الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
38-
ذكر أنواع تختص بالضعيف:
النوع الأول الموقوف: وهو المروي عن الصحابة قولًا لهم أو فعلًا أو تقريرًا، متصلًا إسناده إليهم أو منقطعًا؛ ويستعمل في غيرهم مقيدًا؛ فيقال: وقفه فلان على الزهري ونحوه، وسبق أول الكتاب أن فقهاء خراسان يسمون الموقوف أثرًا والمرفوع خبرًا.
قال النووي: "وعند المحدثين، كل هذا يسميى أثرًا؛ أي لأنه مأخوذ من أثرت الحديث أي رويته" والموقوف ليس بحجة على الأصح.
الثاني، المقطوع: وهو ما جاء عن التابعين، أو من دونهم من أقوالهم، وأفعالهم موقوفًا عليهم وليس بحجة أيضًا.
فائدتان:
الأولى: قال الزركشي في"النكت": "إدخال المقطوع في أنواع الحديث فيه تسامح كبير، فإن أقوال التابعين، ومذاهبهم لا دخل لها في الحديث فكيف تعد نوعا منة قال: نعم يجيء هنا ما في الموقوف من أنه إذا كان ذلك لا مجال للاجتهاد فيهن يكون في حكم المرفوع، وبه صرح ابن العربي وادعى أنه مذهب مالك".
الثانية: من مظان الموقوف والمقطوع، مصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق وتفاسير، ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وغيرهم.
الثالث، المنقطع: وهو ما لم يتصل إسناده، سواء سقط منه صحابي أو غيره. وبعبارة أخرى سواء ترك ذكر الراوي من أول الإسناد أو وسطه أو آخره، إلا أن الغالب استعماله في رواية من دون التابعي عن الصحابة كمالك عن ابن عمر.
الرابع المعضل: "بفتح الضاد" وهو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر بشرط التوالي كقول مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الشافعي قال ابن عمر.
الخامس، الشاذ: قال الشافعي: "الشاذ ما رواه المقبول مخالفًا لرواية من هو أولى
منه، لا أن يروي ما لا يروي غيره، فمطلق التفرد لا يجعل المروي شاذا كما قيل، بل مع المخالفة المذكورة".
السادس، المنكر: وهو الحديث الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه وكان راويه، بعيدًا عن درجة الضابط.
تنبيه: اعلم أن الشاذ والمنكر يجتمعان في اشتراط المخالفة لما يرويه الناس ويفترقان في أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق والمنكر رواية ضعيف وقد غفل من سوى بينهما.
السابع، المتروك: وهو ما يرويه متهم بالكذب، ولا يعرف إلا من جهته ويكون مخالفًا للقواعد المعلومة أو معروفًا بالكذب في غير الحديث النبوي أو كثير الغلط أو الفسق أو الغفلة.
الثامن، المعلل: ويقال المعلول، وهو ما ظاهره السلامة، اطلع فيه بعد التفتيش على قادح؛ وتدرك العلة بعد جمع الطرق والفحص عنها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، ممن هو أحفظ أو أضبط أو أكثر عددًا مع قرائن تضم إلى ذلك يهتدي الناقد إليها إلى اطلاعه على تصويب إرسال في الموصول، أو تصويب وقف في المرفوع أو دخل حديث في حديث أو وهم واهم بغير ذلك كإبدال راو ضعيف بثقة بحيث غلب على ظنه ما وقف عليه من ذلك فحكم به أو تردد في ذلك فوقف عن الحكم بصحة الحديث مع أن ظاهره السلامة من العلة، وأكثر ما تكون العلة في السند، وقد تكون في المتن، ثم التي في السند قد تقدح في صحة المتن وقد لا تقدح، وكما تكون خفية تكون ظاهرة فقد كثر إعلال الموصول بالإرسال، والمرفوع بالوقف إذا قوي الإرسال أو الوقف بكون راويهما أضبط أو أكثر عددًا على الاتصال أو الرفع وقد يعلون الحديث بأنواع الجرح من الكذب والغفلة وفسق الراوي وسوء الحفظ بل أطلق الخليل1 اسم العلة على غير القادح توسعًا، كالحديث الذي وصله الثقة وأرسله غيره.
1 ذكر في إحدى النسختين بلفظ "الخليل" وفي الثانية بلفظ "الخليلي" وكلاهما صحيح؛ لأنه هو الخليل بن عبد الله بن أحمد بن القزويني الخليلي أبو يعلى.
