذب الكاذب ووضع الوضاعين وصحيح الأخبار وكاذبها، وقد كان أبو سليمان الداراني يُسمي أحمد بن عاصم الأنطاكي:"جاسوس القلب" لحدة فراسته فعليك يا أخي بالصدق وإياك والكذب فإنه يجانب الإيمان، والله سبحانه أعلم بالصواب وإليه المنقلب والمآب والحمد لله رب العالمين" انتهى كلام الإمام ابن عروة الحنبلي الدمشقي، رحمه الله تعالى.
10-
الكلام على حديث من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار:
أعلم أن حديث: "من كذب عليَّ
…
" في غاية الصحة ونهاية القوى حتى أطلق عليه جماعة أنه متواتر ونوزع بأن شرط التواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة وليست موجودة في كل طريق بمفردها أجبيب بأن المراد من إطلاق كونه متواترًا رواية المجموع من المجموع من ابتدائة إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كاف في إفادة العلم، وقد رواه عن أنس العدد الكثير وتواترت عنهم الطرق، ورواه عن علي رضي الله عنه ستة من مشاهير التابعين، وثقاتهم والعدد المعين لا يشترط في التواتر بل ما أفاده العلم كاف، والصفات العليَّة في الرواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه، ولا سيما قد رُوي هذا الحديث عن جماعة كثيرين من الصحابة فحكى الإمام أبو بكر الصيرفي في شرحه لرسالة الشافعي أنه قد رُوي عن أكثر من ستين صحابيا مرفوعا، وقال بعض الحفاظ إنه قد رُوي عن اثنين وستين صحابيا، وفيهم العشرة المبشرة وقال: "ولا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة المبشرة إلا هذا، ولا حديث يُروى عن أكثر من ستين صحابيا إلا هذا" وقال بعضهم إنه رواه مائتان من الصحابة، وقد اعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه فقال إبراهيم الحربي إنه ورد من حديث أربعين من الصحابة، وكذا قال أبو بكر البزار وجمع طرقه أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد فزاد قليلا وجمعها الطبراني فزاد قليلًا، وقال أبو القاسم
بن منده. رواه أكثر من ثمانين نفسًا، وجمع طرقه ابن الجوزي في مقدمة كتاب الموضوعات فجاوز التسعين، وبذلك جزم ابن دحية ثم جمعها الحافظان يوسف بن خليل الدمشقي، وأبو علي البكري، وهما متعاصران فوقع لك منهما ما ليس عند الآخر، وتحصل من مجموع ذلك كله رواية مائة من الصحابة رضي الله عنهم وقال ابن الصلاح:"ثم لم يزل عدده في ازدياد، وهلم جرا على التوالي والاستمرار، وليس في الأحاديث ما في مرتبته من التواتر" وقيل لم يوجد في الحديث مثال للمتواتر إلا هذا، وقال ابن دحية قد أخرج من نحو أربعمائة طريق "كذا في عمدة القاري للعيني" وهو خلاصة ما قرره الحافظ ابن حجر في الفتح قال الحافظ في هذا الحديث: "أخرجه البخاري من حديث المغيرة، وعبد الله بن عمرو وواثلة، واتفق مسلم معه على تخريجه عن علي وأنس وأبي هريرة والمغيرة وأخرجه مسلم من حديث أبي سعيد أيضًا وصح في غير الصحيحين من حديث ثلاثين من الصحابة، وورد أيضًا عن نحو خمسين من غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو من عشرين بأسانيد ساقطة ثم بين رحمه الله من اعتنى بجمعه كما تقدم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "فليتبوأ مقعده من النار" أي فليتخذ لنفسه منزلا.
