الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان أمامهم {مَلِكٌ} [الكهف: 79]{يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79] أَيْ: كل سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ كَذَلِكَ فَخَرَقَهَا وَعَيَّبَهَا الْخَضِرُ حَتَّى لَا يأخذها الملك الغاصب.
[80]
قوله تعالى: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا} [الكهف: 80] أَيْ فَعَلِمْنَا، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنِينَ فَخَشِينَا، أَيْ فعلمنا، {أَنْ يُرْهِقَهُمَا} [الكهف: 80] يُغْشِيَهُمَا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يُكَلِّفَهُمَا، {طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [الكهف: 80] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَخَشِينَا أَنْ يَحْمِلَهُمَا حُبُّهُ عَلَى أَنْ يُتَابِعَاهُ عَلَى دِينِهِ.
[81]
{فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا} [الكهف: 81] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عمر بِالتَّشْدِيدِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ والقلم، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُمَا لُغَتَانِ وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: التَّبْدِيلُ تَغْيِيرُ الشَّيْءِ أَوْ تَغْيِيرُ حَالِهِ وَعَيْنُ الشيء قاصم والإبدال رَفْعُ الشَّيْءِ وَوَضْعُ شَيْءٍ آخَرَ مَكَانَهُ، {رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً} [الكهف: 81] أَيْ صَلَاحًا وَتَقْوَى، {وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [الكهف: 81] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالْبَاقُونَ بِجَزْمِهَا أَيْ: عَطْفًا مِنَ الرَّحْمَةِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الرَّحِمِ وَالْقَرَابَةِ، قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ أَوْصَلُ لِلرَّحِمِ وَأَبَرُّ بوالديه، قال مطرف: شرح بِهِ أَبَوَاهُ حِينَ وُلِدَ وَحَزِنَا عَلَيْهِ حِينَ قُتِلَ. وَلَوْ بَقِيَ لَكَانَ فِيهِ هَلَاكُهُمَا، فَلْيَرْضَ امْرُؤٌ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ قَضَاءَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ فِيمَا يَكْرَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ قَضَائِهِ فِيمَا يُحِبُّ.
[82]
قوله تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} [الكهف: 82] وَكَانَ اسْمُهُمَا أَصْرَمُ وَصَرِيمٌ، {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} [الكهف: 82] اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْكَنْزِ، رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:«كَانَ ذَهَبًا وَفِضَّةً» (1) . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ مَالًا. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كَانَ الْكَنْزُ صُحُفًا فيها علم {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: 82] قيل: كان اسمه كاشح وَكَانَ مِنَ الْأَتْقِيَاءِ. قَالَ ابْنُ عباس: حفظا بصلاح أبيهما، وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَبِ الصَّالِحِ سَبْعَةُ آبَاءٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّ اللَّهَ يَحْفَظُ بِصَلَاحِ الْعَبْدِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ، وَعِتْرَتَهُ وَعَشِيرَتَهُ وَأَهْلَ دُوَيْرَاتٍ حَوْلَهُ، فَمَا يَزَالُونَ فِي حِفْظِ اللَّهِ مَا دَامَ فِيهِمْ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنِّي لَأُصَلِّي فَأَذْكُرُ وَلَدِي فَأَزِيدُ فِي صَلَاتِي. قَوْلُهُ عز وجل: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} [الكهف: 82] أَيْ يَبْلُغَا وَيَعْقِلَا. وَقِيلَ: أَنْ يدركا شدتهما وقوتهما. وقيل: ثمان عشرة سنة، {وَيَسْتَخْرِجَا} [الكهف: 82] حينئذ {كَنْزَهُمَا رَحْمَةً} [الكهف: 82] نِعْمَةً، {مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82] أَيْ بِاخْتِيَارِي وَرَأْيِي، بَلْ فَعَلْتُهُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَإِلْهَامِهِ، {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 82] أَيْ لَمْ تُطِقْ عَلَيْهِ صَبْرًا، واستطاع واسطاع بمعنى واحد.
