الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، وقال صلى الله عليه وسلم:"من ولي شيئًا فلم تكن له امرأة فليتزوج امرأة، ومن لم يكن له سكن فليتخذ مسكنًا، ومن لم يكن له مركب فليتخذ مركبًا، ومن لم يكن له خادم فليتخذ خادمًا، فمن اتخذ سوى ذلك كنزًا، أو إبلًا جاء يوم القيامة غالًا أو سارقًا""البخاري: الأموال"، وهذا ما دعا أبو ذرا لغفاري رضي الله عنه أن يلبس غلامه مثل ما يلبس ويؤاكله مثل ما يأكل، ونترك له حكاية السبب في ذلك، يقول المعرور بن سويد:"رأيت أبا ذر الغفاري رضي الله عنه وعليه حُلَّة وعلى غلامه حُلَّة، فسألناه عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلًا، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: أعيَّرته بأمه؟ ثم قال: إن إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه ما يأكل، وليُلبسه مما يلبس، ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم""فتح الباري 5/ 173".
منهج الشريعة الإسلامية في محرمات العقود والمعاملات:
وهذا المنهج الإسلامي في بناء الأخلاق يقتضي أيضًا في العقود والمعاملات الإحسان فيها، والصدق القائم على الوضوح والبيان، لا على الغشِّ، وكتمان العيب، والتدليس، والخيانة، وأكل المال بالباطل، والربا، والغرر، وبخس الكيل، وتطفيف الميزان، قال ابن تيمية:"فمن العدل ما هو ظاهر يعرفه كل أحد بعقله، كوجوب تسليم الثمن على المشتري، وتسليم المبيع على البائع للمشتري، وتحريم تطفيف المكيال والميزان، ووجوب الصدق والبيان، وتحريم الكذب والخيانة، وأن جزاء القرض الوفاء والحمد""فتاوى ابن تيمية 28/ 284"، وتحريم بعض
العقود والمعاملات في الإسلام يرجع إلى عدم انسجامه مع الفطرة المستقيمة، فيسلك طريقًا تأباه النفس، ولا تقبله، ولذلك فإن الله أحل البيع وحرم الربا، قال تعالى:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275]، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 278-279]، وعن جابر رضي الله عنه قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومُؤكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء""رواه مسلم".
وعلى هذا فالربا بشتَّى صوره وأشكاله حرام، سواء أكان ربا "النسيئة"، وهو أن يقترض إنسان من آخر مالًا أو عينًا لأجل معين، فإذا حلَّ الأجل قال الدائن: إما أن تدفع الآن وإما تزيد عليه نظير التأجيل عن الموعد، وهذه الزيادة هي الربا، وقد نزل القرآن بتحريمه، حيث قال عز وجل:{وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39]، وجاء في السنة الشريفة:"كل قرض جرَّ نفعًا فهو ربا"، أو كان ربا "الفضل"، ويكون في الزيادة الخالية من العوض في مبادلة مال بمال من نفس جنسه، كمبادلة ذهب بذهب وفضة بفضة، فالزيادة في أحد العوضين تسمى بـ"ربا الفضل"، وقد جاءت السنة الشريفة بتحريمه
أيضًا، قال صلى الله عليه وسلم:"الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم" 1، ويقاس على النقدين الأموال، وعلى البر والشعير البقول والحبوب، وهكذا.
والخلق الإسلامي الرفيع يرجع إلى الحكمة البالغة من تحريم الربا في الشريعة الإسلامية، وهي: أن تحريم الإسلام للربا يقضي على حفنة قليلة من المرابين لا خلاق لهم، ولا يرعون البشرية إلًّا ولا ذمَّة، ويتركز النشاط الاقتصادي في أيديهم فيتحكمون في تصرفات الغير بالاحتكار والاستغلال والظلم والإجحاف، وهذا ما عليه النظام الرأسمالي في الغرب، إذ يؤثر الرأسماليون تأثيرًا خطيرًا في شتَّى الاتجاهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والحضارية.
