الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكانت القراءات في القرن الأول تنسب إلى عدد من الصحابة، أو إلى المدن التي كانوا يسكنونها، فيقال: قراءة عبد الله بن مسعود أو قراءة أهل الكوفة، ويقال:
قراءة زيد بن ثابت أو قراءة أهل المدينة، وهكذا في القراءات الأخرى، لكن القراءات صارت تنسب بعد عصر الصحابة إلى علماء القراءة من التابعين وتابعيهم، ليس لأنهم تركوا قراءات الصحابة وابتدعوا قراءات جديدة، بل لأن القارئ من التابعين أو من تابعيهم صار يدرس القراءات القرآنية في الأمصار ثم يختار من مجموع ما درسه قراءة يقرأ بها ويعلّمها، وعناصرها مستمدة من قراءات الصحابة، وإن صارت تنسب إلى القارئ الذي اختارها، وكان القراء السبعة من بين عدد من قراء التابعين وتابعي التابعين الذين اختار كل واحد منهم قراءة نسبت إليه، مستمدا مادتها من القراءات التي تلقّاها عن شيوخه. وسوف نعرض هذا الموضوع في فقرتين: الأولى عن الاختيار في القراءة، والثانية عن القراء السبعة.
أولا- الاختيار في القراءة:
إن الاستجابة لحاجات المجتمع الإسلامي في عصر الصحابة والتابعين كانت تقتضي السرعة في إنجاز الأعمال وتثبيتها في الواقع العلمي من غير أن يتطلب ذلك تدوينها في شكل دراسات نظرية، أو توثيقها بعد ذلك في سجلات تاريخية، ومن ثم فإن الحديث عن القراءات القرآنية في تلك الحقبة وتطورها قد لا يغطي كل تفصيلات ما قام به علماء القراءة آنذاك في كل الأمصار، ولذلك سوف أركز على تتبع الموضوع في المدينة والكوفة اللتين كانتا أكثر الأمصار الخمسة نشاطا علميا في ذلك الوقت، مع الإشارة إلى بعض الروايات الأخرى الموضحة للموضوع.
كانت المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية الأولى، وكانت قراءة القرآن فيها تعرف بقراءة العامّة (1)، وقراءة الجماعة (2)، وقد تعرف بقراءة زيد بن
(1) الزركشي: البرهان 1/ 237.
(2)
الباقلاني: نكت الانتصار ص 147.
ثابت (1)، لأنه كان معلّم أهل المدينة. ونقل أبو شامة عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال:«كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرءون قراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان علي، رضي الله عنه، طول أيامه يقرأ في مصحف عثمان، ويتخذه إماما» (2).
وكانت إلى جانب قراءة الجماعة قراءات أخرى، تنسب إلى بعض الصحابة، ولكن بعد أن أرسلت المصاحف في خلافة عثمان إلى الأمصار «قرأ أهل كل مصر من قراءاتهم التي كانوا عليها بما يوافق خط المصحف، وتركوا من قراءتهم ما خالف خط المصحف» (3).
وكانت قراءة عبد الله بن مسعود، أو قراءة أهل الكوفة الأولى أشهر القراءات بعد قراءة الجماعة. قال ابن مجاهد: «وأما أهل الكوفة فكان الغالب على المتقدمين من أهلها قراءة عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، لأنه الذي بعث به إليهم عمر ابن الخطاب، رضي الله عنه، ليعلّمهم، فأخذت عنه قراءته قبل أن يجمع عثمان، رضي الله عنه، الناس على حرف واحد، ثم لم تزل في صحابته من بعده يأخذها الناس عنهم، كعلقمة، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وزرّ بن حبيش، وأبي وائل، وأبي عمرو الشيباني، وعبيدة السلماني وغيرهم
…
(1) أبو شامة: المرشد الوجيز ص 69.
(2)
المصدر نفسه ص 68.
(3)
مكي: الإبانة ص 29.
(4)
كتاب السبعة ص 66.
وانتشرت قراءة أهل المدينة في الكوفة، لا سيما بعد انتقال الإمام علي، رضي الله عنه، إليها، لكن أهل الكوفة لم يتركوا قراءة ابن مسعود دفعة واحدة، فقد ظلوا متمسكين بما يوافق خط المصحف منها، حتى كان سعيد بن جبير (ت 95 هـ) يؤمّ الناس في شهر رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت (1)، لكن معالم قراءة ابن مسعود كانت في طريقها إلى الاضمحلال، فقد قال سليمان بن مهران الأعمش (ت 148 هـ):«أدركت الكوفة وما قراءة زيد فيهم إلا كقراءة عبد الله فيكم اليوم، ما يقرأها إلا الرجل والرجلان» (2).
وإذا كنا نلاحظ أن قراءة ابن مسعود قد أخذت تختفي معالمها في أوائل القرن الثاني الهجري، فإن عناصر من تلك القراءة كانت قد دخلت في عدد من قراءات القراء المشهورين، خاصة ما يوافق خط المصحف منها، وهي تشكل أحد مصادر قراءة عاصم (ت 128 هـ) الذي قال:«ما أقرأني أحد حرفا إلا أبو عبد الرحمن السلمي، وكان أبو عبد الرحمن قد قرأ على علي، رضي الله عنه، وكنت أرجع من عند أبي عبد الرحمن فأعرض على زر بن حبيش، وكان زر قد قرأ على عبد الله» (3). فكانت قراءة عاصم إذن مختارة من قراءات شيوخه من التابعين.
