المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تتمة في مقصدين: - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث

[جمال الدين القاسمي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات:

- ‌خطبة الكتاب:

- ‌الباب الأول: في التنويه بشأن الحديث وفيه مطالب

- ‌ شرف علم الحديث:

- ‌ فضل راوي الحديث:

- ‌ الأمر النبوي برواية الحديث وإسماعه:

- ‌ حث السلف على الحديث:

- ‌ إجلال الحديث وتعظيمه والرهبة من الزيغ عنه:

- ‌ فضل المحامي عن الحديث والمحيي للسنة:

- ‌ أجر المتمسك بالسنة إذا اتبعت الأهواء وأوثرت الدنيا:

- ‌ بيان أن الوقيعة في أهل الأثر من علامات أهل البدع:

- ‌ ما روي أن الحديث من الوحي:

- ‌ أيادي المحدثين البيضاء على الأمة وشكر مساعيهم:

- ‌الباب الثاني: في معنى الحديث وفيه مباحث

- ‌ماهية الحديث والخبر والأثر

- ‌ بيان الحديث القدسي:

- ‌ ذكر أول من دون الحديث:

- ‌ بيان أكثر الصحابة حديثا وفتوى:

- ‌ ذكر صدور التابعين في الحديث وألفتيا:

- ‌الباب الثالث: في بيان علم الحديث؛ وفيه مسائل

- ‌ ماهية علم الحديث؛ رواية ودراية وموضوعه وغايته:

- ‌ المقصود من علم الحديث:

- ‌ حد المسند والمحدث والحافظ:

- ‌الباب الرابع: في معرفة أنواع الحديث وفيه مقاصد

- ‌ بيان المجموع من أنواعه:

- ‌ بيان الصحيح:

- ‌بيان الصحيح لذاته والصحيح لغيره

- ‌ تفاوت رتب الصحيح:

- ‌ أثبت البلاد في الحديث الصحيح في عهد السلف:

- ‌ أقسام الصحيح:

- ‌ معنى قولهم أصح شيء في الباب كذا:

- ‌ أول من دون الصحيح:

- ‌ بيان أن الصحيح لم يستوعب في مصنف:

- ‌ بيان أن الأصول الخمسة لم يفتها من الصحيح إلا اليسير:

- ‌ ذكر من صنف في أصح الأحاديث:

- ‌بيان الثمرات المجتناة من شجرة الحديث المباركة

- ‌ بيان الحديث الحسن ذكر ماهيته:

- ‌ بيان الحسن لذاته ولغيره:

- ‌ ترقي الحسن لذاته إلى الصحيح بتعدد طرقه:

- ‌ بيان أول من شهر الحسن:

- ‌ معنى قول الترمذي: "حسن صحيح

- ‌ الجواب عن جمع الترمذي بين الحسن والغرابة على اصطلاحه:

- ‌ مناقشة الترمذي في بعض ما يصححه أو يحسنه:

- ‌ بيان أن الحسن على مراتب:

- ‌ بيان كون الحسن حجة في الأحكام:

- ‌ قبول زيادة راوي الصحيح والحسن:

- ‌بيان ألقاب للحديث تشمل الصحيح والحسن وهي الجيد والقوى والصالح والمعروف والمحفوظ والمجود والثابت والمقبول

- ‌ بيان الضعيف ماهية الضعيف وأقسامه:

- ‌ تفاوت الضعيف:

- ‌ بحث الضعيف إذا تعددت طرقه:

- ‌ذكر قول مسلم رحمه الله إن السراوى عن الضعفاء غاش آثم جاهل

- ‌ تشنيع الإمام مسلم على رواة الأحاديث الضعيفة والمنكرة وقذفهم بها إلى العوام، وإيجابه رواية ما عرفت صحة مخارجه:

- ‌ تحذير الإمام مسلم من روايات القصاص والصالحين:

- ‌ ذكر المذاهب في الأخذ بالضعيف واعتماد العمل به في الفضائل:

- ‌ الجواب عن رواية بعض كبار الأئمة عن الضعفاء:

- ‌ ما شرطه المحققون لقبول الضعيف:

- ‌تزييف درع الموسوسين في المتفق على ضعفه

- ‌ ترجيح الضعيف على رأي الرجال:

- ‌ بحث الدواني في الضعيف:

- ‌ مسائل تتعلق بالضعيف:

- ‌ ذكر أنواع تشترك في الصحيح والحسن والضعيف:

- ‌ ذكر أنواع تختص بالضعيف:

- ‌ ذكر مناقشة الفريق الأول لما ذكره أهل المذهب الثاني:

- ‌ ذكر المذهب الثالث في المرسل ممن اعتدل في شأنه وفصل فيه:

- ‌ بيان أكثر من تُروى عنهم المراسيل والموازنة بينهم:

- ‌ ذكر مرسل الصحابة:

- ‌ مراتب المرسل:

- ‌ بحث قول الصحابي من السنة كذا وقوله أمرنا بكذا ونهينا عن كذا:

- ‌ الكلام على الخبر المتواتر وخبر الآحاد:

- ‌ بيان أن خبر الواحد الثقة حجة يلزم به العمل:

- ‌ الكلام على الحديث الموضوع وفيه مباحث:

- ‌الباب الخامس: في الجرح والتعديل وفيه مسائل

- ‌ بيان طبقات السلف في ذلك:

- ‌ بيان أن جرح الضعفاء من النصيحة:

- ‌ بحث تعارض الجرح والتعديل:

- ‌ بيان أن تجريح بعض رجال الصحيحين لا يعبأ به:

- ‌ الناقلون المبدعون:

- ‌ الناقلون المجهولون:

- ‌ قول الراوي حدثني الثقة أو من لا يتهم هل هو تعديل له

- ‌ما وقع في الصحيحين وغيرهما من نحو: اين فلان، أو ولد فلان

- ‌ قولهم: عن فلان أو فلان وهما عدلان

- ‌ من لم يذكر في الصحيحين أو أحدهما لا يلزم منه جرحه:

- ‌ اقتصار البخاري على رواية من روايات إشارة إلى نقد في غيرها:

- ‌ ترك رواية البخاري لحديث لا يوهنه:

- ‌ بيان أن من روى له حديث في الصحيح لا يلزم صحة جميع حديثه:

- ‌ما كان من روى المناكير ضعيف

- ‌ متى يترك حديث المتكلم فيه:

- ‌ جواز ذكر الراوي بلقبه الذي يكرهه للتعريف وأنه ليس بغيبة له:

- ‌ الاعتماد في جرح الرواة وتعديلهم على الكتب المصنفة في ذلك:

- ‌ بيان عدالة الصحابة أجمعين:

- ‌بيان معنى الصحابي

- ‌ تفاضل الصحابة:

- ‌الباب السادس: في الإسناد؛ وفيه مباحث

- ‌ فضل الإسناد:

- ‌ معنى السند والإسناد والمسند والمتن:

- ‌ أقسام تحمل الحديث:

- ‌بحث وحيز في الإجازة، ومعنى قولهم: أجزت له كذا بشرطه

- ‌ أقدم إجازة عثرت عليها:

- ‌ هل قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا بمعنى واحد أم لا

- ‌ قول المحدث وبه قال حدثنا:

- ‌ الرمز بـ: "ثنا" و"نا" و"أنا" و"ح

- ‌ عادة المحدثين في قراءة الإسناد:

- ‌ الإتيان بصيغة الجزم في الحديث الصحيح والحسن دون الضعيف:

- ‌ متى يقول الراوي "أو كما قال

- ‌السر في تفرقة البخارى بين قوله: حديثا فلان، وقال لى فلان

- ‌ سر قولهم في خلال ذكر الرجال: يعني ابن فلان أو هو ابن فلان:

- ‌ قولهم: دخل حديث بعضهم في بعض:

- ‌ قولهم: "أصح شيء في الباب كذا

- ‌ قولهم: "وفي الباب عن فلان

- ‌ أكثر ما وجد من رواية التابعين بعضهم عن بعض:

- ‌ هل يشترط في رواية الأحاديث السند أم لا:

- ‌ فوائد الأسانيد المجموعة في الأثبات:

- ‌ ثمرة رواية الكتب بالأسانيد في الأعصار المتأخرة:

- ‌ بيان أن تحمل الأخبار على الكيفيات المعروفة من ملح العلم لا من صلبه وكذا استخراج الحديث من طرق كثيرة:

- ‌ توسع الحفاظ رحمهم الله تعالى في طبقات السماع:

- ‌ بيان الفرق بين المخرج "اسم فاعل" والمخرج "اسم مكان

- ‌ سر ذكر الصحابي في الأثر ومخرجه من المحدثين:

- ‌الباب السابع: في أحوال الرواية؛ وفيه مباحث:

- ‌ رواية الحديث بالمعنى:

- ‌ جواز رواية بعض الحديث بشروطه:

- ‌ سر تكرار الحديث في الجوامع والسنن والمسانيد:

- ‌5- ذكر الخلاف في الاستشهاد بالحديث على اللغة والنحو وكذلك بكلام الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم:

- ‌الباب الثامن: في‌‌ آداب المحدثوطالب الحديث وغير ذلك؛ وفيه مسائل

- ‌ آداب المحدث

- ‌ آداب طالب الحديث:

- ‌ ما يفتقر إليه المحدث:

- ‌ما يستحب للمحدث عند التحديث

- ‌ بيان طرق درس الحديث:

- ‌ أمثلة من لا تقبل روايته ومنهم من يحدث لا من أصل مصحح:

- ‌ الأدب عند ذكره تعالى وذكر رسوله والصحابة والتابعين:

- ‌ الاهتمام بتجويد الحديث:

- ‌الباب التاسع: في كتب الحديث؛ وفيه فوائد

- ‌ بيان طبقات كتب الحديث:

- ‌ بيان الرموز لكتب الحديث على طريقة الحافظ ابن حجر في التدريب:

- ‌ بيان الرموز لكتب الحديث على طريقة السيوطي في الجامع الكبير والجامع الصغير:

- ‌بيان ما اشتمل على الصحيح فقظ أو مع غيره من هذه الكتب المرموز بها

- ‌ الرجوع إلى الأصول الصحيحة

- ‌ إذا كان عند العالم الصحيحان:

- ‌ هل يجوز الاحتجاج في الأحكام بجميع ما في هذه الكتب من غير توقف أم لا? وهل تعذر التصحيح في الأزمان المتأخرة أم لا

- ‌ الاهتمام بمطالعة كتب الحديث:

- ‌ ذكر أرباب الهمة الجليلة في قراءتهم كتب الحديث في أيام قليلة:

- ‌ قراءة البخاري لنازلة الوباء:

- ‌الباب العاشر: في فقه الحديث

- ‌ بيان أقسام ما دون في علم الحديث:

- ‌ بيان كيفية تلقي الأمة الشرع من النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌ بيان أن السنة حجة على جميع الأمة وليس عمل أحد حجة عليها:

- ‌ العمل بالحديث بحسب ما بدا لصاحب الفهم المستقيم:

- ‌ لزوم الإفتاء بلفظ النص مهما أمكن:

- ‌ حرمة الإفتاء بضد لفظ النص:

- ‌ رد ما خالف النص أو الإجماع:

- ‌ تشنيع المتقدمين على من يقول العمل على الفقه لا على الحديث:

- ‌ رد الإمام السندي الحنفي رحمه الله على من يقول ليس لمثلنا أن يفهم الحديث:

- ‌ رد الإمام السندي رحمه الله أيضًا على من يقرأ كتب الحديث لا للعمل:

- ‌ التحذير من التعسف في رد الأحاديث إلى المذاهب:

- ‌الترهيب من عدم توقير الحديث وهجر من يعرض عنه والغضب لله في ذلك

- ‌ما ينفى من قول أحد عند قول النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌ ما يقوله من بلغه حديث كان يعتقد خلافه:

- ‌ما روى عن السلف في الرجوع إلى حديث

- ‌ حق الأدب فيما لم تدرك حقيقة من الأخبار النبوية:

- ‌ بيان إمرار السلف الأحاديث على ظاهرها:

- ‌ قاعدة الإمام الشافعي رحمه الله في مختلف الحديث:

- ‌ فذلكة وجوه الترجيح بين ما ظاهره التعارض:

- ‌ بحث الناسخ والمنسوخ:

- ‌بحث التحيل على إسقاط حكم أو قلبه

- ‌ بيان أسباب اختلاف الصحابة والتابعين في الفروع:

- ‌ بيان أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء:

- ‌ بيان الفرق بين أهل الحديث وأصحاب الرأي:

- ‌ بيان حال الناس في الصدر الأول وبعده:

- ‌ فتوى الإمام تقي الدين أبي العباس فيمن تفقه على مذهب:

- ‌ بيان معرفة الحق بالدليل:

- ‌ بيان أن معرفة الشيء ببرهانه طريقة القرآن الكريم:

- ‌ بيان أن من المصالح هذه المذاهب المدونة وفوائد مهمة من أصل التخريج على كلام الفقهاء وغير ذلك:

- ‌ بيان وجوب موالاة الأئمة المجتهدين وأنه إذا وجد لواحد منهم قول صح الحديث بخلافة فلا بد له من عذر في تركة وبيان العذر:

- ‌الخاتمة في فوائد متنوعة يضطر إليها الأثري:

- ‌ سبيل الترقي في علوم الدين:

- ‌ قاعدة المحققين في مسائل الدين وعلماء الفرق:

- ‌ وصية الغزالي في معاملة المتعصب:

- ‌ بيان من يسلم من الأغلاط:

- ‌تتمة في مقصدين:

- ‌فهرس:

الفصل: ‌تتمة في مقصدين:

‌تتمة في مقصدين:

1-

المقصد الأول:

في أن طلب الحديث أن يتقى به الله عز وجل، وأن طلب الشارع للعمل لكونه وسيلة إلى التعبد به.

قال العلامة أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات في مقدمتها السابعة: "كل علم شرعي، فطلب الشارع له إنما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى، لا من جهة أخرى فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى فبالتبع". ثم ساق الأدلة على ذلك، ومنها أن الشرع إنما جاء بالتعبد وهو المقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وجود الكلام في ذلك على عادته رحمه الله ثم قال في المقدمة الثامنة: "العلم الذي هو العلم المعتبر شرعًا أعني الذي مدح الله ورسوله أهله على الإطلاق هو العلم الباعث على العمل الذي لا يخلي صاحبه جاريًا مع هواه كيفما كان، بل هو المقيد لصاحبه بمقتضاه الحامل له على قوانينه طوعًا أو كرهًا، ومعنى هذه الجملة أن أصل العلم في طلبه، وتحصيله على ثلاثة مراتب:

المرتبة الأولى: الطالبون له ولما يحصلوا على كماله بعد، وإنما هم في طلبه في رتبه التقليد فهؤلاء إذا دخلوا في العمل به فبمقتضى الحمل التكليفي، والحث الترغيبي والترهيبي، وعلى مقدار شدة التصديق يخف ثقل التكليف، فلا يكتفي العلم ها هنا بالحمل دون أمر آخر خارج مقوله من زجر أو قصاص أو حد أو تعزير أو ما جرى هذا المجرى، ولا احتياج ها هنا إلى إقامة برهان على ذلك إذ التجربة الجارية في الخلق قد أعطت هذه المرتبة برهانًا لا يحتمل النقيض بوجه.

والمرتبة الثانية: الواقفون منه على براهينه ارتفاعًا عن حضيض التقليد المجرد، واستبصارًا فيه، حسبما أعطاه شاهد النقل الذي يصدقه العقل تصديقا يطمئن إليه ويعتمد عليه إلا أنه بعد منسوب إلى العقل لا إلى النفس بمعنى أنه لم يصر كالوصف الثابت للإنسان

ص: 393

وإنما هو كالأشياء المكتسبة، والعلوم المحفوظة التي يتحكم عليها العقل ويعتمد في استجلابها حتى تصير من جملة مودعاته. فهؤلاء إذا دخلوا في العمل خف عليهم خفة أخرى زائدة على مجرد التصديق في المرتبة الأولى، بل لا نسبة بينهما؛ إذ هؤلاء يأبى لهم البرهان المصدق أن يكذبوا، ومن جملة التكذيب الخفي العمل على مخالفة العلم الحاصل لهم، ولكنهم حين لم يصر لهم كالوصف ربما كانت أوصافهم الثابته من الهوى والشهوة الباعثة الغالبة أقوى الباعثين، فلا بد من الافتقار إلى أمر زائد من خارج غير أنه يتسع في حقهم فلا يقتصر فيه على مجرد الحدود والتعزيرات، بل ثم أمور أخرى كمحاسن العادات، ومطالبة المراتب التي بلغوها بما يليق بها، وأشباه ذلك، وهذه المرتبة أيضًا يقوم البرهان عليها من التجربة إلا أنها أخفى مما قبلها فيحتاج إلى فضل نظر موكول إلى ذوي النباهة في العلوم الشرعية، والأخذ في الإنصافات السلوكية.