يقال تبوأ الدار إذا اتخذها مسكنا وهو أمر معناه الخبر يعني فإن الله يبوئه، وتعبيره بصيغة الأمر للإهانة، ولذا قيل الأمر فيه للتهكم أو التهديد إذ هو أبلغ في التغليظ والتشديد من أن يقال كان مقعدة في النار، ومن ثم كان ذلك كبيرة بل قال الشيخ أبو محمد الجويني إنه كفر يعني لأنه يترتب عليه الاستخفاف بالشريعة، ويؤخذ من الحديث أن من قرأ حديثه وهو يعلم أنه يلحن فيه سواء كان في أدائه أو إعرابه يدخل في هذا الوعيد الشديد لأنه بلحنه كاذب عليه، وفيه إشارة إلى أن من نقل حديثا وعلم كذبه يكون مستحقا للنار إلا أن يتوب لا من نقل عن راو عنه عليه الصلاة والسلام أو رأى في كتاب، ولم يعلم كذبه قال الطيبي:"فيه إيجاب التحرز عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا يحدث عنه إلا بما يصح بنقل الإسناد" قال ابن حجر: "وما أوهمه كلام شارح من حرمة التحديث بالضعيف مطلقا مردود". ا. هـ. والظاهر أن
مراد الطيبي بقوله: "إلا بما يصح" الصحة اللغوية التي بمعنى الثبوت لا الاصطلاحية، وإلا لأوهم حرمة التحديث بالحسن أيضا، ولا يحسن ذلك ولا يظن به هذا إذ من المعلوم أن أكثر الأحاديث الدالة على الفروع حسان، ومن المقرر أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال فيتعين حمل كلامه على ما ذكرناه، وكلامه أيضًا مشعر بذلك إذ لم يقل:"بنقل الإسناد الصحيح" ولكنه موهم أنه لا بد من ذكر الإسناد وليس كذلك لأن المراد أنه لا يحدث عنه إلا بما ثبت عنه، وذلك الثبوت إنما يكون بنقل الإسناد وفائدته أنه لو روى عنه ما يكون معناه صحيحا، لكن ليس له إسناد فلا يجوز أن يحدث به عنه واللام في الإسناد للعهد أي الإسناد المعتبر عند المحدثين، وإلا فقد يكون للحديث الموضوع إسناد أيضًا قال عبد الله بن المبارك:"الإسناد من الدين ولو الإسناد لقال من شاء ما شاء" قال ابن حجر: "ولكون الإسناد يعلم به بالموضوع من غيره كانت معرفته من فروض الكفاية قيل: "بلغوا عني" يحتمل وجهين: أحدهما اتصال السند بنقل الثقة عن مثله إلى منتهاه لأن التبليغ من البلوغ وهو إنهاء الشيء إلى غايته، والثاني: أداء اللفظ كما سمع من غير تغيير، والمطلوب في الحديث كلا الوجهين". "كذا في مرقاة المفاتيح".
تنبيه: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، في الفتح في شرح حديث البخاري عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تكذبوا عليَّ فإنه من كذب عليَّ فليلج النار" معناه: لا تنسبوا الكذب إلي، ولا مفهوم لقوله:"عليَّ" لأنه لا يتصور أن يكذب له لنهيه عن مطلق الكذب. وقد اعتز قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب وقالوا: "نحن لم نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته" وما دروا أن تقويله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى؛ لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية، سواء كان في الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما وهو الحرام والمكروه. ولا يعتد بمن خالف ذلك من الكرامية، حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب، في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة واحتج بأنه كذب له لا عليه، وهو جهل باللغة العربية.
وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت، وهي ما أخرجه البزار من حديث ابن مسعود بلفظ: "من كذب عليَّ ليضل به الناس
…
" الحديث وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني والحاكم إرساله، وأخرجه الدارمي من حديث يعلي بن مرة بسند ضعيف وعلى تقرير ثبوته فليست اللام فيه للعلة بل للصيرورة كما فسر قوله تعالى1: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ} . والمعنى أن مآل أمره إلى الإضلال، أو هو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، فلا مفهوم له كقوله تعالى2: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَة، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} فإن قتل الأولاد ومضاعفة الربا والإضلال في هذه الآيات إنما هو لتأكيد الأمر فيها لا اختصاص الحكم". ا. هـ.
11-
بيان أنه ليس كل حديث في باب الترغيب تحدث به العامة:
ترجم لهذا المقصد المهم الإمام البخاري في صحيحه بقوله: "باب من خص بالعلم أقواما دون قوم، كراهية أن لا يفهموا" ثم قال: قال علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ثم أسند عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل قال: "يا معاذ بن جبل" قال: لبيك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعديك! " قال: "يا معاذ" قال: "لبيك يا رسول الله وسعديك! ثلاثًا؛ "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حرمه الله على النار" وقال: "يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلا أخبر به الناس فيستبشروا" قال: "إذًا يتكلوا" وأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا هريرة أن يبشر بذلك الناس، فلقيه عمر فدفعه وقال: ارجع يا أبا هريرة ودخل على أثره فقال: "يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس فخلهم يعملون" فقال: "فخلهم".
