الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ (2)[الجمعة] فسرها بالخط والقلم، وكلمة (الكتاب) مصدر للفعل (كتب) مثل الكتابة (1)، فقال:«الكتاب: الخط بالقلم، لأن الخط فشا في العرب بالشرع، لما أمروا بتقييده بالخط» (2).
ثانيا- النبيّ صلى الله عليه وسلم يأمر بكتابة القرآن:
نزل القرآن مفرقا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يسر الله له حفظ القرآن، فلم تكن به حاجة إلى مصحف يقرأ فيه، وكان يتلوه على صحابته، ويأمرهم بتعهده خشية نسيانه، وآفة الحفظ النسيان، ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن، ونقل عنه أنه قال:«قيّدوا العلم بالكتاب» (3). وهذا القول من جوامع الكلم، فقد جعل صلى الله عليه وسلم الكتابة كالقيد للعلم، فلا يذهب ولا ينسى. وكان القرآن الكريم أولى بالتقييد من غيره، حتى لقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور الذي رواه أبو سعيد الخدري:«لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه» (4). وكان ذلك خشية أن تختلط ألفاظ الوحي بحديثه صلى الله عليه وسلم، وقد أذن لبعض الصحابة بكتابة الحديث بعد ذلك (5).
ونقل الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان كلما نزل عليه الوحي دعا بعض من يكتب له، فيقول له: ضع هذه الآية أو الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا (6)، يعني اسم السورة. وكان كثيرا ما يقول: «ادع لي زيدا، وليجئ باللّوح
(1) ابن منظور: لسان العرب 2/ 192 كتب.
(2)
ينظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 18/ 92.
(3)
الخطيب: تقييد العلم ص 69، وروى الدارمي هذه الكلمة عن عمر بن الخطاب (سنن الدارمي 1/ 127)، وقد يكون عمر اقتبسها عن النبي واستشهد بها.
(4)
صحيح مسلم بشرح النووي 18/ 129، والدارمي: كتاب السنن 1/ 119.
(5)
ينظر: سنن الدارمي 1/ 125.
(6)
أبو داود: كتاب السنن 1/ 209، وأبو شامة: المرشد الوجيز ص 233، والزركشي:
والدّواة» (1)، فيكتب له الوحي. وكان زيد بن ثابت ألزم الصحابة لكتابة الوحي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما أنه كان جار رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فقد روى ابن أبي داود عن خارجة بن زيد قال: «دخل نفر على زيد بن ثابت، فقالوا:
حدّثنا بعض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ماذا أحدّثكم! كنت جار رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا نزل الوحي أرسل إليّ فكتبت الوحي،
…
» (2).
ولا ريب في أن كتابة القرآن في المدينة كانت أيسر منها في مكة، لما كان يعانيه المسلمون من القلة والأذى من المشركين، ومع ذلك جاءت روايات تؤكد أن القرآن كان يكتب في مكة- قبل الهجرة- وأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته (3).
وقد ورد في قصة إسلام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن أوائل سورة طه كانت مكتوبة في رقعة في بيت أخته فاطمة، يتعلمون منها القرآن (4). ولم تكن هذه الصحيفة إلا واحدة من صحف كثيرة كانت متداولة بين المسلمين في مكة يقرءون فيها القرآن (5).
ويبدو أن عددا غير قليل من الصحابة كانوا يكتبون القرآن، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم:«لا تكتبوا القرآن إلا في شيء طاهر» (6). وذلك لحاجتهم إلى الكتابة على الأكتاف والجلود ونحوها، ومن ثم كثرت الصحف التي كتب عليها القرآن في أيدي الصحابة حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن أو المصاحف إلى أرض العدو خشية أن ينالوها (7).
البرهان 1/ 234.
(1)
البخاري: الجامع الصحيح 6/ 227، والذهبي: سير أعلام النبلاء 2/ 308.
(2)
كتاب المصاحف ص 3، وينظر: أبو الشيخ: أخلاق النبي وآدابه ص 19.
(3)
ينظر: ابن عبد البر: الاستيعاب 1/ 68.
(4)
ابن سعد: الطبقات الكبرى 3/ 267، وابن هشام: السيرة النبوية 1/ 344.
(5)
محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص 309.
(6)
أبو عبيد: فضائل القرآن 17 و.
(7)
ينظر: ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص 179 - 185.