التاسع المضطرب: "بكسر الراء". وهو الذي يروى على أوجه مختلفة متقاربة، والاختلاف إما من راو واحد، بأن رواه مرة على وجه، ومرة على وجه آخر مخالف له أو أزيد من واحد بأن رواه كل من جماعة على وجه مخالف للآخر. والاضطراب يوجب ضعف الحديث لإشعار بعدم الضبط من رواته الذي هو شرط في الصحة، والحسن. ويقع الاضطراب في الإسناد وفي المتن وفي كليهما معًا ثم إن رجحت إحدى الروايتين أو الروايات يحفط راويها أو كثرة صحبته المروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات الآتية فالحكم للراجحة، ولا يكون الحديث مضطربًا.
تنبيه: قد يجامع الاضطراب الصحة، وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد وأبيه ونسبته ونحو ذلك ويكون ثقة، فيحكم للحديث بالصحة ولا يضر الاختلاف فيما ذكر مع تسميته مضطربًا، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة قال الزركشي:"قد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن".
العاشر: المقلوب: وهو ما بدل فيه راو بآخر في طبقته، أو أُخذ إسناد متنه فرُكب على متن آخر. ويقال له المركب. والقصد فيه إما الإعراب، فيكون كالوضع أو اختبار حفظ المحدث، كما قلب أهل بغداد على البخاري لما جاءهم مائة حديث امتحانًا فردها على وجوهها فأذعنوا بفضله وقد يقع القلب غلطًا لا قصدًا كما يقع الوضع كذلك.
الحادي عشر، المدلس:"بفتح اللام" وهو ما سقط من إسناده راو لم يسمه من حدث عنه، موهمًا سماعه للحديث ممن لم يحدثه بشرط معاصرته له فإن لم يكن عاصره فليست الرواية عنه تدليسًا على المشهور، ومن التدليس أن يسقط الراوي شيخ شيخه أو أعلى منه لكونه ضعيفًا، وشيخه ثقة أو صغيرًا تحسينًا للحديث، ومنه أن يسمى شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف ثم إن كان الحامل للراوي على التدليس تغطية الضعيف فجرح لأن ذلك حرام وغش وإلا فلا، وما كان في الصحيحين وشبههما عن المدلسين:"بعن" فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى وإيثار صاحب الصحيح طريق العنعنة لكونها على شرطه دون تلك والله أعلم.
الثاني عشر، المرسل: وهو ما سقط منه الصحابي؛ كقول نافع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعل كذا. أو فُعِلَ بحضرته كذا ونحو ذلك هذا هو المشهور. وقد يطلق المرسل على المقطع والمعضل السالف ذكرهما، كما يقع ذلك في كثير من السنن والصحيح أيضًا "كما في فتح المغيث". وهو رأي الفقهاء والأصوليين. ومما يشهد للتعميم، قول ابن القطان:"إن الإرسال رواية الرجل عمن لم يسمع منه".
تنبيه: عدنا للمرسل في أنواع الضعيف، موافقة للأكثرين ولا بأس بالإشارة إلى المذاهب فيه، مع بسطٍ ما فإنه موقف مهم فنقول:
للأئمة مذاهب في المرسل، مرجعها إلى ثلاثة: الأول: أنه ضعيف مطلقًا الثاني: حجة مطلقًا الثالث التفصيل فيه.
فأما المذهب الأول: فهو المشهور. قال النووي رحمه الله في التقريب1: "ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين وكثير من الفقهاء، وأصحاب الأصول". وقال رحمه الله في شرح المهذب بعد هذا: "وحكاه الحاكم أبو عبد الله عن سعيد بن المسيب وجماعة أهل الحديث" وقال مسلم في مقدمة صحيحه: "والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة ". ا. هـ.
قال النووي: "ودليلنا في رد العمل به، أنه إذا كانت رواية المجهول المسمى لا تقبل لجهالة حاله، فرواية المرسل أولى لأن المروي عنه محذوف مجهول العين والحال. قال الحافظ في شرح النخبة2: "وإنما ذكر -يعني المرسل- في قسم المردود للجهل بحال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون صحابيًّا، ويحتمل أن يكون تابعيًّا وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفًا، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن صحابي ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق، ويتعدد أما بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له، وأما بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض". ا. هـ.
1 ص66.
2 ص17.