[83]
قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف: 83] خبرا، واختلفوا في نبوته وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَلِكًا عادلا صالحا.
[قوله تعالى إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ]
كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا. . . .
[84]
قَوْلُهُ عز وجل: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} [الكهف: 84] أوطأنا، والتمكين: تمهيد الأسباب. وقال عَلِيٌّ: سَخَّرَ لَهُ السَّحَابَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهَا، وَمَدَّ لَهُ فِي الْأَسْبَابِ وَبَسَطَ لَهُ النُّورَ فَكَانَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عَلَيْهِ سَوَاءً، فَهَذَا مَعْنَى تمكنه فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ أَنَّهُ سَهَّلَ عَلَيْهِ السَّيْرَ فِيهَا وَذَلَّلَ لَهُ طُرُقَهَا. {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [الكهف: 84] أي: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْخَلْقُ. وَقِيلَ: مِنْ كُلِّ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ الْمُلُوكُ عَلَى فَتْحِ المدن ومحاربة الأعداء، {سَبَبًا} [الكهف: 84] أَيْ: عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إِلَى كُلِّ مَا يُرِيدُ، وَيَسِيرُ بِهِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَالسَّبَبُ: مَا يوصل به إِلَى الشَّيْءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: بَلَاغًا إِلَى حَيْثُ أَرَادَ. وَقِيلَ: قَرَّبْنَا إليه أقطار الأرض.
(1) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الكهف 8 / 600 والحاكم في المستدرك 2 / 369 والبخاري في تاريخه والطبراني. انظر تحفة الأحوذي 8 / 601.
[85]
{فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 85] أي: سلك وسار طريقا، قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ: فَاتَّبَعَ ثم اتبع موصولا مشددا، قرأ الْآخَرُونَ بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَجَزْمِ التَّاءِ: وَقِيلَ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَالصَّحِيحُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ قَطَعَ الْأَلِفَ فَمَعْنَاهُ أَدْرَكَ وَلَحِقَ، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ فَمَعْنَاهُ سَارَ، يُقَالُ: مَا زِلْتُ أَتْبَعُهُ حَتَّى أَتْبَعْتُهُ أَيْ: مَا زِلْتُ أَسِيرُ خَلْفَهُ حَتَّى لَحِقْتُهُ. وَقَوْلُهُ: سَبَبًا أَيْ طَرِيقًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْزِلًا.
[86]
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الكهف: 86] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ (حَامِيَةٍ) بِالْأَلِفِ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ، أَيْ حَارَّةٍ، وقرأ الآخرون {حَمِئَةٍ} [الكهف: 86] مَهْمُوزًا بِغَيْرِ الْأَلِفِ أَيْ ذَاتُ حَمْأَةٍ، وَهِيَ الطِّينَةُ السَّوْدَاءُ، وَسَأَلَ مُعَاوِيَةُ كَعْبًا: كَيْفَ تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ؟ قَالَ: نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهَا تَغْرُبُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الكهف: 86] أَيْ عِنْدَهَا عَيْنٌ حَمِئَةٌ أَوْ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ. {وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا} [الكهف: 86] أي عند العين أمة {قُلْنَا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ} [الكهف: 86] يَسْتَدِلُّ بِهَذَا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْإِلْهَامُ، {إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ} [الكهف: 86] يَعْنِي إِمَّا أَنْ تَقْتُلَهُمْ إِنْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، {وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} [الكهف: 86] يَعْنِي تَعْفُو وَتَصْفَحُ. وَقِيلَ: تَأْسِرُهُمْ فَتُعَلِّمُهُمُ الْهُدَى، خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
[87]
{قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ} [الكهف: 87] كفر، {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} [الكهف: 87] أَيْ: نَقْتُلُهُ، {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ} [الكهف: 87] فِي الْآخِرَةِ {فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا} [الكهف: 87] أَيْ: مُنْكَرًا يَعْنِي بِالنَّارِ، وَالنَّارُ أَنْكَرُ مِنَ الْقَتْلِ.
