الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مرحلة الشباب والمراهقة والرجولة
مدخل
…
مرحلة الشباب والمراهقة والرجولة 1:
منهج التربية الإسلامية في بناء الشباب وتكوينه قائم على الشمول والكمال، والتقصِّي لكل ما لا يخطر على بال الإنسان، فهو غير قاصر على الشباب في فترة معينة ولجنس خاصّ، بل يمتدّ مع الأزمان والأجيال إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، قال تعالى:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، قال الطبري في تفسيره:"يقول نزل عليك يا محمد القرآن بيانًا لكل ما بالناس إليه الحاجة من معرفة الحلال والحرام والثواب والعقاب"2.
وفي حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قيل له: "لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل، لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أبو بول، وألا يستنجي باليمين، وألا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، وألا نستنجي برجيع أو عظم""رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي وأبو داود".
ضوابط السلوك الإسلامي:
ويتولَّى الإسلام تربية الولد والبنت منذ الصغر حتى سن الرشد والبلوغ، الذي يختلف عندهما من حيث الكم وتحديد السنوات، فالذكر يبلغ في سن الخامسة عشرة غالبًا، والأنثى تبلغ بالحيض ما بين التاسعة والثانية عشر غالبًا، لكنهما متفقان من حيث النضج والكمال في الجسم والتمييز، مهما كان الفرق في عدد السنوات متباينًا.
1 مجلة الفيصل: ص72-75، العدد 66 السنة السادسة، ذو الحجة 1402هـ -اكتوبر 1982م، بمناسبة العام الدولي للكبار.
2 ج14، ص108، طبعة بولاق عام 1328هـ.
ويتولى الإسلام تربية الشباب في مرحلة المراهقة والانطلاق والأنانية من الخامسة عشرة إلى العشرين على أساس من الخلق القويم، ويقيم بناءه لبنة لبنة في تجربته العملية بضوابط كثيرة في ممارسة السلوك وأهمها:
1-
المسئولية والحساب:
فيستيقظ حينئذٍ على الحدِّ الفاصل بين الإعفاء وبين الإحصاء، ألا وهو حدُّ البلوغ، إذ لا حساب ولا مساءلة قبل ذلك، وإن لزم التوجيه والرعاية له من الوالدين، لأنهما يتحملان عنه الوزر، كما أنهما لا يحرمان من حسناته وحسن أخلاقه، فهما معًا السبب في الأوزار والحسنات:"كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته""متفق عليه".
لكن البلوغ يحمل الشباب على أن يبدأ مرحلة جديدة في حياته، وهو أن يتحمل كل التبعات، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشرّ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق""متفق عليه"، قال تعالى:{وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 12-13] وقال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7-8]، وقال تعالى:{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] .
ولم يكن حد البلوغ مجازفة واعتباطًا، وإنما كان نتيجة طبيعية للبناء الجسدي والعقلي والوجداني والعاطفي، فالشجرة لا تثمر إلا إذا
اكتملت جذورها وساقها وفروعها وأوراقها وأزهارها، كذلك الصبي حين يبلغ الحلم، يجري في صلبه ما يحفظ به نوعه، ولو كان دون الخمسة عشر عامًا، التي تكون نهاية الحدّ في تفجير الطاقة الجنسية، وفورة العاطفة الشهوانية في الولد.
أما البنت تبلغ عندما يظهر عليها إمارات الأنوثة الناضجة التي تجعل الرحم على استعداد تام لحفظ نوعها، وذلك عن طريق المبيض الذي ينفجر حيضًا في العادة الشهرية، وعلى ذلك فمعنى البلوغ هو أن تأخذ الغريزة الجنسية في الإنسان مجراها الطبيعي في الحياة.
وينظر الإسلام إلى الدافع الجنسي كسائر الدوافع الفطرية الأخرى، فيقدرهاغ ويحترمها ويحميها وينظمها، بما يتلاءم مع كرامة الإنسان وشرفه على سائر المخلوقات، فيجعل تلبية الرغبة الجنسية في دائرة واحدة فقط، وهي الزواج، وأغلق أمامه كل الدوائر الأخرى، التي تهبط بشرف الإنسانية إلى الحيوانية، قال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، وقال تعالى:{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [النحل: 72] .