وتحريم الإسلام للربا يقضي على تضخم الثروات عند طبقة قليلة في المجتمع، وهذا يؤدي إلى الصراع الدائب في المجتمع بين هذه الطبقة وبين الطبقات الفقيرة، مما يؤدي إلى الحقد والحسد والبغضاء والكراهية والقلق والاضطراب، وعدم استتباب الأمن الداخلي في البلاد، والنزوع إلى التشاجر والتخاصم والعراك، وتحريم الربا أيضًا يقضي على تلك الطبقة الباغية المترفة التي آثرت الكسل والبطالة والخمول والسمنة والتبلد في العمل والكفاح، ليظل المسلم قويًّا عاملًا نشيطًا، حتى إذا ما دقَّت ساعة الجهاد في سبيل الله لا يتوانى واحد منهم عن المشاركة في رفع كلمة الله، أما طبقة أهل الربا فإنهم لا يحركون ساكنًا، ويولون الأدبار
1 صحيح مسلم: شرح النووي 11/ 14.
خوفًا ورعبًا وضعفًا وجبنًا وكسلًا وخمولًا، وتحريم الربا يقضي على أنانية المرابين وعدم إسهامهم في بناء الثروة العامة للأمة، بينما الربح الذي يحصل عليه المقترض، يسهم به في اقتصاد الأمة، لأنه ربح حلال، فيبارك الله فيه، ولأن المقترض يستثمره لنفسه، فتزداد به الثروة العامة، وتحريم الربا يقضي على العداوة والبغضاء والأحقاد، التي تنشأ من استغلال المراببين للمدينين، وبذلك تسود المودة والمحبة والتآخي، والتعاون والتكافل بين الناس.
ومن أخلاق الإسلام أنه حرم بخس الكيل وتطفيف الميزان في العقود والمعاملات، لتستقيم الحياة وبتعاون الناس فيما بينهم على بناء اقتصادهم وتقدم مجتمعهم، قال تعالى:{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [الإسراء: 35]، وقال تعالى:{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} [المطففين: 1-5]، وقال تعالى:{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأنعام: 153] ، وقد أرسل شعيبًا عليه السلام إلى قومه ليردّهم إلى العدل والحق، حتى لا يتعرضوا لنقمة الله عز وجل، فقال منذرًا قومه يحذرهم من عذابه وغضبه:{أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ، وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الشعراء: 181-183] .
ومن أخلاق الإسلام أنه حرم الغش في العقود والمعاملات، حتى
يرفع الضرر عن الآخرين، ويحقق التعاون بين الناس وينمِّي الثقة في نفوسهم، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يكسب عبد مالًا حرامًا، فيتصدق به فيقبل، ولا ينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيّئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث" 1، وقال أيضًا:"من غشَّ فليس مني" 2، وقال:"إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به""أخرجه الترمذي والنسائي"، وإن عدم الغش يسمو بصاحبه إلى درجات الصالحين، الذي رضي الله عنهم في الدنيا والآخرة، وقصة زوج عاصم بن عمر رضي الله عنهم في الدنيا والاخرة، وقصة زوج عاصم بن عمر رضي الله عنه معروفة، التي أنكرت على أمها غش اللبن في الحوار الذي دار بينها وبين أمها، وعمر رضي الله عنه يسمع، حتى انتهى الأمر بتزويجها لعاصم، لتكون جدة للخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
ومن أخلاق الإسلام أنه حرَّم بيع الغرر في العقود والمعاملات، ليسدَّ باب الخلافات التي تحدث بين المتعاقدين بسبب العقود، التي تقوم على المقامرة والغرر، وغالبًا ما تنتهي بالتنازع بينهما، لأنه بيع لا يتحقق من نتائجه، فهي مجهول أمرها في المستقبل، فقد تقع وقد لا تقع، ويعتمد الغرر على الجهل بالثمين والمثمن، والجهل بالأجل والتسليم، وذلك مثل اللبن في الضرع وجنين الحيوان في بطن أمه، والسمك في الماء، والطير في الهواء، والفاكهة قبل الاستواء، والبلح قبل النضج، والغنائم قبل التسليم والتعيين، والصدقات قبل القبض والتحديد، عن سعيد الخدري رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنهيكم عن شراء ما في
1 مصابيح السنة.
