الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بل ومن اشتمل عليه باقي القرون الثلاثة الحديث بالجزم من غير وثوق بمن قاله، مناف لها؛ هذا مع كون المرسل عنه ممن اشترك معهم في هذا الفضل. وأوسع من هذا قول عمر رضي الله عنه:"المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حد. أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينًا في ولاء أو قرابة" قالوا فاكتفى رضي الله عنه بظاهر الإسلام في القبول إلا أن يعلم منه خلاف العدالة، ولو لم يكن الواسطة من هذا القبيل لما أرسل عنه التابعين، والأصل قبول خبره حتى يثبت عنه ما يقتضي الرد وكذا ألزم بعضهم المانعين بأن مقتضى الحكم لتعاليق البخاري المجزومة بالصحة إلى من علق عنه أن من يجزم من أئمة التابعين عن النبي بحديث يستلزم صحته من باب أولى لا سيما وقد قيل إن المرسل لو لم يحتج بالمحذوف لما حذفه فكأنه عدله. ويمكن إلزامهم لهم أيضًا بأن مقتضى تصحيحهم في قول التابعي، من السنة وقفه على الصحابي حمل قول التابعي:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" على أن المحدث له بذلك صحابي، تحسينا للظن به في حجج يطول إيرادها لاستلزامه التعرض للرد مع كون جامع التحصيل في هذه المسألة للعلائي متكفلًا بذلك كله وكذا صنف فيها ابن عبد الهادي جزءًا.
39-
ذكر مناقشة الفريق الأول لما ذكره أهل المذهب الثاني:
قال السخاوي في فتح المغيث بعد حكايته عن الحاكم أنه روى عن سعيد بن المسيب عدم قبول المرسل ما نصه: "وبسعيد يرد على ابن جرير الطبري من المتقدمين، وابن الحاجب من المتأخرين، ادعاؤهما إجماع التابعين على قبوله؛ إذ هو من كبارهم، مع أنه لم يتفرد من بينهم بذلك بل قال به منهم ابن سيرين والزهري، وغايته أنهم غير متفقين على مذهب واحد، كاختلاف من بعدهم ثم إن ما أشعر به كلام أبي داود في كون الشافعي أول من ترك الاحتجاج به ليس على ظاهره، بل هو قول ابن مهدين ويحيى القطان وغير واحد ممن قبل الشافعي، ويمكن أن يكون اختصاص الشافعي لمزيد التحقيق فيه" ثم قال السخاوي: "وما أوردته من حجج الأولين مردود أما الحديث فمحمول على الغالب
والأكثرية، وإلا فقد وجد فيمن بعد الصحابة من القرنين، من وجدت فيه الصفات المذمومة، لكن بقلة، بخلاف من بعد القرون الثلاثة فإن ذلك كثر فيهم واشتهر.
وقد روى الشافعي عن عمه، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، قال: إني لأسمع الحديث استحسنه، فما يمنعنى من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به. وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدث به عمن أثق به، أو اسمعه من الرجل أثق به، قد حدث عمن لا أثق به. وهذا كما قال ابن عبد البر، يدل على أن ذلك الزمان، أي زمان الصحابة والتابعين كان يحدث فيه الثقة وغيره ونحوه ما أخرجه العقيلي من حديث ابن عون قال ذكر أيوب السختياني لمحمد بن سيرين حديثا عن أبي قلابة فقال أبو قلابة رجل صالح، ولكن عمن ذكره أبو قلابة، ومن حديث عمران بن حدير أن رجلا حدثه عن سليمان التيمي عن محمد بن سيرين أن من زار قبرًا أو صلى إليه فقد برئ الله منه قال عمران:"فقلت لمحمد عن أبي مجلز إن رجلا ذكر عنك كذا فقال أبو مجلز كنت أحسبك يا أبا بكر أشد اتقاء فإذا لقيت صاحبك. فأقرئه السلام وأخبره أنه كذب، قال ثم رأيت سليمان عند أبي مجلز فذكرت ذلك له فقال سبحان الله إنما حدثنيه مؤذن لنا، ولم أظنه يكذب فإن هذا والذي قبله فيهما رد أيضًا على من يزعم أن المراسيل لم تزل مقبولة معمولا بها، ومثل هذه حديث عاصم عن ابن سيرين قال: كانوا لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة بعد وأعلى من ذلك ما رويناه في الحلية من طريق ابن مهدي عن ابن لهيعة أنه سمع شيخًا من الخوارج، يقول: بعد ما تاب: "إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم إنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثا". ا. هـ. ولذا قال شيخنا إن هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل إذ بدعة الخوارج كانت في صدر الإسلام والصحابة متوافرون ثم في عصر التابعين، فمن بعدهم وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمرًا جعلوه حديثًا، وأشاعوه فربما سمع الرجل الشيء فحدث به، ولم يذكر من حدثه به تحسينًا للظن فيحمله عنه غيره ويجيء الذي يحتج بالمقاطيع فيحتج به مع كون أصله
ما ذكرت، فلا حول ولا قوة إلا بالله1. وأما الإلزام بتعاليق البخاري، فهو قد علم شرطه في الرجال وتقيده بالصحة بخلاف التابعين. وأما ما بعده فالتعديل المحقق في المبهم لا يكفي على المعتمد فكيف بالاسترسال إلى هذا الحد نعم قد قال ابن كثير: المبهم الذي لم يسم أو سُمي ولم تعرف عينه لا يقبل روايته أحد علمناه، ولكن إذا كان في عصر التابعين، والقرون المشهود لها بالخير فإنه يستأنس بروايته ويستضاء بها في مواطن وقد وقع في مسند أحمد وغيره من هذا القبيل كثير، وكذا يمكن الانفصال عن الأخير بأن الموقوف لا انحصار له فيما اتصل بخلاف المحتج به وبهذا وغيره مما لا نطيل بإيراده قويت الحجة في المرسل، وإدراجه في جملة الضعيف.
1 الخوارج فرق متعددة، لا فرقة واحدة. فأما الذين كانوا منهم أعرابًا. وقد قرءوا القرآن، ولكنهم لم يتفقهوا في السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يبعد أن يقع منهم مثل ذلك؛ وأما الذين تفقهوا في الدين، وكانوا من أئمة الرواية، وخرج لهم مثل الإمام البخاري في صحيحه -على سعة معرفته في الرجال: وانفراده بأدق الشروط، واشتراط العدالة والضبط في كل من يروي عنهم- فلا يعقل أن يكون في مثلهم هوى يجعلون ما يستحسنونه حديثًا. وكيف يعقل ذلك منهم، وقد عرف من مذهبهم أنهم يرون الكذب كفرًا؟ ولقد حبر شيخنا المصنف، رحمه الله ورضي عنه، المقالات الضافية، وحرر الرسائل المنوعة، وفي تعديل رواة السنة والسنن والمسانيد، الذين خرجوا لهم في كتبهم، أتقى لله منا، وأعرف بحال الرواة والمحدثين، ونعى على الخلف هجرهم لمذهب السلف، ونبزهم لمخالفيهم بالألقاب. {بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ} ومن أراد الوقوف على كلامه فيهم، فلينظر في كتبه نقد النصائح الكافية وميزان الجرح والتعديل وتاريخ الجهمية والمعتزلة ليتحقق ذلك وقد عقدت فصلا في كتابي "نقد عين الميزان" جعلته معيارًا على الجرح والتعديل. وذكرت فيه ما للخوارج وما عليهم.