والمرتبة الثالثة: الذين صار لهم العلم وصفًا من الأوصاف الثابتة، بمثابة الأمور البديهية في المعقولات الأولى أو تقاربها، ولا ينظر إلى طريق حصولها، فإن ذلك لا يحتاج إليه، فهؤلاء لا يخليهم العلم وأهواءهم إذا تبين لهم الحق، بل يرجعون إليه رجوعهم إلى دواعيهم البشرية وأوصافهم الخلقية، وهذه المرتبة هي المترجم لها، والدليل على صحتها من الشريعة كثير كقوله تعالى1:{أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} ثم قال1: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُون} الآية. فنسب هذه المحاسن إلى أولي العلم من أجل العلم لا من أجل غيره. وقال تعالى2: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم} والذين يخشون ربهم هم العلماء لقوله3: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} وقال تعالى4: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} الآية. ولما كان السحرة قد بلغوا في علم السحر مبلغ

1 الزمر: 9.

2 الزمر: 23.

3 فاطر: 28.

4 المائدة: 86.

ص: 394

الرسوخ فيه، وهو معنى هذه المرتبة بادروا إلى الانقياد والإيمان حين عرفوا من علمهم أن ما جاء به موسى عليه السلام حق ليس بالسحر ولا الشعوذة، ولم يمنعهم من ذلك التخويف ولا التعذيب الذي توعدهم به فرعون وقال تعالى1:{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} فحصر تعقلها في العالمين. وهو قصد الشارع من ضرب الأمثال، وقال2:{أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} ثم وصف أهل العلم بقوله3: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّه} إلى آخر الأوصاف وحاصلها يرجع إلى أن العلماء هم العاملون وقال في أهل الإيمان -والإيمان من فوائد العلم- {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم} 4 إلى أن قال5: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} . ومن هذا قرن العلماء في العمل بمقتضى العلم بالملائكة الذين {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} 6 فقال تعالى7: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} فشهادة الله تعالى وفق علمه ظاهرة التوافق إذ التخالف محال وشهادة الملائكة على وفق ما علموا صحيحة لأنهم محفوظون من المعاصي وأولو العلم أيضًا كذلك من حيث حفظوا بالعلم، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم إذا نزلت عليهم آية فيها تخويف أحزنهم ذلك وأقلقهم حتى يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم كنزول آية البقرة8:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوه} الآية وقوله9: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم} الآية، وإنما القلق والخوف من آثار العلم بالمنزل والأدلة أكثر من إحصائها هنا وجميعها يدل على أن العلم المعتبر هو الملجئ إلى العمل به، فإن قيل هذا غير ظاهر من وجهين:

أحدهما: أن الرسوخ في العلم، إما أن يكون صاحبه محفوظا به من المخالفة أو لا؛ فإن لم يكن كذلك فقد استوى أهل هذه المرتبة مع من قبلهم ومعناه أن العلم بمجرده

1 الحشر: 21.

2 المائدة: 67.

3 الرعد: 22.

4 الأنفال: 2.

5 الأنفال: 4.

6 التحريم: 6.

7 آل عمران: 18.

8 البقرة: 284.

9 الأنعام: 82.

ص: 395

غير كاف في العمل به، ولا ملجئ إليه؛ وإن كان محفوظًا به من المخالفة لزم أن لا يعصي العالم إذا كان من الراسخين فيه، لكن العلماء تقع منهم المعاصي ما عدا الأنبياء عليهم السلام، ويشهد لهذا في أعلى الأمور قوله تعالى في الكفار1:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} . وقال2: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . وقال3: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} وقال4: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} ثم قال: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون} وسائر ما في هذا المعنى فأثبت لهم المعاصي والمخالفات مع العلم فلو كان العلم صادًّا عن ذلك لم يقع.

والثاني: ما جاء في ذم العلماء السوء وهو كثير، ومن أشد ما فيه قوله عليه السلام5:"إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه" وفي القرآن6: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب} وقال7: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} الآية. وقال8: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} الآية. وحديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة والأدلة فيه كثيرة، وهو ظاهر في أن أهل العلم غير معصومين بعلهم، ولا هو ما يمنعهم عن إتيان الذنوب فكيف يقال إن العلم مانع من العصيان فالجواب عن الأول أن الرسوخ في العلم يأبى للعالم أن يخالفه بالأدلة المتقدمة، وبدليل التجربة العادية لأن ما صار كالوصف الثابت لا يصرف صاحبه إلا على وفقه اعتيادًا فإن تخلف فعلى أحد ثلاثة أوجه

1 النمل: 14.

2 البقرة: 146.

3 المائدة: 46.

4 البقرة: 102.

5 رواه الطبراني في الأصغر، وابن عدي في الكامل، والبيهقي في شعب الإيمان، قال المناوي: ضعفه الترمذي وغيره.

6 البقرة: 4.

7 البقرة: 59.

8 البقرة: 174.

ص: 396

الأول: مجرد العناد، فقد يخالف فيه مقتضى الطبع الجبلي، فغيره أولى؛ وعلى ذلك دل قوله تعالى1:{وَجَحَدُوا بِهَا} الآية وقوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} وأشباه ذلك، والغالب على هذا الوجه أن لا يقع إلا لغلبة هوى من حب دنيا أوجاه أو غيره ذلك، بحيث يكون وصف الهوى قد غمر القلب حتى لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرا.

الثاني: الفلتات الناشئة عن الغفلات التي لا ينجو منها البشر، فقد يصير العالم بدخوله الغفلة غير عالم وعليه يدل عند جماعة قوله تعالى2:{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} الآية. وقال تعالى3: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} ومثل هذا الوجه لا يعترض على أصل المسألة كما لا يعترض نحوه على سائر الأوصاف الجبلية فقد لا تبصر العين ولا تسمع الأذن لغلبة فكر أو غفلة أو غيرهما فترتفع في الحال منفعة العين والأذن حتى يصلب، ومع ذلك لا يقال إنه غير مجبول على السمع والإبصار فما نحن فيه كذلك.