1 سورة الأنعام، الآية:144.
2 سورة الأنعام، الآية:151.
وسبق في الثمرة التاسعة1 في بحث الصحيح شذرة من هذا البحث الجليل فتذكر.
وقد توسع فيه وأجاد صديقنا مؤلف كتاب أشهر مشاهير الإسلام2 بقوله تحت عنوان ما كل حديث تحدث به العامة، وندم أبي عبيدة على نقله الحديث لعامة الناس ما صورته: "كل مسلم أكتنه كنه الدين الإسلامي، ووقف على حكمه وأسراره، يرى من آياته العظمى في الترغيب، والترهيب، ما لو أحسن استعماله ووضع في موضعه، لكفى لإزعاج النفوس الشريرة عن مواطن الرذيلة مهما التصقت بها وأمعنت فيها، ولجعل النفوس البارة نورًا على نور، وألبسها من الفضيلة لباسًا لا يصيبه بلى، وقد جاء الكتاب الكريم بالترغيب ليكون باعثا للنفوس على العمل الصالح رجاء الثواب الأخروي الذي أعده الله لعباده الصالحين لا ليكون لاستدراج النفوس في مدارج الاستباحة طمعًا في عفو الله لهذا جاء بإزاء الترغيب بالترهيب لترسم على صفحات النفوس صورة العقاب، كما ارتسمت صورة الثواب فيكون لها منها داع إلى الخير يذكرها بالثواب، ويمكن منها الرغبة فيه لا إلى حد الطمع، والغرور ثم الاستدراج في الشرور وزاجر عن الشر يذكرها بالعقاب، ويمكن منها الرهبة منه لا إلى حد الانقطاع إلى تقويم أود النفس وتعطيل وظائف الحياة ولا إلى حد اليأس والقنوط ثم الاسترسال في الشهوات واقتراف المنكرات على ذلك الأساس بني الترغيب والترهيب في الإسلام وكل ما جاء منه في الحديث النبوي فالمراد منه عين ما أراده القرآن، ولكن ما الحيلة وقد أولع كثير من علماء المسلمين بالإفراط في الوعظ ترغيبًا وترهيبًا وحملوا عامة الناس على طريقتهم في فهم الدين فأكثروا من حمل الحديث وروايته دون التفهم له والعلم بمقاصده ووضع كل شيء منه في محله، والتفريق بين صحيحه وموضوعه حتى أغروا العامة بعقيدة الإباحة لكثرة ما يروون لهم من أحاديث الترغيب ولو موضوعه كفضائل الصيام والصلاة وفضائل الشهور والأيام وفضائل التلاوات وجلها -إن لم نقل كلها- من
1 ص100 من هذ الكتاب.
2 رفيق العظم، أشهر مشاهير الإسلام ج2، ص267، القاهرة مطبعة الموسوعات، 1219هـ.
الموضوع الذي تستدرج به العامة للاستباحة لاعتقادهم بأن من صام كذا غفر له من السيئات كذا وكذا ومن تنفل بيوم كذا محيت سيئاته إلى كذا. ولقد بلغ ببعضهم سوء الفهم للدين أن جعلوا لبعض القصائد النبوية من الفضائل ما لم يجعلوه للقرآن فقالوا إن البيت الفلاني منها لشفاء الأسقام، والآخر لمحو الذنوب والآثام والثالث للنجاة من ظلم الحكام فليت شعري إذا اعتقد العامي أن تلاوة بيت من قصيد يكفي لمحو كل ما يقترفه في يومه من الآثام فإلى أية درجة ينتهى فساد أخلاقه وشرور نفسه، وماذا ينفعه القرآن بأوامره ونواهيه ووعده ووعيده وحكمه وأحكامه اللهم إن هذا لغاية الاستهانة بالدين والجهل بمقاصد الإسلام، ومنشؤه اضطراب الأفهام، وتلبس الحقائق بالأوهام منذ أخذ الوضاعون بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدخلوا في الدين ما ليس منه يضاف إليه الإكثار من حمل الحديث على غير تفقه فيه، ووضع له في مواضعه التي أرادها الشارع وقصدها الإسلام، ولو تتبع العلماء سيرة الصحابة الكرام سيما خاصهم الذين لازموا النبي وفهموا هذا الدين حق الفهم لرأوا كيف أنهم كانوا يقلون من رواية الحديث إلا للخاصة، أو ما تعلق منه بالأحكام حتى بلغ بعمر رضي الله عنه أنه كان ينهى عن رواية الحديث ويقول:"عليكم بالقرآن" وما ذلك إلا خوف الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كثرت الرواية، والنقل وخوف افتنان العامة بما ليس لهم به علم، وبما لم يتفقهوا فيه من الحديث.
