الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولأن التوراة قد بشرت بمجيئه ولا سبيل أيضا إلى القول بعموم رسالته؛ لأن ذلك يؤدي إلى انتساخ شريعة إسرائيل بشريعته. وشريعة إسرائيل مؤبدة بدليل ما جاء في التوراة من مثل. " هذه شريعة مؤبدة عليكم ما دامت السماوات والأرض " وإنما هو رسول إلى العرب خاصة. وعلى هذا فالخلاف بينهم وبين من سبقهم أن دعواهم مقصورة على منع انتساخ شريعة موسى بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وشبهتهم التي ساقوها متكافئة مع دعواهم هذه، ويفهم من اقتصارهم على هذا أنهم يجوزون تناسخ الشرائع سمعا فيما عدا هذه الصورة. وندفع شبهتهم هذه بأمرين:
أولهما: إن دليلهم الذي زعموه هو دليل العنانية والشمعونية من قبلهم وقد أشبعناه تزييفا وتوهينا بالوجوه التي أسلفناها آنفا فالدفع هنا هو عين الدفع هناك فيما عدا الوجه الأول.
ثانيهما: إن اعترافهم بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول أيده الله بالمعجزات وجاءت البشارة به في التوراة يقضي عليهم لا محالة أن يصدقوه في كل ما جاء به، ومن ذلك أن رسالته عامة وأنها ناسخة للشرائع قبله حتى شريعة موسى نفسه الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم «لو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي (1)» أما أن يؤمنوا برسالته ثم لا يصدقوه في عموم دعوته، فذلك تناقض منهم لأنفسهم ومكابرة للحجة الظاهرة لهم.
(1) مسند أحمد بن حنبل (3/ 387)، سنن الدارمي المقدمة (435).
4 -
شبهة أبي مسلم:
النقل عن أبي مسلم مضطرب: فمن قائل: إنه يمنع وقوع النسخ سمعا على الإطلاق، ومن قائل: إنه ينكر وقوعه في شريعة واحدة، ومن قائل: إنه ينكر وقوعه في القرآن خاصة، ورجحت هذه الرواية الأخيرة بأنها أصح الروايات، وبأن التأويلات المنقولة عنه لم تخرج عن حدود ما نسخ من القرآن، وأبعد الروايات عن الرجل هي الرواية الأولى؛ لأنه لا يعقل أن مسلما فضلا عن عالم كأبي مسلم ينكر وقوع النسخ جملة، إلا إذا كانت المسألة ترجع إلى التسمية فقط، فإنها تهون حينئذ على معنى أن ما نسميه نحن نسخا يسميه
هو تخصيصا بالزمان مثلا، وإلى ذلك ذهب بعض المحققين. قال التاج السبكي:(إن أبا مسلم لا ينكر وقوع المعنى الذي نسميه نحن نسخا، ولكنه يتحاشى أن يسميه باسمه، ويسميه تخصيصا) اهـ.
وقد احتج أبو مسلم بقوله سبحانه: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (1) وشبهته في الاستدلال أن هذه الآية تفيد أن أحكام القرآن لا تبطل أبدا، والنسخ فيه إبطال لحكم سابق. وندفع مذهب أبي مسلم وشبهته بأمور أربعة. . .
أولها: أنه لو كان معنى الباطل في الآية هو متروك العمل به مع بقاء قرآنيته، لكان دليله قاصرا عن مدعاه؛ لأن الآية لا تفيد حينئذ إلا امتناع نوع خاص من النسخ، وهو نسخ الحكم دون التلاوة، فإنه وحده هو الذي يترتب عليه وجود متروك العمل في القرآن، أما نسخ التلاوة مع الحكم، أو مع بقائه، فلا تدل الآية على امتناعه بهذا التأويل.
ثانيها: إن معنى الباطل في الآية ما خالف الحق، والنسخ حق، ومعنى الآية أن عقائد القرآن موافقة للعقل، وأحكامه مسايرة للحكمة، وأخباره مطابقة للواقع، وألفاظه محفوظة من التغيير والتبديل، ولا يمكن أن يتطرق إلى ساحته الخطأ بأي حال:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (2){وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} (3) وتفسير الآية بهذا المعنى يجعلها أقرب إلى إثبات النسخ ووقوعه منها إلى نفيه وامتناعه؛ لأن النسخ كما تقرر تصرف إلهي حكيم تقتضيه الحكمة وترتبط به المصلحة.
(1) سورة فصلت الآية 42
(2)
سورة الحجر الآية 9
(3)
سورة الإسراء الآية 105