الثالث: كونه ليس من أهل هذه المرتبة، فلم يصر العلم له وصفًا أو كالوصف مع عده من أهلها وهذا يرجع إلى غلط في اعتقاد العالم في نفسه أو اعتقاد غيره فيه، ويدل عليه قوله تعالى4:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّه} . وفي الحديث5: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس" إلى أن قال: "اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" وقوله6: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرفة أشدها فتنة على أمتي الذين يقيسون الأمور بآرائهم" الحديث.

1 البقرة: 109.

2 النساء: 16.

3 الأعراف: 200.

4 القصص: 4، 5.

5 رواه الشيخان والترمذي.

6 رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة.

ص: 397

فهؤلاء وقعوا في المخالفة بسبب ظن الجهل علمًا، فليسوا من الراسخين في العلم ولا ممن صار لهم كالوصف، وعند ذلك لا حفظ لهم في العلم فلا اعتراض بهم فأما من خلا عن هذه الأوجه الثلاثة فهو الداخل تحت حفظ العلم حسبما نصته الأدلة، وفي هذا المعنى من كلام السلف كثير وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال1:"إن لكل شيء إقبالًا وإدبارًا وإن لهذا الدين إقبالًا وإدبارًا، وإن من إقبال هذا الدين ما بعثني الله به حتى إن القبيلة لتتفقه من عند أسرها، أو قال آخرها حتى لا يكون فيها إلا الفاسق أو الفاسقان فهما مقموعان ذليلان إن تكلما أو نطقا قمعا وقهرا واضطهدا" الحديث وفي الحديث2: "سيأتي على أمتي زمان يكثر القراء ويقل الفقهاء ويقبض العلم ويكثر الهرج" إلى أن قال: "ثم يأتي من بعد ذلك زمان يقرأ القرآن رجال من أمتي لا يجاوز تراقيهم ثم يأتي من بعد ذلك زمان يجادل المنافق المشرك يمثل ما يقوله" وعن علي: "يا حملة العلم اعملوا به فإن العالم من علم ثم عمل ووافق عليه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم تخالف سريرتهم علانيتهم ويخالف علمهم عملهم يقعدون حلقا يباهي بعضهم بعضًا حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم تلك إلى الله عز وجل" وعن ابن مسعود: "كونوا للعلم وعاة ولا تكونا له رواة فإنه قد يوعى، ولا يروى وقد يروى ولا يوعى" وعن أبي الدرداء: "لا تكون تقيًّا حتى تكون عالمًا، ولا تكون بالعلم جميلًا حتى تكون به عاملًا" وعن الحسن: "العالم الذي وافق علمه عمله ومن خالف علمه عمله فذلك راوية حديث سمع شيئًا فقاله". وقال الثوري: "العلماء إذا علموا عملوا فإذا عملوا شغلوا فإذا شغلوا فقدوا فإذا فقدوا طلبوا فإذا طلبوا هربوا" وعن الحسن قال: "الذي يفوق الناس في العلم جدير أن يفوقهم في العمل" وعنه في قول الله تعالى: {وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُم} قال: علمتم فعلتم ولم تعملوا فوالله ما ذلكم بعلم! وقال الثوري: "العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل" وهذا تفسير معنى كون العلم هو الذي يلجئ إلى العمل، وقال الشعبي:

1 رواه أبو السني وأبو نعيم عن أبي أمامة.

2 أخرجه الطبراني في الأوسط والحاكم عن أبي هريرة.

ص: 398

"كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به" ومثله عن وكيع بن الجراح، وعن ابن مسعود:"ليس العلم عن كثرة الحديث إنما العلم خشية الله" والآثار في هذا النحو كثيرة، وبما ذكر يتبين الجواب عن الإشكال الثاني فإن علماء السوء هم الذين لا يعملون بما يعلمون، وإذا لم يكونوا كذلك فليسوا في الحقيقة من الراسخين في العلم، وإنما هم رواة والفقه فيما رووا أمر آخر أو ممن غلب عليهم هوى غطى على القلوب، والعياذ بالله على أن المثابرة على طلب العلم والتفقه فيه وعدم اجتزاء باليسير منه يجر إلى العمل به ويلجئ إليه كما تقدم بيانه هو معنى قول الحسن:"كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخره"، وعن معمر أنه قال:"كان يقال من طلب العلم لغير الله يأبى عليه العلم حتى يصيره إلى الله"، وعن حبيب بن أبي ثابت:"طلبنا هذا الأمر، وليس لنا فيه نية ثم جاءت النية بعد" وعن الثوري قال: "كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخره" وهو معنى قوله في كلام آخر: "كنت أغبط الرجل يجتمع حوله، ويكتب عنه فلما ابتليت به وددت أني نجوت منه كفافا لا علي ولا لي" وعن أبي الوليد الطيالسي قال: "سمعت ابن عيننة منذ أكثر من ستين سنة يقول: طلبنا هذا الحديث لغير الله فأعقبنا الله ما ترون"، وقال الحسن:"لقد طلب أقوام العلم ما أرادوا به الله وما عنده فما زال بهم حتى أرادوا به الله وما عنده" فهذا أيضًا مما يدل على صحة ما تقدم.

ثم قال الشاطبي بعد ذلك: "ويتصدى النظر هنا في تحقيق هذه المرتبة وما هي، والقول في ذلك على الاختصار أنها أمر باطن، وهو الذي عبر عنه بالخشية في حديث ابن مسعود، وهو راجع إلى معنى الآية. وعنه عبر في الحديث في أول ما يرفع من العلم الخشوع1، وقال مالك: "ليس العلم بكثرة الرواية ولكنه نور يجعله الله في القلوب" وقال أيضًا: "الحكمة والعلم نور يهدي به الله من يشاء وليس بكثرة المسائل، ولكن عليه علامة ظاهرة وهو التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، وذلك عبارة عن العمل بالعلم من غير مخالفة وبالله التوفيق". ا. هـ.

1 روى في التيسير عن الترمذي حديثًا طويلًا جاء فيه: أول علم يرفع من الناس الخشوع.