"أبو عبيدة بن الجراح"، كان من خيرة الصحابة وعلى جانب من التفقه في الدين والورع والتقوى دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأن يسميه أمين هذه الأمة وقد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا ربما لم يسمعه منه أحد من الصحابة، أو سمعه بعض الخاصة فرأى هذا الأمين أن يطوى هذا الحديث بين الجوانح ويضن به، على العامة كما ضن به عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن عقول العامة يلامسها الاغترار، ونفوسهم يلامسها الضعف وحب الشهوات فهم بالوعيد أولى وبإلزامهم ظواهر الشرع أخرى، ولكن لما ألجأته الضرورة القصوى وهو
محصور مع المسلمين في حمص، ورأى منهم فتورا عن الحرب لا لوهن في نفوسهم، أو جبن أصابهم كلا! وإنما هو لرهبة الخالق التي تمكنت من أفئدتهم وقلوبهم وإخافتهم من الموت، لا لذاته، بل لما بعده، فقام فخطب فيهم وتلا عليهم ذلك الحديث وهو1: $"من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" استحثاثا لهممهم، وتخفيفا لروعهم مما بعد الموت، رجاء رحمه الله وعفوه عن ذنوب اقترفوها مما دون الشرك إذا تابوا، وأنابوا قال لهم هذا وهو يظن أن هذا الحديث لا يتعدى أسماعهم لاعتقاده أنهم إذا خرجوا لمكافحة الروم لا يبقى منهم أحد يحدث به، أو يلابس نفسه أثر منه لكثرة من كان على حصارهم من جند الروم، ولما تم الظفر للمسلمين ونجوا من براثن العدو ندم على أن حدثهم بذلك الحديث وخشي من أن يعلق في نفوسهم شيء منه مع أنه علقه على التوبة، فقام وخطب فيهم فقال: لا تتكلوا ولا تزهدوا في الدرجات فلو علمت أنه يبقى منا أحد لم أحدثكم بهذا الحديث. وتالله إن قومًا بلغ بهم الإيمان الصادق، واليقين الثابت ذلك المقام مقام الرهبة من الله ومن الوقوف بين يدي قدرته بعد الموت لقوم عامتهم أعلم بالدين وأخلص في اليقين من خاصتنا ذلك العصر وماذا يشترط في المحدثين وحملة علوم الدين؟ ألا يشترط الوقوف على مقاصد الإسلام، والتفقه في الحديث والعلم بحالة الخاطبين واجتناب الغلو معهم في الترغيب والترهيب، ومراعاة ما يلابس عقولهم من القوة والضعف وأنى يتيسر هذا وقد نتج عن كثرة الرواية وحمل الحديث بلا تفقه فيه زيغ العقول عن مقاصد الشرع واجتراء الكذابين على وضع الحديث، وشحن الكتب الإسلامية بما لا يرضاه الله والرسول وهو ما كان يحذره عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولهذا نهى في عصره الذي هو خير العصور عن الإكثار من رواية الحديث فما بالك بما يلي عصره من العصور؟
"ذكر الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي الأندلسي في كتابه: "جامع بيان
1 رواه مسلم، وأخرجه الشيخان وأحمد، عن ابن مسعود.
العلم وفضله"1 في باب ذكر من ذم الإكثار من الحديث دون التفهم له والتفقه فيه ما نصه: "عن ابن وهب قال سمعت سفيان بن عيينه يحدث عن بيان عن عامر الشعبي عن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر إلى حرار فتوضأ، فغسل اثنتين ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيت معنا فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جودوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم امضوا وأن شريككم فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا قال: نهانا عمر بن الخطاب".