2 أصحاب السنن.
بطون الأنعام، حتى تضع وما في ضلوعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض" "أخرجه ابن ماجه"، وعن علي رضي الله عنه قال: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر وبيع الغرر وبيع الثمر حتى تدرك" "رواه أبو داود"، وعن أنس رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تزهى، قبل: وما تزهى، قال: حتى تحمر أو تصفر، قال:"إذا منع الله الثمرة بم يستحلّ أحدكم مال أخيه"1.
ومن أخلاق الإسلام تحريم الاحتكار في المعاملات، لأنه يهدر حرية التجارة والصناعة ويتحكم في حركتها، ويجمد الأسواق، ويفرض على الناس عنتًا في الأسعار، ويحمِّلهم ما لا يطيقون في شراء ضروريات الحياة، قال الرسول الكريم:"من احتكر فهو خاطئ""رواه مسلم وأبو داود والترمذي"، وقال:"من احتكر طعامًا أربعين يومًا فقد برئ من الله وبرئ الله منه""رواه أحمد بن حنبل في مسنده"، ومن أخلاق الإسلام تحريم استغلال النفوذ والنصب للحصول على المال بلا وجه حق، وهو ما يُسمى في هذه الأيام بالكسب غير المشروع، وبقانون من أين لك هذا، وقد طبقه النبي صلى الله عليه وسلم عمليًّا حين أرسل ابن اللتبية ليجمع صدقات بني سليم، فقسم ما معه نصفين، وقال النبي هذا لكم وهذا لي أهدي إليّ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام وخطب الناس فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: "أما بعد فإني استعمل رجالًا منكم في أمور المسلمين في الله، فيأتي أحدكم فيقول هذا لكم وهذه هدايا أهديت إليّ، فهلَّا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى إليه أم
1 مصابيح السنة: 2/ 2.
لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأخذ أحد منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته" ثم صادر النبي صلى الله عليه وسلم جميع الهدايا التي أهديت لابن اللتبية وضمها إلى بيت المال، وكذلك طبق هذا المبدأ الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عماله وولاته في الأمصار.
ومن أخلاق الإسلام أيضًا غرس التعاون والإخاء، والمحبة، والتكافل، والرحمة والعدل، وغير ذلك مما يؤدي إلى إزالة الفوارق الشاسعة بين الطبقات، فلا يبلغ الغني حد الإسرار والترف والنعيم والرخاوة، ولا ينزل بالفقير إلى الجوع والمسغبة والعدم، بل يقرب الإسلام بينهما، ليقضي الفقير حاجاته وضرورياته، وتستقيم حياته بما يمتنع به الغني عن الإسراف والترف، فقد أعطي للفقير حقه من الغني، وأمره باستثمار ماله، حتى لا يكنزه ولا يسرف فيه بما لا يرضي الله عز وجل، ليدفع ضررين خطيرين، فيدفع عن الغني خطر النعومة والليونة والرخاوة والعجز نتيجة للترف والإسراف، فيصير الغني قويًّا عزيز الجانب دائمًا، ويدفع غائلة الجوع والموت عن الفقير، حيث يأخذ حقَّه من الغني ويعمل في أمواله المستثمرة، فيزداد الإنتاج، وتتقدم الأمة الإسلامية في اقتصادها وحضارتها، قال تعالى يحرم الإسراف والترف والتبذير والتقتير:{وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]، وقال تعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]، وقال تعالى:{إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 27]، وقال تعالى:{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16] .