الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول: معالم التصوير القرآني
القرآن: المعجزة الخالدة
فضل الله عز وجل أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم بمعجزة خالدة، تؤيّد رسالته إلى يوم القيامة، وهي القرآن الكريم، بينما غيرها من المعجزات له وللأنبياء السابقين عليهم السلام أيدت نبوتهم ورسالتهم إلى أقوامهم ساعة حدوثها، لكي يؤمنوا، دون استمرار ودوام، فلا يبقى لها أثر بعد نبيهم لقومه أو لأقوام غيرهم، مثل معجزات نجاة إبراهيم من النار، وقلب عصا موسى حية، وإحياء الموتى لعيسى عليهم السلام، وانشقاق القمر وتسبيح الحصى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، قد أدت دورها تأييدًا للرسالة ساعة حدوثها، ثم انتهى دورها إلى الأبد من غير أثر خالد لا كمعجزة القرآن الكريم الخالدة.
أما مظاهر الاختلاف بين معجزة القرآن الكريم وغيرها فهي كثيرة، فالقرآن الكريم لم يكن لقوم معينين دون غيرهم، بل كان تشريعًا للعالمين كافة، وللناس جميعًا، فلا زال عطاؤه كاملًا ومتجددًا، وسيظل إلى الأبد يعطي لكل جيل، وزمان عطاء يختلف باختلاف الأجيال والأزمان، قال تعالى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] ، تكفَّل الله تعالى بحفظه وتقديره حتى من العاصي والكافر، كما تكفل باستمرار العمل به حفظًا ومنهجًا وتشريعًا وسلوكًا إلى قيام الساعة:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
والقرآن الكريم كلام الله المقدس، وكتاب الحق الخالد، شرح الله تعالى به الصدور، وأحيا به القلوب، وأيقظ العقول، وأرشد عباده من الضلال إلى الهدى، وأخرجهم من الظلمات إلى النور:
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16]، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا إنها ستكون فتنة، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ عنه الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرَّدّ، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} ، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم".
وسيظل الكتاب الخالد الذي لا تنفد كلماته إلى الأبد: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109] ؛ فكتاب الله المقدس هو القيم على الخلق بشيرًا ونذيرًا، متمسكون به، ماكثين عليه في استقامته بلا عوج إلى الأبد، قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا
وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [الكهف: 1-3] .
وهذه المعجزة الكبرى الأبدية، تحدَّى بها الرسول صلى الله عليه وسلم المعاندين من الإنس والجن، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة، بعد أن انتهت إليهم صولتها، وجولتها، فبلغوا فيها القمة حتى تميَّزوا بها بين الشعوب والأجناس، لكنهم عجزوا عن التحدِّي والمجاراة مبهورين ببلاغته وسحره، وظلوا كفارًا معاندين مكابرين، يهذون في لجاجة وعناد، كما صورهم القرآن الكريم:{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5]، بل بلغوا في الخصومة والجدل أنهم ادعوا افتراء أن يأتوا بمثله:{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 31]، وقالوا أيضًا:{بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5]، وتحدَّى الإنس والجن على أن يأتوا بمثله فعجزوا:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]، ولما عجزوا تحدَّاهم على أن يأتوا بعشر سور مفتريات:{قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود: 13]، بل ترخص لهم في أن ياتوا بسورة واحدة:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23] ، بل أقر أبلغ بلغائهم بالتسليم والاعتراف بأنه ليس من كلامهم ولا من شعرهم ولا من خطبهم، ولا من كلام الإنس ولا الجن، لأنه هزَّ أعماق نفوسهم
وغيَّر حياتهم وعقيدتهم، فقد أسلم عمر بن الخطاب وهو من أشدهم عنادًا وحربًا على الإسلام، كما في قصته المعروفة مع أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد، بعد أن سمع خبابًا رضي الله عنه يتلو عليهما القرآن من سورة طه؛ فاقشعرَّ جسده، واطمأن قلبه بذكر الله، فأعلن إسلامه بعد أن قال:"ما أحسن هذا الكلام وأكرمه"، وهذا أبلغ الكفار المعاندين الوليد ابن المغيرة، أرسله قومه ليتحدَّى الرسول صلى الله عليه وسلم في بلاغة أقواله؛ فيعود إليهم مدحورًا بعد أن سمع القرآن الكريم يقول لهم:"فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي نقول شيئًا من هذا"، وفي رواية:"والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه يعلو ولا يعلى...... ما يقول هذا بشر"1.
ومثل هذا قول عتبة بن ربيعة حين سمع القرآن الكريم: يا قوم لقد علمتم أني لم أترك شيئًا إلا وقد علمته وقرأته وقلته، والله لقد سمعت قولًا، والله ما سمعت مثله قط، ما هو بالشعر ولا بالسحر ولابالكهانة"2.
وبعد عنادهم وإخراجهم المسلمين من مكة وعدوانهم عليهم، ندموا على ذلك، وآمنوا به وصدقوه، وأصبحوا جند الله تعالى في الأرض شرقًا وغربًا، يدافعون عنه ويقاتلون في سبيله؛ لأنه كتاب الله المقدس، ومعجزته الخالدة.
1 سيرة ابن هشام: والشفاء للقاضي عياض، والإتقان للسيوطي.
2 الشفاء للقاضي عياض 1/ 232.