ثم قال ابن عبد البر بعد هذا بقليل ما نصه: "قول عمر، إنما كان لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن فخشي عليهم الاشتغال بغيره عنه؛ إذ هو الأصل لكل علم. هذا معنى قول أبي عبيدة في ذلك ثم قال أيضًا إن نهيه عن الإكثار، وأمره بالإقلال من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان خوف الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وخوفًا من أن يكونوا مع الإكثار يحدثون بما لم يتيقنوا حفظه ولم يعوه؛ لأن ضبط من قلت روايته أكثر من ضبط المستكثر، وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يؤمن مع الإكثار، فلهذا أمرهم عمر من الإقلال من الرواية". ا. هـ.
12-
وجوب نعرف الحديث الصحيح من الموضوع:
لمن يطالع المؤلفات التي لم تميز بين صحيح الأحاديث وسقيمها:
قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى في مكتوبة لجماعة العارف الجليل الشيخ عدي بن مسافر رحمه الله تعالى في بعض فصوله2: وأنتم -أصلحكم الله- قد من الله عليكم بالانتساب إلى الإسلام الذي هو دين الله وعافاكم مما ابتلي به من خرج عن الإسلام من المشركين وأهل الكتاب وعافاكم بانتسابكم إلى السنة من أكثر البدع المضلة
1 ص174، 175.
2 الوصية الكبرى، ص272 ج1، من مجموعة الرسائل الكبرى.
مثل كثير من بدع الروافض والجهمية والخوارج والقدرية، بحيث جعل عندكم من البغض لمن يكذب بأسماء الله وصفاته وقضائه، وقدره أو يسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو من طريقة أهل السنة والجماعة. وهذا من أكبر نعم الله على من أنعم عليه بذلك، فإن هذا تام الإيمان وكمال الدين؛ ولهذا أكثر فيكم من أهل الصلاح والدين ما لا يوجد مثله في طرائف المبتدعين وفيكم من أولياء الله المتقين من له لسان صدق في العالمين فإن قدماء المشايخ الذين كانوا فيكم مثل الملقب بشيخ الإسلام أبي الحسن علي بن أحمد بن يوسف القرشي الهكاري، وبعده الشيخ العارف القدرة عدي بن مسافر الأموي، ومن سلك سيبلهما فيهم من الفضل والدين والصلاح والاتباع للسنة ما عظم الله به أقدارهم ورفع به منارهم.
ثم قال: "والشيخ عدي قدس الله روحه، عقيدته المحفوظة عنه، لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدم من المشايخ الذين سلك سبيلهم، كالشيخ عبد الواحد الشيرازي، وكشيخ الإسلام الهكاري ونحوهما. وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول أهل السنة، والجماعة بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة، والدعاء إليها والحرص على نشرها، ومنابذة من خالفها مع الدين والفضل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم، وأعلى منارهم وغالب ما يقولونه في أصولها الكبار جيد مع أنه لا بد وأن يوجد في كلامهم وكلام نظرائهم من المسائل المرجوحة والدلائل الضعيفة كأحاديث لا تثبت ومقاييس لا تطرد ما يعرفه أهل البصيرة وذلك أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما المتأخرون من الأمة الذين لم يحكموا معرفة الكتاب والسنة والفقه فيهما ويميزوا بين صحيح الأحاديث وسقيمها وناتج المقاييس وعقيمها مع ما ينضم إلى ذلك من غلبة الأهواء وكثرة الآراء وتغلظ الاختلاف والافتراق وحصول العداوة والشقاق، فإن هذه الأسباب ونحوها مما يوجب قوة الجهل والظلم اللذين نعت الله بهما الإنسان في قوله:{وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} 1 فإذا مَنَّ الله على الإنسان بالعلم
1 سورة الأحزاب، الآية:73.