[88]
{وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} [الكهف: 88] قرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب {جَزَاءً} [الكهف: 88] مَنْصُوبًا مُنَوَّنًا أَيْ: فَلَهُ الْحُسْنَى جزاء نصب على المصدر، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الْإِضَافَةِ، والحسنى الجنة وإضافة الحسن إليها كما قال:{وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ} [الأعراف: 169] وَالدَّارُ هِيَ الْآخِرَةُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بالحسنى عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ. {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف: 88] أَيْ نُلِينُ لَهُ الْقَوْلَ وَنُعَامِلُهُ بِالْيُسْرِ مِنْ أَمْرِنَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُسْرًا أَيْ مَعْرُوفًا.
[89]
{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 89] أَيْ سَلَكَ طُرُقًا وَمَنَازِلَ.
[90]
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ} [الكهف: 90] أَيْ مَوْضِعَ طُلُوعِهَا، {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} [الكهف: 90] قَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الشَّمْسِ سِتْرٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوُا فِي مَكَانٍ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ بِنَاءٌ، فَكَانُوا يَكُونُونَ فِي أَسْرَابٍ لَهُمْ حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْهُمْ خَرَجُوا إِلَى معايشهم وحروثهم.
[91]
قوله عز وجل: {كَذَلِكَ} [الكهف: 91] قِيلَ: مَعْنَاهُ كَمَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ كَذَلِكَ بَلَغَ مَطْلِعَهَا،
وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ كَمَا حَكَمَ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ غروب الشَّمْسِ كَذَلِكَ حَكَمَ فِي الَّذِينَ هم عند طلوع الشَّمْسِ، {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} [الكهف: 91] يَعْنِي بِمَا عِنْدَهُ وَمَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ وَالْعُدَّةِ وَالْآلَاتِ خُبْرًا أَيْ علما.
[92]
{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 92]
[93]
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} [الكهف: 93] هما هنا جبلان سدد، والقرنين مَا بَيْنَهُمَا حَاجِزًا بَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَمَنْ وَرَائَهُمْ. {وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا} [الكهف: 93] يَعْنِي: أَمَامَ السَّدَّيْنِ. {لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} [الكهف: 93] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (يُفْقِهُونَ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ عَلَى مَعْنَى لا يفهمون غَيْرَهُمْ قَوْلًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الياء والقاف، أي لا يفهمون كَلَامَ غَيْرِهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لا يفهمون كَلَامَ أَحَدٍ وَلَا يَفْهَمُ النَّاسُ كَلَامَهُمْ.
[94]
{قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ} [الكهف: 94] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا ذَلِكَ وهم لا يفهمون؟ قِيلَ: كَلَّمَ عَنْهُمْ مُتَرْجِمٌ، دَلِيلُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِمْ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ. {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} [الكهف: 94] قرأهما عاصم مهموزين، والآخرون بغير همز، وَهُمَا لُغَتَانِ أَصْلُهُمَا مِنْ أَجِيجِ النار، وهو ضوؤها وَشَرَرُهَا، شُبِّهُوا بِهِ لِكَثْرَتِهِمْ وَشِدَّتِهِمْ، وقيل: بالهمز من أَجِيجِ النَّارِ وَبِتَرْكِ الْهَمْزِ اسْمَانِ أعجميان، مثل هاروت وماروت قوله تعالى:{مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} [الكهف: 94] قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَسَادُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْرُجُونَ أَيَّامَ الرَّبِيعِ إِلَى أَرْضِهِمْ فَلَا يَدَعُونَ فِيهَا شَيْئًا أَخْضَرَ إلا أكلوه ولا يا بسا إلا احتملوه، وَأَدْخَلُوهُ أَرْضَهُمْ، وَقَدْ لَقُوا مِنْهُمْ أَذًى شَدِيدًا وَقَتْلًا. وَقِيلَ: فَسَادُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ النَّاسَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ. {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا} [الكهف: 94] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (خَرَاجًا) بِالْأَلِفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ خَرْجًا بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، أَيْ جُعْلًا وَأَجْرًا مِنْ أَمْوَالِنَا. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: الْخَرْجُ مَا تَبَرَّعْتَ به، والخراج مَا لَزِمَكَ أَدَاؤُهُ. وَقِيلَ: الْخَرَاجُ على الأرض والخرج عَلَى الرِّقَابِ. يُقَالُ: أَدِّ خَرْجَ رَأْسِكَ وَخَرَاجَ مَدِينَتِكَ. {عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} [الكهف: 94] أَيْ حَاجِزًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْنَا.
