الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكذلك لا بدَّ من التقارب النفسي والفكري بين الزوجين، مما يعين على المشاركة والتجاوب فيما تقضيه الأسرة والحياة الزوجية، ليستقبل النشء حياة سعيدة مملوءة بالأمن والرخاء والسكن والمودة، والرحمة والحب والتعاون، كما قال الله عز وجل:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21] .
بعد الزواج مباشرة:
الإسلام في هذه المرحلة يسلك منهج الإعداد والتهيئة الصالحة للزوجين، وترويضها على التوافق والانسجام، ليصيرا معًا قدوة حسنة، ينجذب إليها النشء في مجال التأثر والتأثير، وهذا المنهج يقوم على دعائم من أهمها:
"السكن في قوله تعالى: {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} ، ويشمل السكن الحسي والمعنوي من إباحة الخلوة في سكن يضم الزوجين في تحفظ وحياء ومودة، قال تعالى:{هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187] ، ويشمل دوام الاستقرار والأمن والرعاية والسعادة والرضا والقبول، ومعرفة الحقوق والواجبات.
المودة والرحمة في قوله تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَة} التي ينميها الزواج، ويرعاها الزوجان بعد استقرارهما في سكن الحياة الزوجية، ويرفض كل الرفض ما عليه أصحاب العشق والغرام والتجارب والخيلات والخدان قبل الزواج، وغير ذلك مما انحرف إليه بعض شباب العرب في سقوط وانحلال تابعين للمدينة الغربية الفاسدة.
أن تظهر الزوجة دائمًا لزوجها في أكمل صورة تحفظ استمرار الحياة الزوجية {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34]، قيل: يا رسول الله: أي النساء خير، قال:"التي تسرُّه إذا نظر، وتطيعه فيما أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره".
"حسن المعاشرة: حتى لا تنفصم عُرى الحياة الزوجية، قال تعالى:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]، {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 228] ، ويتخذ كل وسائل الإصلاح حتى لا تتصدَّع الحياة الزوجية حرصًا على تربية الأبناء، قال تعالى:{وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا، وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 34-35]، {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128] .
مواصلة العمل الصالح ليبني الزوجان أفراد الأسرة بناء صالحًا، قال تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]، وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} [التوبة: 71] .
لهذه الهيئة الصالحة الطاهرة يسير في إطارها الأولاد على نفس المنهج والقدوة، تابعين لهم، قال تعالى:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21] ، وهذه الآيات وغيرها تهدف إلى توفير الاستقرار النفسي والعصبي، والأمن الاجتماعي والاقتصادي للرجل والمرأة، ثم تهيئة الجو الصالح لتنشئة الأجيال على أحسن حال، والجو الهادئ الآمن المستقر هو الذي يعطي الثمرة المرجوة، والحياة السعيدة المجردة من التيه والاضطراب والقلق النفسي والروحي والعصبي والفكري، وتقضي على الكراهية والشحناء والعداوة والبغضاء، وقد جاءت المعاني كلها وأكثر منها مما يعلمه الله ولا نعلمه، في إيجاز معجز لقوله تعالى:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُم} [البقرة: 223] ، فالحرث يقتضي أن تكون الأرض خصبة معطاءة، وأن يتجاوب معها الفلاح باختيار البذرة الصالحة، وأن يصلح الأرض ويحرثها، وينقيها ويرويها ويرعاها، ويقيها ويسمدها، ويحافظ عليها وعلى ما فيها وهكذا، حتى تزهو وتثمر وتنضج، وتحصد لذة للآكلين، كذلك الشأن في الحياة الزوجية تمامًا، إنه القرآن الكريم؟!!
وبعد هذه المدرسة العملية والسلوك الإسلامي ينشأ الطفل في هذا المحيط الصالح، يتغذَّى فيه بروح الإسلام وشفافيته وصفائه، ويعيش في واقعه عمليًّا، ويتلقى تعاليمه ويمارسها بنفسه سلوكًا قويمًا مقتادًا بأبويه، لأن الإسلام ليس أمنية تتردَّد في الرأس، ولا ميراثًا يلقى بلا عمل ولا مجهود، قال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ
سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 123-124] ، وقال تعالى:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأعراف: 169] ، ويتقلب الطفل في هذا المحيط الإسلامي بمنهجه العملي بين مراحل العطف والضبط، والقدوة والتلقين ربانيًّا وبوسائل تروبية أخرى، ولم يأتِ دور هذه المراحل بعد.
وحثَّ الإسلام أيضًا على مداعبة الزوجة وملاعبتها، وتهيئتها نفسيًّا وفكريًّا وروحيًّا، ليتم التجاوب النفسي والفكري بينهما، والتفاعل العاطفي، والصفاء الروحي في علاقتهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم عن جابر رضي الله عنه:"هلَّا بكرًا تلاعبها وتلاعبك"، ولذلك يولد الطفل قويًّا في جسده وعقله وتكوينه وخلقه ودينه، وهذه الصفات الكاملة والأخلاق الفاضلة يؤكدها ويوضحها هذا الحديث الشريف الذي رواه ابن عباس رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أن أحدهم أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله اللهم جنّبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقت، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك، لم يضره شيطان أبدًا" أخرجه البخاري 11/ 191، وفي رواية أخرى لابن عباس أيضًا:"أما لو أن أحدهم يقول حين يأتي أهله: بسم الله اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم قدر بينهما في ذلك وقضي ولد، لم يضره شيطان أبدًا" أخرجه البخاري 9/ 228،
وحرصًا على سلامة النشء وبراءته من المرض والضعف، فقد حث الإسلام الرجل على ألا يباشر زوجته أثناء الحيض أو النفاس، لأن ذلك يعود بالضرر الصحي على الزوج وعلى الزوجة صحيًّا ونفسيًّا في هذه الليلة.
وجاء علم التشريح والطب ليقرِّر هذا في المجال العلمي والعملي، وما خفي عليهم من علَّة تحريمهم المباشرة أثناء ذلك أعظم وأكبر مما يتعلَّلون به الآن وفي المستقبل، قال تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 222- 223] ، فالآية تحثُّ على الوقاية من المرض، والحفاظ على الأسرة آباء وأولادًا في صحتهم وأبدانهم، والحرص على الملاطفة والمداعبة في التقديم للإتيان، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وتحثّ أيضًا على أن تبقى المرأة دائمًا في صورة جميلة غير منفِّرة حينما تكون طاهرة من هذا الدم ورائحته وطبيعته، فلا تهتزّ صورتها هذه في أي وقت من الأوقات التي يجب أن يراها فيها زوجها على أحسن حال، لتدوم العشرة، وتتواصل المحبَّة والمودة.