ص: 399

وقال الحافظ السخاوي في فتح المغيث، تحت قول العرافي:"واعمل بما تسمع في الفضائل" ما صورته: "لحديث مرسل قال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينفي عني حجة العلم قال: "العمل"، ولقول مالك بن مغول في قوله تعالى: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِم} قال: تركوا العمل به ولقول إبراهيم الحربي إنه ينبغي للرجل إذا سمع شيئًا في آداب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتمسك به ولأن ذلك سبب ثبوته وحفظه ونموه والاحتياج فيه إليه، ويروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم" وعن أبي الدرداء قال: من عمل بعشر ما يعلم علمه الله ما يجهل، وعن ابن مسعود أنه قال: ما عمل أحد بما علمه الله إلا احتاج الناس إلى ما عنده.

وقال النووي في الأذكار: ينبغي لما بلغه شيء من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة ليكون من أهله ولا ينبغي أن يتركه مطلقا، بل يأتي بما تيسر منه لقوله -صلى الله عليه وسلم1:"إذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم".

قلت: ويروى في الترغيب في ذلك عن جابر مرفوع لفظه: "من بلغه عن الله عز وجل شيء فيه فضيلة فأخذ به إيمانا به ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك وإن لم يكن كذلك"، وله شاهد قال أبو عبد الله محمد بن خفيف ما سمعت شيئًا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا واستعملته حتى الصلاة على أطراف الأصابع، وهي صعبة. وقال الإمام أحمد:"ما كتبت حديثًا إلا وقد عملت به حتى مر بي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت ويقال: "اسم أبي طيبة دينار"، وحكاه ابن عبد البر ولا يصح وعن أبي عصمة عاصم بن عصام البيهقي قال: بت ليلة عند أحمد فجاء بالماء فوضعه فلما أصبح نظر إلى الماء فإذا هو كما كان فقال: سبحان الله رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل، وقال أحمد في قصة: صاحب الحديث عندنا من يستعمل الحديث، وعن الثوري قال: "إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل"

1 تقدم تخريجه.

ص: 400

وصلى رجل ممن يكتب الحديث بجنب ابن مهدي فلم يرفع يديه فلما سلم قال له: ألم تكتب عن ابن عيينة حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في كل تكبيرة؟ قال: نعم! قال: فماذا تقول لربك إذا لقيك في تركك لهذا وعدم استعماله، وعن أبي جعفر أحمد بن حمدان بن علي النيسابوري قال: كنت في مجلس أبي عبد الله المروزي فلما حضرت الظهر، وأذن أبو عبد الله خرجت من المسجد فقال: إلى أين يا أبا جعفر قلت: أتطهر للصلاة قال: كان ظبي بك غير هذا يدخل عليك وقت الصلاة، وأنت على غير طهارة، وعن أبي عمرو محمد بن حمدان قال: صلى بنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بمسجده وعليه إزار ورداء فقلت لأبي: يا أبتا هو محرم فقال: لا، ولكنه يسمع مني المستخرج الذي خرجته على مسلم فإذا مرت به سنة لم يكن استعملها فيما مضى أحب أن يستعملها في يومه وليلته، وأنه سمع من جملة ما قرئ عليَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في إزار ورداء فأحب أن يستعمل هذه السنة قبل أن يصبح، وعن بشر بن الحارث أنه قال: يا أصحاب الحديث أتؤدون زكاة الحديث فقيل له: يا أبا نصر، وللحديث زكاة قال: نعم إذا سمعتم الحديث فما كان فيه من عمل أو صلاة أو تسبيح استعملتموه، وفي لفظ عنه رويناه بعلو في جزء للحسن بن عبد الملك أنه لما قيل له: كيف تؤدى زكاته قال: اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث، وروينا عن أبي قلابة قال: إذا أحدث الله لك علما فأحدث له عبادة، ولكن إنما همك أن تحدث به الناس، وعن الحسن البصري قال: كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره ويده.

ص: 401

2-

المقصد الثاني:

فيما روي في مدح رواية الحديث ورواته من بدائع المنظومات:

قال الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي المؤرخ الشهير:

واظب على جمع الحديث وكتبه

واجهد على تصحيحه في كتبه

واسمعه من أربابه نقلًا كما

سمعوه من سمعوه من أشياخهم تسعد به

واعرف ثقات رواته من غيرهم

كيما تميز صدقه من كذبه

فهو المفسر لكتاب وإنما

نطق النبي لنا به عن ربه

وتفهم الأخبار تعرف حله

من حرمه مع فرضه من ندبه

وهو المبين للعباد بشرحه

سير النبي المصطفى مع صحبة

وتتبع العالي الصحيح فإنه

قرب إلى الرحمن تحظ بقربه

وتجنب التصحيف فيه فربما

أدى إلى تحريفه بل قلبه

واترك مقالة من لحاك بجهله

عن كتبه أو بدعة في قلبه

فكفى المحدث رفعة أن يرتضي

ويعد من أهل الحديث وحزبه

وقال رحمه الله تعالى:

لقول الشيخ: "أنبأني فلان،

وكان من الأئمة عن فلان"

إلى أن ينتهي الإسناد أحلي

لقلبي من محادثة الحسان

ومشتمل على صوت فصيح

ألذ إلي من صوت القيان

وتزييني الطروس بنقش نقس

أحب إلى من نقش الغوالي

وتخريج الفوائد والأمالي

وتسطير الغرائب والحسان

وتصحيح العوالي من العوالي

بنيسابور أو في أصفهان

أحب إليَّ من أخبار ليلي

وقيس بن الملوح والأغاني

فإن كتابة الأخبار ترقي

بصاحبها إلى غرف الجنان

ص: 402

وحفظ حديث خير الخلق مما

ينال به الرضا بعد الأمان

فأجر العلم ينمو كل حين

وذكر المرء يبقي وهو فاني

وقال الحافظ البرقاني رحمه الله تعالى:

أعلل نفسي بكتب الحديـ

ـث وأجمل فيه لها موعدا

وأشغل نفسي بتصنيفه

وتخريجه أبدًا سرمدا

فطورًا أصنفة في الشيو

خ وطورًا أصنفه مسندا

وأقفو البخاري فيما نحا

وصنفه جاهدًا مجهدا

ومسلمًا إذ كان زين الأنا

م بتصنيفه مسلمًا مرشدًا

وما لي فيه سوى أنني

أراه هوى وافق المقصدا

وأرجو الثواب بكتب الصلا

ة على السيد المصطفي أحمدا

وأسأل ربي إله العبا

د جربًا على ماله عودا

وقال الحميدي صاحب: "الجمع بين الصحيحين" من قصيدة وافرة:

ولو رواه الدين ضاعت وأصبحت

معالمه في الآخرين تبيد

همو حفظو الآثار من كل شبهة

وغيرهمو عما افتنوه رقود

وهم هاجروا في جمعها وتبادروا

إلى كل أفق والمرام كؤود"

وقاموا بتعديل الرواة وجرحهم

قيام صحيح النقل وهو حديد

بتبليغهم صحت شرائع ديننا

حدود تحروا حفظها وعهود

وصح لأهل النقل منها احتجاحهم

فلم يبق إلا عاند وحقود

ومما ينسب للإمام الشافعي رضي الله عنه:

كل العلوم سوى القرآن مشغلة

إلا الحديث وإلا الفقه في الدين

العلم ما كان فيه: "قال حدثنا"

وما سواه فوسواس الشياطين

ص: 403

وأنشد أبو الظهير رحمه الله تعالى:

إذا رمت أن تتوخى الهدى

وأن تأتي الحق من بابه

فدع كل قول ومن قاله

لقول النبي وأصحابه

فلم تتج من محدثات الأمور

بغير الحديث وأربابه

وقال الإمام شمس الدين ابن القيم الدمشقي في الكافية الشافية:

يا من يريد نجاته يوم الحسا

ب من الجحيم وموقد النيران

ابتع رسول الله في الأقوال والـ

أعمال لا تخرج عن القرآن

وخذ الصحيحين اللذين هما لعقـ

ـد الدين والإيمان واسطتان

واقرأهما بعد التجرد من هوى

وتعصب وحمية الشيطان

واجعلهما حكمًا ولا تحكم على

ما فيهما أصلا بقول فلان

واجعل مقالته كبعض مقالة الـ

أشباح تنصرها بكل أوان

وانصر مقالته كنصرك للذي

قلدته من غير ما برهان

قد رسول الله عندك وحده

والقول منه إليك ذو تبيان

ماذا ترى فرضًا عليك معينًا

إن كنت ذا عق ذو إيمان

عرض الذي قالوا على أقواله

أو عكس ذاك فذانك الأمران

هي مفرق الطرقات بين طريقنا

وطريق أهل الزيغ والعدوان

قدر مقالات العباد جميعهم

عدمًا وراجع مطلع الإيمان

واجعل جلوسك بين صحب محمد

وتلق معهم عنه بالإحسان

وتلق عنهم ما تلقوه همو

عنه من الإيمان والعرفان

أفليس في هذا بلاغ مسافر

يبغي الإله وجنة الحيوان

لولا التنافس بين هذا الخلق ما

كان التفرق قط في الحسبان

فالرب رب واحد وكتابه

حق وفهم الحق منه دان

ص: 404

ورسوله قد أوضح الحق المبيـ

ـن بغاية الإيضاح والتبيان

ما ثم أوضح من عبارته فلا

يحتاج سامعها إلى تبيان

والنصح منه فوق كل نصيحة

والعلم مأخوذ عن الرحمن

فلأي شي يعدل الباغي الهدى

عن قوله لولا عمي الخذلان

فالنقل عنه مصدق والقول من

ذي عصمة ما عندنا قولان

والعكس عند سواه في الأمرين يا

من يهتدي هل يستوى النقلان

تالله قد رح الصياح لمن له

عينان نحو الفجر ناظرتان

وأخو العماية في عمايته يقو

ل: الليل بعد أيستوى الرجلان

تالله قد رفعت له الأعلام إن

كنت المشمر نلت دار أمان

وقال الحافظ ابن عبد البر.

مقالة ذي نصح وذات فوائد

إذا من ذوي الألباب كان استماعها

عليكم بآثار النبي فإنها

من أفضل أعمال الرجال اتباعها

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

هينئًا لأصحاب خير الورى

وطوبى لأصحاب أخباره

أولئك فازوا بتذكيره

ونحن سعدنا بتذكاره

وهم سبقونا إلى نصره

وها نحن أتباع أنصاره

ولما حرمنا لقا عينه

عكفنا على حفظ آثاره

عسى الله يجمعنا كلنا

برحمة معه في داره

وقوله: "ولما حرمنا

إلخ" أخذه من قول ابن خطيب داريا:

لم أسع في طلب الحديث لسمعة

أو لاجتماع قديمه وحديثه

لكن إذا فات المحب لقاء من

يهوى تعلل باستماع حديثه

ص: 405

وقال العلامة السيد محمد بن إسماعيل الأمير اليماني قدس الله سره:

سلام على أهل الحديث فإنني

نشأت على حب الأحاديث من مهدي

همو بذلوا في حفظ سنة أحمد

وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد

وأعني بهم أسلاف سنة أحمد

أولئك في بيت القصيد همو قصدي

أولئك أمثال البخاري ومسلم

وأحمد أهل الجد في العلم والجد

رووا وارتووا من بحر علم محمد

وليس لهم تلك المذاهب من ورد

كفاهم كتاب الله والسنة التي

كفت قبلهم صحب الرسول ذوي المجد

ولها تتمة سابغة الذيل صاح فيها على المتعصب بالويل!