أحاط الإسلام الشباب بدائرة الزواج في مشقاته، وتكاليفه وكفاءته وقدراته، حتى ينصرف منذ البداية إلى الاستعداد له، واتخاذ الوسائل والأسباب كالعمل والتعليم، أو غير ذلك من وسائل المعيشة، لتضبط الشهوة وتبتلعها، حتى يقدر على الزواج، ليكون له ضابطًا آخر
يقيِّد الشهوة في شكل جديد، فإن طغت الشهوة ولم يقدر على الزواج حثه الإسلام على الصوم، يضبطها ويحصنها، فهو خير وجاء وقاطع لطغيانها، يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنه:"كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم شبابًا لا نجد شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" 1، والباءة هي القدرة على الزواج بمعناها الواسع، والكفاءة بمعناها الدقيق، لذلك قال ابن عمر: كنا شبابًا لا نجد شيئًا، فكانت النتيجة أن الصوم يقتل الشهوة ويقضي على طغيانها، فينصرف الشباب بضابط الصوم إلى استغلال مواهبه العقلية وقدراته البدنية لتحقيق هذه الباءة، وغالبًا ما تتكامل له هذه الوسائل عندما ينضج في سن العشرين أو أكثر قليلًا، فتبرز طاقته المتعددة الجوانب في التعليم والتعلم، ويحضه الإسلام على ذلك: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، "طلب العلم فريضة على كل مسلم" 2، قال تعالى:{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]، وقال تعالى:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، وقال ابن رجب الحنبلي: يعني على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم، كذا قال ابن مسعود وغيره من السلف3، وغير ذلك من الآيات والأحاديث الكثيرة التي تحث على العلم والاهتمام به، أو يبرز طاقاته في العمل والتحصيل، ويحثه الإسلام، ليربي في الشباب الطاقة
1 فتح الباري في شرح البخاري 6/ 122، المطبعة السلفية -القاهرة "وجاء بمعنى قاطع للشهوة".
2 رواه ابن ماجه برقم 224.
3 رسالته في "شرح حديث أبي الدرداء فيمن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا"، ص37.
والجهد والحمية، قال تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]، وقال تعالى:{فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [الملك: 15]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه""رواه البيهقي".
2-
الإطار الأخلاقي المثالي:
وهو ضبط سلوك الشباب: فيقتاد في خلقه بمن هم أكبر سنًّا، وأعمق تجربة في الحياة، فأغراه الإسلام بأن يكون من السبعة، الذين ميزهم الله عن سائر الناس في يوم القيامة بظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله: "إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة، ورجلان تحابا في الله
…
اجتمعا عليه وافترقا عليه...." إلى آخر الحديث الشريف.
3-
العبادات:
فالعبادات تربي في النفس مراقبة دائمة لله عز وجل، بحيث يظل الفرد مشغول القلب بذكر الله كل يوم، بل في اليوم على الأقل خمس مرات، ينصرف فيها عن كل ما يشغله من مغريات الدنيا وشهواتها، ليجدد في كل صلاة نشاطه الروحي مع ربه:{وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 54]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وقال أيضًا:"أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء"، قالوا: لا يا رسول الله: قال: "كذلك مثل الصلوات الخمس يمحو بهن الخطايا".
وكذلك الصوم يربي في النفس غريزة الإخلاص، فهذه العبادة اختص الإخلاص فيها بعلم الله عز وجل، لأن الصوم سر بين العبد وربه، وكذلك يربي أيضًا أسمى أنواع الأمانات، لأن الصائم يرعى الله بأمانة؛ فيراقبه في السر والعلن مخلصًا لوجه الله تعالى، على العكس من الأمانة بصفة عامة، فقد يشتهر فيها شخص من بين الناس، وهو يقصد كسب ثقتهم، فيزداد حفاظًا على الأمانة كلما زادوه ثقة وهكذا، فإن مراعاة الناس واعتبارهم يهزُّ كيان الإخلاص في الأمانة العامة، فتصير مزيجًا من الإخلاص والتظاهر نوعًا ما، بينما الصائم لا يداخله هذا الخيط من التظاهر في الصوم وإلا لفسد كله، ولم يقبل في جانب الله عز وجل:"كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".
4-
تربية أخلاق العقيدة:
وهي أن يحيي القلب بنور الإيمان، ويوقظ الضمير بمعرفة الله، قال تعالى:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122] .
وتربية أخلاق العقيدة تتمُّ أيضًا بأن يتزي الشبان بزي الإيمان، وهو السكينة والوقار، والطمأنينة والاتزان، فيشعر دائمًا ببرد الراحة وحلاوة الأمن {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] ، فلا يحزن على ما فات، ولا يفرح بما هو آتٍ، قال تعالى:{لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: 23] .
وكذلك غرس الإسلام قوة العزيمة في شبابه، ليقيم بناءه على أساس قوي ثابت، فيتحرَّر من سيطرة الغير، ما دام يعلم أن الله معه، وهذا واضح في وصية الرسول الكريم لخيرة الشباب في عصره عبد الله
ابن العباس رضي الله عنه، قال:"يا غلام: إني أعلمك كلمات: أحفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا شيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفَّت الصحف".
وكذلك تنمية الشجاعة والإقدام في روح الشباب، ولقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي الشباب في الخروج إلى "أحد"، مع أن الشيوخ وهم أقل كانوا على صواب في عدم الخروج من المدينة لمواجهة المشركين في جبل أحد، ليربي شباب الإسلام على الشجاعة والإقدام، ويهذب الله تعالى النفس بهذا الخلق فيقول:{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78] .
ويربي الإسلام في النفوس التواضع مع الشجاعة، جنبًا إلى جنب، قال تعالى:{وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37]، وقال تعالى:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] .
ويربي في الشباب صون اللسان وحفظه من كثرة الكلام فيما لا يفيد، فيكون جادًّا في حياته، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه:"أمسك عليك هذا"، وأشار إلى لسانه، فيقول معاذ: وهل نحن مؤاخذون بما نتكلم، قال النبي:"وهل يكبُّ الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم"، قال تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 1-3] .