الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقول صلى الله عليه وسلم: «إن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ شذ في النار (1)» .
- أما من ارتد عن دينه، فإنه مجرم يجب محاربته، بعد إتاحة الفرصة له بالاستتابة، فإن تاب وإلا نفذ فيه حكم المرتد بالقتل لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من بدل دينه فاقتلوه (2)» . وقوله صلى الله عليه وسلم «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق لجماعة المسلمين (3)» . متفق عليه.
(1) سنن الترمذي الفتن (2167).
(2)
رواه النسائي عن ابن عباس.
(3)
صحيح البخاري الديات (6878)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1676)، سنن الترمذي الديات (1402)، سنن النسائي تحريم الدم (4016)، سنن أبو داود الحدود (4352)، سنن ابن ماجه الحدود (2534)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 465)، سنن الدارمي الحدود (2298).
الحكمة:
- ويبرز من
حكمة العقوبات المفروضة في الإسلام
قوة هذا الدين في إسناد السلطة؛ لإيقاع الجزاء الوفاق على كل عمل ينافي سلامة وحوزة الإسلام، مهما كان نوع هذا التعدي؛ إذ لكل ما يسيء للمجتمع أو يضر بالفرد ما يلائمه من الزواجر؛ لكي يشعر المجتمع الإسلامي بقوة السلطة التي جعلها الله لولي الأمر، في ملاحقة المجرمين، واستئصال شأفة المفسدين، بما يشفي الصدور، ويؤمن الخائف، ويردع من لا وازع له، وبهذا يسعد المجتمع بالأمن، ويحيا الأفراد بالقصاص، وبدون ذلك يتحول المجتمع إلى الفوضى، ثم يلي ذلك طغيان القوي على الضعيف، وانتهاك الأعراض، وتنظيم عصابات البغي والعدوان. ومن أصدق من الله حكما، فالله الرءوف الرحيم بعباده، هو جل وعلا أعلم بما يصلح أحوالهم، وأدرى بما تستقيم به حياتهم، وبما ترتدع به نفوسهم.
وإذا كانت أكثر العقوبات جاءت من تجاوز الناس بعضهم على بعض، أو من ظلم الإنسان لنفسه، بالاستهانة بالحرمات، فإن في الكفارات عن كثير من الذنوب والمعاصي كالظهار، ومواقعة الزوجة في نهار رمضان، والنذر والقتل الخطأ، وغير ذلك مما أبانه كتاب الله جل وعلا، أو شرحته سنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم دليلا آخر على صيانة حرمات التشريع، وإذاقة النفس ألم التراخي، وتسليم القيادة للشهوات والرغبات.
وما حرص المسلم على السؤال عن هذه الكفارات، إلا رغبة في إبراء الذمة، والحرص على التوبة مما اقترفت النفس، وتنمية القوة الإيمانية بالامتثال، وتوعية الآخرين بحسن الاستجابة والقناعة.
والبشر طباعهم تختلف، وشعورهم يتباين، ونظرتهم للحدود والزواجر تختلف أيضا بحسن فهمهم ووقوفهم عند النص الشرعي بحسب قوة الإيمان، وسلامة النية.
فقد تقام الزواجر والحدود، ولا يرعى القلب، ولا يرتدع الفاعل عن تكرار أعماله؛ ولذا جاء الحكم بتشديد العقوبة، أو استئصال الشأفة؛ لأن حماية المجتمعات أمكن من وقاية الأفراد.
ولن تبقى للإسلام مهابة، ولمجتمعه أمن، إلا بالصدور عن حكم الله في ملاحقة المجرمين، وردعهم بسلطة التشريع، وقوة حكم الله، حيث يتميز المجتمع الإسلامي في كل عصر مصر بالمكانة الأمنية المرموقة، كلما حرص ولاة الأمر على الاهتمام بشرع الله، وتطبيق حدوده.
أما عندما يأتي التراخي في ذلك، ووصف أحكام الله بالشدة والقوة، فإن المجتمع سيجني ثمار ذلك قلقا اجتماعيا، وجريمة منظمة، وخوفا مستمرا على النفس والمال والولد، كما يلمس هذا في المجتمعات التي لم ترض بحكم الله، ولم تحرص على حدوده.
إن المجرم مع جرأته جبان إذا أدرك ما ينتظره من جزاء عادل، ولكنه شرير مخيف إذا عرف أنه لن يمس بأذى، أو أنه سيمكث في السجن أو الإصلاحية فترة وجيزة، يثبت فيها حسن سيرته، وتأدبه مع نظرائه في السجن، ليخرج بعد ذلك بأسلوب جديد، وعمل منظم، مما يجعل رواد السجون في نظر رجال البوليس في بعض الجهات أناسا ثابتين، وإذا
كان الإمام مالك بن أنس رحمه الله قد قال: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها. فأولها صلح بالإسلام، وآخرها لا يصلحه إلا الإسلام؛ ولذا فإن أهل الحل والعقد من المسلمين عليهم دور مهم في المحافظة على شرائع الله، وبالذات في الجنايات والحدود، وترسيخ العقيدة في القلوب، حيث يضمن للمجتمع الاطمئنان، ورخاء العيش، وإلا حل بالمسلمين ما وقع بغيرهم من الخوف والقلق، والفزع والتعدي، وتفشي أمراض لم تعرف فيمن قبلهم، وذلك بما كسبت أيدي الناس، مع أن ما يعفو الله عنه كثير، وكثير جدا.
والله الموفق.
صفحة فارغة
حتمية تطبيق شرع الله
في الأرض
إعداد الدكتور صالح بن غانم السدلان (1)
عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالرياض
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الحمد لله الذي اختار لنا الإسلام شرعة ومنهاجا، وأنزل الفرقان هدى ورحمة وتفصيلا؛ فأمر سبحانه فيه ونهى، ودعا فيه إلى الحق واجتناب الهوى، فقال جل وعلا:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} (2).
وأشهد أن لا إله إلا الله واحد في ربوبيته، وألوهيته وأسمائه وصفاته وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه، وأمينه على وحيه القائل:«لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به (3)» .
(1) انظر التعريف بالكاتب في آخر البحث
(2)
سورة المائدة الآية 49
(3)
أخرجه الخطيب في تاريخه (4/ 491)، والبغوي في شرح السنة (ح/104)، والحسن بن سفيان كما في فتح الباري، وقال ابن حجر: رجاله ثقات، وقد صححه النووي في آخر الأربعين. انظر: فتح الباري (13/ 289).