وقال بعض الفضلاء وأجاد:

علم الحديث أجل السؤل والوطر

فاقطع به العيش تعرف لذة العمر

وانقل رحالك عن مغناك مرتحلًا

لكي تفوز بنقل العلم والأثر

ولا تقل عاقني شغل فليس يري

في الترك للعلم عن عذر لمعتذر

وأي شغل كمثل العلم تطلبه

ونقل ما قد رووا عن سيد البشر

ألهى عن العلم أقوامًا تطلبهم

لذات دنيا غدوا منها على غرر

وخلفوا ما له حظ ومكرمة

إلى التي هي دأب الهون والخطر

وأي فخر بدنياه لمن هدمت

معايب الجهل منه كل مفتخر

لا تفخرن بدنيا لا بقاء لها!

وبالعفاف وكسب العلم فافتخر

يفنى الرجال ويبقى علمهم لهم

ذكرًا يجدد في الآصال والبكر

ويذهب الموت بالدنيا وصاحبها

وليس يبقى له في الناس من أثر

تظن أنك بالدنيا أخو كبر

وأنت بالجهل قد أصبحت ذا صغر

ليس الكبير عظيم القدر غير فتي ما

زال بالعلم مشغولا مدى العمر

قد زاحمت ركبتاه كل ذي شرف

في العلم والحلم لا في الفخر والبطر

ص: 406

فجالس العلماء المقتدى بهم

تستجلب النفع أو تأمن من الضرر

هم سادة الناس حقًّا والجلوس لهم

زيادة هكذا قد جاء في الخبر

والمرء يحسب من قوم يصاحبهم

فاركن إلى كل صافي العرض عن كدر

فمن يجالس كريما نال مكرمة

ولم يشن عرضه شيء من الغير

كصاحب العطر إن لم تستفد هبة

من عطره لم تخب من ريحه العطر

ومن يجالس رديء الطبع يرد به

وناله دنس من عرضه الكدر

كصاحب الكير إن يسلم مجالسه

من نتنه لم يوق الحرق بالشرر

وكل من ليس ينهاه الحياء ولا

تقوى فخف كل قبح منه وانتظر

والناس أخلاقهم شتى وأنفسهم

منهم بصير ومنهم مخطئ النظر

وأصوب الناس رأيًا من تصرفه

فيما به شرف الألباب والفكر

واركن إلى كل من في وده شرف

من نابه القدر بين الناس مشتهر

فالمرء يشرف بالأخبار يصحبهم

وإن يكن قبل شيئًا غير معتبر

إن العقيق ليسمو عند ناظره

إذا بدا وهو منظوم مع الدرر

والمرء يخبث بالأشرار يألفهم

ولو غدا حسن الأخلاق والسير

فالماء صفو طهور في أصالته

حتى يجاوره شيء من الكدر

فكن بصحب رسول الله مقتديًا

فإنهم للهدى كالأنجم الزهر

وإن عجزت عن الحد الذي سلكوا

فكن عن الحب فيهم غير مقتصر

والحق بقوم إذا لاحت وجوهم

رأيتها من سنا التوفيق كالقمر

أضحوا من السنة العليا في سنن

سهل وقاموا بحفظ الدين والأثر

أجل شيء لديهم: "قال أخبرنا

عن الرسول" بما قدر صح من خبر

هذي المكارم لا قعبان من لبن

ولا التمتع باللذات والأشر

لا شيء أحسن من: "قال الرسول" وما

أجل من سند عن كل مشهر

ص: 407

ومجلس بين أهل العلم جادبما

حلا من الدر أو حلي من الدرر

يوم يمر ولم أرو الحديث به

فلست أحسب ذاك اليوم من عمر

فإن في درس أخبار الرسول لنا

تمتعًا في رياض الجنة الخضر

تعللًا إذا عدمنا طيب رؤيته

من فاته العين هد الشوق بالأثر

كأنه بين ظهرينا نشاهده

في مجلس الدرس بالآصال والبكر

زين النبوة عين الرسل خاتمهم

بعثًا وأولهم في سابق القدر

صلى عليه إله العرش ثم على

أشباعه ما جرى طل على زهر

مع السلام دوامًا والرضا أبدًا

عن صحبه الأكرمين الأنجم الزهر

وعن عبيدك نحن المذنبين فجد

بالأمن من كل ما نخساه من ضرر

وتب على الكل منا واعطنا كرمًا

دنيا وأخرى جميع السؤل والوطر

سبحانه ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

جاء في آخر نسخة المؤلف قدس سره:

يقول جامعه:

كانت البداءة في تصنيفه في إحدى الجماديين عام "1320" ولما تم ترتيبه شرعت في تبييضه ليلة العشر الأخير من رمضان من العام المذكور في السدة اليمنى العلياء من حرم جامع السنانية في دمشق الفيحاء، ثم صحبته في رحلتي القدسية في أواخر المحرم، وبيضت جانبًا كبيرًا من آخره في عمان البلقاء أيام مسيري إلى القدس منها، وإقامتي بها عشرة أيام من أوائل صفر إلى أن كملت نسخًا وتبييضًا بعونه تعالى صباح الخميس لخمس بقين من صفر المذكور عام "1321" في المسجد الأقصى داخل حرمه الشريف أيام إقامتي في حجرته

ص: 408

القبلية. والحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا. قاله بفمه ورقمه بقلمه، العبد الذليل الضعيف، أفقر الورى لرحمه مولاه، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل بن بكر القاسمي الدمشقي غفر الله له. ولوالديه ولأسلافه وأشياخه وأولاده ومحبيه، ولجميع المؤمنين والحمد لله رب العالمين.

ثم جاء تحت هذه العبارة بالحبر الأحمر

بحمد تعالى تم مقابلة على أصلي، وكتبه مؤلفه جمال الدين في 19 ذي الحجة 1324.

ص: 409