الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اللهم صل وسلم على من بعثته رحمة للعالمين ورسولا إلى الناس أجمعين وحجة على المخالفين والمعاندين وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين: أما بعد.
فيسعدني جدا أن ألتقي بك أيها القارئ الكريم في هذه الأسطر وذلك لنبحث معا أمرا يهم الجميع، وخاصة من ولاهم الله أمر المسلمين وهو " حتمية تطبيق شرع الله في الأرض " في كل أمور الحياة صغيرها وكبيرها، ما يتعلق منها بالأفراد وما يتعلق بالجماعات وكذلك علاقة الفرد بالحاكم، وعلاقة الحاكم بالمحكومين وعلاقة المحكومين بعضهم ببعض، فما دمنا قد آمنا بالإسلام دينا وعقيدة، فلا بد أن نرضى به حكما وتشريعا ومنهجا في كل جوانب الحياة، ولا نرضى به بديلا أو عنه تحويلا، وإلا كان هذا تناقضا منا وتجاهلا لما هو واجب علينا، وانحرافا عن جادة الحق والصواب؛ لأن أوامر الله ونواهيه تنتظم حياة الفرد في جانبها الخاص، وأسرته ومجتمعه وأمته ودولته، فاقتضى التوحيد الكامل احترام هذه الأوامر وإقامتها في ظل هذه الجوانب جميعا أي في نفس الإنسان وأسرته ومجتمعه وأمته ودولته، وفي كل الأصعدة وعلى جميع المستويات، الصعيد السياسي والثقافي والاجتماعي والدولي والاقتصادي وفي كل شأن من شئون المسلمين، ولا يمكن الاستجابة لذلك إلا بأمور أهمها:
أولا: الإيمان بالله تعالى:
إن الإيمان بالله هو المحرك الأساسي والعنصر الفعال في امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، ومن ثم الاستجابة لتحكيم شرعه. ويعني الإيمان به الإيمان بأنه الرب الخالق الحكيم المدبر لهذا الكون كله. قال تعالى:{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (1)
(1) سورة الأعراف الآية 54
فلزام على البشر- كل البشر- أن يعلموا أن الله عز وجل خالق الخلق ومدبر شئونهم، وهو وحده أعلم بما يصلحهم وما يصلح لهم؛ فتجب طاعته ويتحتم التزام أمره والوقوف عند حدوده، ويجب التحرر المطلق من كل عبودية للأوهام والأشخاص والنظم والأساطير والبدع والخرافات، والخروج عن دواعي النفس والهوى، والدخول بالكلية تحت سلطان الله رب العالمين.
والإيمان بالله تعالى لا يتم إلا باستلام الكيان الإنساني كله قلبا وعقلا وسلوكا لحكم الله وهيمنته على خلقه. قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (1){لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (2).
إن الإيمان بالله عقيدة يختزنها الجنان وكلمة يرددها اللسان وعمل يصطبغ به السلوك الإنساني كله باتباع مرضاة الله عز وجل والامتثال لأوامره واجتناب نواهيه.
إن الإيمان بالله قوة عاصمة من الدنايا دافعة إلى المكرمات، ومن ثم فإن الله تعالى عندما يدعو عباده إلى خير أو ينفرهم من شر، يجعل ذلك مقتضى الإيمان المستقر في قلوبهم، وما أكثر ما ينادي الله عباده بوصف الإيمان {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} (3) ثم يذكر بعد ما يكلفهم به:{اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (4) الآية (5) إن لكل شيء علامة تدل عليه ويعرف بها، ومن علامات الإيمان الصادق: أن يكون الله ورسوله أحب إلى الإنسان من كل شيء، وأن يظهر ذلك في جميع تصرفاته فيصاحبه طاعة الله وطاعة رسوله وعمل بشرع الله الذي يحمله الرسول والاستجابة التامة لأوامره ونواهيه قال تعالى:
(1) سورة الأنعام الآية 162
(2)
سورة الأنعام الآية 163
(3)
سورة الأنفال الآية 24
(4)
سورة الأنفال الآية 24
(5)
انظر: خلق المسلم للغزالي- ص 9 - ط التاسعة 1394هـ الدوحة - قطر.
{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (1){وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} (2).
إذن فليس الإيمان مجرد المعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفة والإقرار والانقياد، والتزام طاعة الله، ودينه ظاهرا وباطنا.
وليس حب الله دعوى باللسان ولا هياما بالوجدان إلا أن يصاحبه الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم والسير على طريقته والعمل بسننه. قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (3){قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (4).
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: (هذه الآية الكريمة حاكمة على من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (5)».
قال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (6) ثم قال تعالى آمرا لكل أحد من خاص وعام {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا} (7) الآية، أي تخالفوا عن أمره فإن الله لا يحب الكافرين فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر والله لا يحب من اتصف
(1) سورة النور الآية 51
(2)
سورة النور الآية 52
(3)
سورة آل عمران الآية 31
(4)
سورة آل عمران الآية 32
(5)
صحيح مسلم ج3/ 1344 حديث رقم 1718 - كتاب 30 باب 8.
(6)
سورة آل عمران الآية 31
(7)
سورة آل عمران الآية 32
بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويقترب إليه حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه.
ويقول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان (1).
نعم إن الإيمان الحق عقيدة ثابتة تنسب الخلق والأمر جميعا إلى الله وحده، وعلم موحد يتسع لأبعاد الوجود غيبه ومشهوده، ولأوامر الله في الطبيعة والشريعة ولمراحب الحياة أولاها وأخراها، وموقف في الحياة لا يختلف يتخذ لقاءه تعالى غاية مجردة، وعبادته وسيلة مخلصة ويجعل هديه المنزل صراطا إليه مستقيما (2).
إن الإيمان معنى يتخلل كل وجود المؤمن وينبغي أن يتمثل في كل لحظة ولمحة من حياته، فالعقائد مرتبطة بالأعمال، والأعمال مرتبطة بالمشاعر والنيات وليس مؤمنا من اعتقد أن التكاليف والعبادات والأوامر والنواهي ليس مطلوبا منه أن يعمل بها، وإنما يكفي التصديق بها فحسب. وليس مؤمنا من فرق بين الصوم والصلاة والجهاد وسائر العبادات في لزومها وفرضيتها، أو جحد لزوم حد من الحدود، وشأن من اعتقد ذلك شأن من كفر بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا. قال تعالى:{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (3)
(1) صحيح البخاري ج 1/ 8 كتاب الإيمان باب (1).
(2)
الإيمان - أثره في حياة الإنسان- د. حسن الترابي ص 279 ط الأولى 1394 هـ دار القلم بالكويت.
(3)
سورة البقرة الآية 177