الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن حالة الوحي تكررت مرات كثيرة، في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بعثته، وكانت تلك الحالة معروفة للصحابة، وكانت تتسم لحظاتها بالسكينة والوقار، وكان الصحابة يطرقون خلالها بانتظار سماع الوحي الجديد، روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أنه قال:«وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينقضي الوحي» (1).
إن التلقي عن الله تعالى، حتى وإن كان عن طريق الملك، أمر خارج عن معهود الناس، إنه أمر عجيب، لكنه حدث مرات كثيرة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحس بحدوثه كثيرون، ورأوا مظاهره رأي العين، وتلقّوا ثمرته، وهي هذا القرآن العظيم الذي تلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، وحفظه عنه صحابته، وكتبوه، وعلّموه من جاء بعدهم، وتناقلته الأمة خلال العصور.
المبحث الخامس حفظ النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن
أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة دوره الجديد بعد ما نزل عليه قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (1)[العلق]، ونداء جبريل له: يا محمد أنت رسول الله حقا، ثم نزول قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)[المدثر]. وأن عليه أن يحمل الرسالة الإلهية ويدعو إليها الناس من حوله، وكانت طريقة تلقيه القرآن من جبريل عليه السلام لا تعطيه الفرصة للمراجعة والحفظ في لحظة التلقي، فكانت هذه الحالة تثير قلقه وخوفه من فقدان شيء من ألفاظ القرآن في وقت تلقيه من الملك.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعجّل في بادئ الأمر في حفظ القرآن، فيسابق جبريل، وهو يلقي إليه القرآن ساعة الوحي، فيردد الآيات قبل أن ينتهي الملك، مخافة أن ينسى منها شيئا، وكان ذلك مما يشق عليه، فجاء القرآن يطمئنه في أول
(1) صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 128، والبيهقي: دلائل النبوة 7/ 54.
الطريق، ويتكفل له بالحفظ المطلق للقرآن، وينهاه عن تلك العجلة، قال الله تعالى: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (113) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114)[طه].
وجاءت آيات أخرى تؤكد أن حفظ القرآن مكفول للنبي صلى الله عليه وسلم وهي قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19)[القيامة].
وقد روى البخاري في صحيحه تفسيرا لهذه الآيات عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، جاء فيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعالج من التنزيل شدّة، وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه، يخشى أن ينفلت منه، فأنزل الله لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) جمعه: أن نجمعه في صدرك (أي أن تحفظه) وقرآنه: أن تقرأه. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18): فإذا أنزلناه فاستمع وأنصت. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19): ثم إن علينا أن نبيّنه بلسانك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه جبريل (1).
وهذه الآيات الكريمة تؤكد أمرا هامّا، هو تكفّل الله المطلق بشأن القرآن، وحيا وحفظا وجمعا وبيانا، وإسناده إليه- سبحانه- بكليته، فليس للرسول صلى الله عليه وسلم من أمره إلا وعيه وحفظه وتبليغه، بعد أن أعطاه الله ملكة تامة للحفظ، فصار إذا أتاه جبريل استمع، فإذا ذهب جبريل قرأه كما قرأه عليه جبريل، يحفظ السورة الطويلة كما يحفظ السورة القصيرة، وليس هناك فرصة لنسيان شيء منه أو ضياعه.
وإلى جانب هذا الاستعداد الدائم الذي خص الله به النبي صلى الله عليه وسلم لحفظ القرآن، فإن جبريل عليه السلام كان يدارسه ما نزل عليه من القرآن في كل مرة، كما في الحديث
(1) صحيح البخاري 1/ 6 و 6/ 202، وابن سعد: الطبقات الكبرى 1/ 198.