[95]
{قَالَ} [الكهف: 95] لَهُمْ ذُو الْقَرْنَيْنِ: {مَا مَكَّنِّي فِيهِ} [الكهف: 95] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ (مَكَّنَنِي) بِنُونَيْنِ ظَاهِرَيْنِ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى الْإِدْغَامِ، أَيْ مَا قواني عليه، {رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف: 95] من جعلكم، {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} [الكهف: 95] مَعْنَاهُ إِنِّي لَا أُرِيدُ الْمَالَ بَلْ أَعِينُونِي بِأَبْدَانِكُمْ وَقُوَّتِكُمْ، {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف: 95] أَيْ سَدًّا، قَالُوا: وَمَا تِلْكَ الْقُوَّةُ؟ قَالَ: فَعَلَةٌ وَصُنَّاعٌ يُحْسِنُونَ الْبِنَاءَ وَالْعَمَلَ، وَالْآلَةُ. قَالُوا وَمَا تلك الآلة؟ قال:
[96]
{آتُونِي} [الكهف: 96] أَعْطُوْنِي وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ ائْتُونِي أي جيئوني، {زُبَرَ الْحَدِيدِ} [الكهف: 96] أَيْ قِطَعَ الْحَدِيدِ وَاحِدَتُهَا زُبْرَةٌ، فَآتَوْهُ بِهَا وَبِالْحَطَبِ وَجَعَلَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فَلَمْ يَزَلْ يَجْعَلُ الْحَدِيدَ عَلَى الْحَطَبِ وَالْحَطَبَ عَلَى الْحَدِيدِ، {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} [الكهف: 96] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ بِضَمِّ الصَّادِّ وَالدَّالِّ، وَجَزَمَ أَبُو بَكْرٍ الدَّالَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، وَهُمَا الْجَبَلَانِ، سَاوَى أَيْ: سَوَّى بَيْنَ طَرَفَيِ الجبلين. {قَالَ انْفُخُوا} [الكهف: 96] وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْفَحْمَ وَالْحَطَبَ فِي خِلَالِ زُبَرِ الْحَدِيدِ ثُمَّ قَالَ انْفُخُوا يَعْنِي فِي النَّارِ، {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا} [الكهف: 96] أَيْ صَارَ الْحَدِيدُ نَارًا، {قَالَ آتُونِي} [الكهف: 96] قَرَأَ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ وَصْلًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِقَطْعِ الْأَلِفِ. {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: 96] أَيْ آتَوْنِي قِطْرًا أُفْرِغْ عَلَيْهِ، والإفراغ الصب والقطر هُوَ النُّحَاسُ الْمُذَابُ، فَجَعَلَتِ النَّارُ تَأْكُلُ الْحَطَبَ وَيَصِيرُ النُّحَاسُ مَكَانَ الْحَطَبِ حَتَّى لَزِمَ الْحَدِيدُ النُّحَاسَ. قال قتادة: هو كالبر والبحر طَرِيقَةٌ سَوْدَاءُ وَطَرِيقَةٌ حَمْرَاءُ، وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّ عَرْضَهُ كَانَ خَمْسِينَ ذِرَاعًا