والعدل، أنقذه من هذا الضلال. وقد قال سبحانه:{وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإنسانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر} . وقد قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} 1. وأنتم تعلمون -أصلحكم الله- أن السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها ويذم من خالفها هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور الاعتقادات وأمور العبادات وسائر أمور الديانات. وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول وعمل ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان، وذلك في دواوين الإسلام المعروفة مثل صحيحي البخاري ومسلم وكتب السنن مثل سنن أبي داود والنسائي وجامع الترمذي وموطأ الإمام مالك، ومثل المسانيد المعروفة كمثل مسند الإمام أحمد وغيره ويوجد في كتب التفاسير والمغازي وسائر كتب الحديث جملها وأجزائها من الآثار ما يستدل ببعضها على بعض، وهذا أمر قد أقام الله له من أهل المعرفة من اعتنى به حتى حفظ الله الدين على أهله، وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار المروية في أبواب عقائد أهل السنة مثل حماد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم في طبقهم ومنها ما بوب عليه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم في كتبهم، ومثل مصنفات أبي بكر الأثرم وعبد الله بن أحمد وأبي بكر الخلال وأبي القاسم الطبراني وأبي الشيخ الأصبهاني وأبي بكر الآجري وأبي الحسن الدارقطني وأبي عبد الله بن منده وأبي القاسم اللالكائي وأبي عبد الله بن بطة وأبي عمر الطلمنكي وأبي نعيم الأصبهاني وأبي بكر البيهقي وأبي ذر الهروي، وإن كان يقع في بعض هذه المصنفات من الأحاديث الضعيفة ما يعرفه أهل المعرفة.
"وقد يروي كثير من الناس في الصفات وسائر أبواب الاعتقادات وعامة أبواب الدين أحاديث كثيرة تكون مكذوبة موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي قسمان:
1 سورة السجدة، الآية 24.
منها ما يكون كلامًا باطلًا لا يجوز أن يقال فضلًا عن أن يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
والقسم الثاني: من الكلام، ما يكون قد قاله بعض السلف، أو بعض العلماء، أو بعض الناس ويكون حقًّا أو مما يسوغ فيه الاجتهاد أو مذهبًا لقائله فيعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث مثل المسائل التي وصفها الشيخ أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري وجعلها محنة يفرق فيها بين السني والبدعي وهي مسائل معروفة عملها بعض الكذابين، وجعل لها إسنادًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلها من كلامه؛ وهذا يعلمه من له أدنى معرفة أنه مكذوب مفترى، وهذه المسائل وإن كان غالبها موافقًا لأصول السنة ففيها ما إذا خالفه الإنسان، لم يحكم بأنه مبتدع مثل أول نعمة أنعم بها على عبده فإن هذه المسألة فيها نزاع بين أهل السنة والنزاع فيها لفظي؛ لأن مبناها على أن اللذة يعتقبها ألم، هل تسمى نعمة أم لا؟ وفيها أيضًا أشياء مرجوحة.
والواجب: أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب، فإن السنة هي الحق دون الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة. فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام عمومًا ولمن يدعي السنة خصوصًا. ا. هـ.
13-
بيان أنه لا عبرة بالأحاديث المنقولة في كتب الفقه والتصوف؛ ما لم يظهر سندها وإن كان مصنفها جليلا:
قال العلامة ملا علي القاري في رسالة الموضوعات1: "حديث: من قضى صلاته من الفرائض في آخر جمعة من رمضان، كان ذلك جابرًا لكل صلاة فاتته في عمره إلى سبعين سنة" باطل قطعا، ولا عبرة بنقل صاحب النهاية وغيره من بقية شراح الهداية، فإنهم
1 ص85، طبع القسطنطينية.
ليسوا من المحدثين ولا أسندوا الحديث إلى أحد من المخرجين. ا. هـ.
وقال السيوطي في مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود، على حديث: "نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم
…
" فإن قلت: "إنه صلى الله عليه وسلم كان يسرح لحيته كل يوم مرتين، قلت: لم أقف على هذا بإسناد، ولم أر من ذكره إلا الغزالي في الإحياء؛ ولا يخفى ما فيه من الأحاديث التي لا أصل لها". ا. هـ.
وظاهر أنهم لم يوردوا ما أوردوا مع العلم بكونه موضوعًا، بل ظنوه مرويا. ونقد الآثار من وظيفة حملة الأخبار؛ إذ لكل مقام مقال ولكل فن رجال.
14-
الرد على من يزعم تصحيح بعض الأحاديث بالكشف بأن مدار الصحة على السند:
في فتاوى العلامة الشيخ عليش رحمه الله ما مثاله: "وسئل عن حديث يس لما قرئت له" هل هو صحيح وما يترتب على من شنع على من أنكر صحته أفيدوا الجواب؛ فأجاب بما نصه: "الحمد لله؛ نص الحافظ السخاوي في كتابه: "المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة" على أن هذا الحديث لا أصل له، وكذلك سيدي محمد الزرقاني في مختصره، ويترتب على هذا المشنع المذكور الأدب الشديد لتجرئه على التكلم بغير علم، والظاهر من حال هذا الرجل أنه جاهل جاف غليظ الطبع لم يخالط أحدًا من أهل العلم، ومثل هذا يخشى عليه مقت الله تعالى لخوضه في الأحاديث بغير معرفة إذ من له معرفة لا ينكر المنصوص، وشدة الجهل وضعف العقل وعدم الديانة توجب أكثر من ذلك والله أعلم.