وقد عرفت ظاهرة تأليف القراءة على ذلك النحو بظاهرة الاختيار، فكان أئمة الإقراء في القرون الأولى يختارون قراءة من مجموع القراءات التي يروونها عن شيوخهم، ويعلّمون بها تلامذتهم. وهذه الظاهرة قديمة ترجع جذورها إلى عصر الصحابة، فقد ذكر ابن الجزري أن ابن عباس «كان يقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت، إلا ثمانية عشر حرفا أخذها من قراءة ابن مسعود» (4).
(1) الذهبي: معرفة القراء 1/ 57، وابن الجزري: غاية النهاية 1/ 305.
(2)
ابن مجاهد: كتاب السبعة ص 67.
(3)
ابن مجاهد: كتاب السبعة ص 70.
(4)
غاية النهاية 1/ 426.
وتسمية القراءة القرآنية باسم القارئ ليس مبنيا على أساس أنه اخترع تلك القراءة بل لأنه اختارها ودوام عليها وعلّمها، قال الدانيّ: «إن معنى إضافة ما أنزل الله تعالى إلى من أضيف إليه من الصحابة، كأبيّ وعبد الله وزيد وغيرهم، من قبل أنه كان أضبط له وأكثر قراءة وإقراء به، وملازمة له وميلا إليه، لا غير ذلك. وكذا إضافة أن
ذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة، وآثره على غيره، ودوام عليه ولزمه، حتى اشتهر به، وعرف به، وقصد فيه، وأخذ عنه، فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد» (1).
وقد كان لمعظم علماء الإقراء في القرن الثاني الهجري اختيار في القراءة فكان نافع بن عبد الرحمن (ت 169 هـ) إمام أهل المدينة قد قال: «قرأت على سبعين من التابعين» (2)، وقال:«فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته وما شذّ فيه واحد تركته، حتى ألّفت هذه القراءة في هذه الحروف» (3).
وكان علي بن حمزة الكسائي (ت 189 هـ)«قد قرأ على حمزة ونظر في وجوه القراءات، وكانت العربية علمه وصناعته، واختار من قراءة حمزة وقراءة غيره قراءة متوسطة، غير خارجة عن آثار من تقدم من الأئمة، وكان إمام الناس في القراءة في عصره» (4). وقال ابن النديم: «وكان الكسائي من قراء مدينة السلام، وكان أولا يقرئ بقراءة حمزة، ثم اختار لنفسه قراءة، فأقرأ بها الناس في خلافة هارون» (5).
(1) جامع البيان ورقة 9 ظ، وابن الجزري: النشر 1/ 52.
(2)
ابن مجاهد: كتاب السبعة ص 62.
(3)
المصدر نفسه، ومكي: الإبانة ص 17.
(4)
كتاب السبعة ص 78.
(5)
الفهرست ص 30.
وصارت كلمة (اختيار) تساوي كلمة (قراءة)، فإذا قيل: اختيار حمزة فإنما ذلك يعني قراءته، لكن قراءات الصحابة لم تستخدم فيها كلمة اختيار، فكان يقال دائما قراءة ابن مسعود، وقراءة زيد وهكذا. وذكر ابن الجزري في كتابه (غاية النهاية في طبقات القراء) عشرات من اختيارات القراء، منها من غير اختيارات القراء السبعة اختيار خلف بن هشام (1)، واختيار يحيى بن مبارك اليزيدي (2)، واختيار أبي حاتم السجستاني (3)، واختيار أبي عبيد القاسم بن سلام (4). وذكر لبعض القراء اختيارين مثل محمد بن عيسى الأصبهاني (5).
ولم تستمر ظاهرة الاختيار إلى أبعد من القرن الثالث، فقد ذكر الذهبي أنه «سأل رجل ابن مجاهد: لم لا يختار الشيخ حرفا يحمل عليه؟ فقال: نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا، أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا» (6).
وإذا كانت ظاهرة الاختيار في القراءة قد توقفت عند عصر ابن مجاهد (ت 324 هـ) فإنها أدت إلى ظهور عدد من القراءات التي صارت تنسب إلى علماء القراءة الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري خاصة. كما أنها أدت إلى اختفاء قراءات الصحابة مثل قراءة زيد أو قراءة عبد الله، أو ما كان يعرف بقراءة أهل المدينة أو قراءة أهل الكوفة، لأن عناصر هذه القراءات قد دخلت في اختيارات القراء مختلطة بعضها ببعض، وأوضح مثال على ذلك قراءة عاصم الذي جمعت قراءته عناصر من قراءة زيد بن ثابت عن طريق أبي عبد الرحمن السلمي، وعناصر
(1) غاية النهاية 1/ 154 و 2/ 49.
(2)
غاية النهاية 2/ 376.
(3)
غاية النهاية 1/ 146 و 148 و 429.
(4)
غاية النهاية 1/ 188 و 2/ 347.
(5)
غاية النهاية 1/ 9 و 2/ 61 و 197 و 223.
(6)
معرفة القراء 1/ 217.