وأما المذهب الثاني وهو من قال: "المرسل حجة مطلقًا" فقد نقل عن مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية حكاها النووي، وابن القيم، وابن كثير وغيرهم وحكاه النووي أيضا في شرح المهذب عن كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم. قال:"ونقله الغزالي عن الجماهير" قال القرافي في شرح التنقيح1: "حجة الجواز أن سكوته عنه مع عدالة الساكت، وعلمه أن روايته يترتب عليها شرع عام فيقتضي ذلك أنه ما سكت عنه إلا وقد جزم بعدالته فسكوته كإخباره بعدالته، وهو لو زكاه عندنا قبلنا تزكيته، وقبلنا روايته فكذلك سكوته عنه حتى قال بعضهم إن المرسل أقوى من المسند بهذا الطريق لأن المرسل قد تذمم الراوي وأخذه في ذمته عند الله تعالى، وذلك يقتضي وثوقه بعدالته، وأما إذا أسند فقد فوض أمره للسامع ينظر فيه، ولم يتذممه فهذه الحالة أضعف من الإرسال". ا. هـ. وفي التدريب2 عن ابن جرير قال: "أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين، قال ابن عبد البر: كأنه يعني أن الشافعي أول من رده". ا. هـ. وقال السخاوي في فتح المغيث: "قال أبو داود في رسالته: وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي رحمه الله فتكلم في ذلك وتابعه عليه أحمد وغيره". ا. هـ. ثم اختلفوا هل هو أعلى منه المسند أو دونه أو مثله وتظهر فائدة الخلاف عند التعارض والذي ذهب إليه أحمد وأكثر المالكية والمحققون من الحنفية كالطحاوي وأبي بكر الرازي تقديم المسند قال ابن عبد البر: "وشبهوا ذلك بالشهود يكون بعضهم أفضل حالًا من بعض وأقعد وأتم معرفة وإن كان الكل عدولًا جائزي الشهادة". ا. هـ.
والقائلون بأنه أعلى وأرجح من المسند، وجهوه بأن من أسند فقد أحالك على إسناده، والنظر في أحوال رواته والبحث عنهم، ومن أرسل مع علمه ودينه وإمامته وثقته،
1 ص164، القاهرة، المطبعة الخيرية، 1306هـ.
2 ص67.
فقد قطع لك بصحته، وكفاك النظر فيه كما قدمنا عن القرافي. ومحل الخلاف فيما قيل، إذا لم ينضم إلى الإرسال ضعف في بعض رواته، وإلا فهو حينئذ أسوأ حالًا من مسند ضعيف جزمًا ولذا قيل: إنهم اتفقوا على اشتراط ثقة المرسل، وكونه لا يرسل إلا عن الثقات، قاله ابن عبد البر، وكذا أبو الوليد الباجي من المالكية وأبو بكر الرازي من الحنفية. "وأما الثاني"1 فلا خلاف أنه لا يجوز العمل بالمرسل إذا كان مرسله غير متحرز بل يرسل عن غير الثقات أيضًا وعبارة الأول:"فقال لم تزل الأئمة يحتجون بالمرسل إذا تقارب عصر المرسل، والمرسل عنه، ولم يعرف المرسل بالرواية عن الضعفاء، وممن اعتبر ذلك من مخالفيهم الشافعي فجعله شرطًا في المرسل المعتضد، ولكن توفق شيخنا في صحة نقل الاتفاق من الطرفين قبولًا وردًّا، قال لكن ذلك فيهما عن جمهور مشهور". ا. هـ. وفي كلام الطحاوي ما يومئ إلى احتياج المرسل، ونحوه إلى الاحتفاف بقرينة وذلك أنه قال -في حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه سئل:"كان عبد الله مع النبي ليلة الجن قال: لا" ما نصه فإن قيل هذا منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا يقال: نحن لم نحتج به من هذه الجهة إنما احتججنا به. لأن مثل أبي عبيدة على تقدمه في العلم وموضعه من عبد الله، وخلطته بخاصته من بعده لا يخفى عليه مثل هذا من أموره، فجعلنا قوله حجة لهذا لا من الطريق التي وصفت ونحوه قول الشافعي رحمه الله في حديث لطاوس عن معاذ:"طاوي لم يلق معاذًا لكنه علام بأمر معاذ، وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أخذ عن معاذ وهذا لا أعلم من أحد فيه خلافا". وتبعه البيهقي وغيره ومن الحجج لهذا القول أن احتمال الضعف في الواسطة حيث كان تابعيا لا سيما بالكذب بعيدا جدًّا فإنه أثنى على عصر التابعين، وشهد له بعد الصحابة بالخيرية ثم للقرنين كما تقدم بحيث استدل بذلك على تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل فإرسال التابعي،
1 في هذا الموضع شيء من الغموض، ولعل سببه نقص أو تحريف. على أن السيوطي في التدريب ص67 والشوكاني في إرشاد الفحول ص61 يعزون هذا القول "الثاني" إلى ابن عبد البر.