وكتب على هذا السؤال أيضًا الشيخ إبراهيم السقاء خطيب الأزهر ما نصه: "الحمد لله؛ قرر الشعراني في كتابه البدر المنير، نقلًا عن الحافظ السخاوي، أن الحديث بهذا اللفظ لا أصل له ثم قال، وهو عند جماعة الشيخ إسماعيل اليمني قطعي". ا. هـ.
فهذا مما اختلف فيه الناس فلا يليق أن يُرد على من أنكر صحته، فإن السخاوي أنكرها، ولا يليق أن يرد على من قرره، فإن بعض الناس قد قرره كما سمعته عن
الشعراني وفضل: "يس" وكونها لقضاء الأغراض الدنيوية والأخروية، لا يتوقف على هذا الحديث فإنه قد وردت به أحاديث أخر. هذا ما فتح الله به".
الفقير:
إبراهيم السقاء الشافعي عفى عنه.
قال جامع فتاوى الشيخ عليش رحمه الله ولما اطلع على هذا الجواب شيخنا أبو يحيى "يعني الشيخ عليشا" كتب عليه ما نصه: "الحمد لله؛ من المعلوم لكل أحد أن الأحاديث لا تثبت إلا بالأسانيد لا بنحو الكشف، وأنوار القلوب فما نقله الشعراني عن جماعة سيدي إسماعيل اليمني إن كان المراد صحة اللفظ كما فهم المفتي توقف الأمر على السند، وإلا رد القول على قائله كائنا من كان ودين الله لا محاباة فيه، والولاية والكرامات لا دخل لها هنا إنما المرجع للحفاظ العارفين بهذا الشأن، والحديث عندهم متفق على أنه لا أصل له فقد ذكره ملا علي قاري وقال: قال السخاوي: لا أصل له، وقال في خطبة كتابه إنه لا يذكر الحديث الثابت، ولا المختلف في، وضعه وإن كان المراد صحة معناه كما هو اللائق بتحسين الظن بالسادة فهذا أمر قريب لأن من صح توكله وصدق إخلاصه إذا دعا إلاله أجابه خصوصًا إذ توسل بالقرآن ويقع مثل هذا في كلام الحفاظ فقد قال أبو بكر بن العربي لما تكلم على حديث: "سورة المائدة نعمت الفائدة" أنا أقول سورة المائدة نعمت الفائدة لكن اللفظ لم يرد". ا. هـ.
إلا أن هذا غير ما نحن فيه فتعقب هذا المفتي على السخاوي بآخر عبارة الشعراني في غير محله؛ لأنه مبني على ما فهم من إراده صحة اللفظ وقد علمت أنه لا يصح لتوقفه على السند ولم يوجد؛ إذ لو وجد لعرفه الحفاظ، وذكروا الحديث في كتبهم، وقوله:"فهذا مما اختلف فيه" فيه ما فيه ويرده كلام ملا علي. وقوله: "ولا يليق الرد على من قرره" كأن مراده المفتي الأول، وهو لم يرد على من قرر، إنما رد على من تكلم بلا علم وخاض بغير معرفة، والرد على هذا متعين وكأنه لم يفهم ألفاظ من رد عليه، كما أنه لم يفهم مراد
من ردبه، وكما أنه لم يفهم السؤال حيث قال وفضل:"يس" إلخ فإن فضل جميع القرآن لا نزاع فيه بين المسلمين وقوله: "هذا ما فتح الله به لم أفهم معناه فإنه إذا لم يحقق مراد من يتعقب بكلامه، ولا يتدبر السؤال ولم يفهم ألفاظ من رد عليه مع كون الرد فضولًا؛ لأنه إنما سئل عما في السؤال وأما في جواب المجيب فلا فبأى شيء وقع الفتح، وإن كان هذا غاية ملكة هذا الرجل، فإنا لله قد كنت أظن أن تحت القبة شيخا والله أعلم". ا. هـ. كلام الشيخ عليش.